|
الاثنين, 18 فبراير 2013 12:43 |
محمد ولد الراجلبقلم: محمد ولد الراجل
أسس بيرام ولد الداه ولد اعبيدي منذ عشرة أشهر وتحديدا مساء المحرقة المشهود لمرحلة نضالية جديدة، كان أحد ركنيها متمثلا في الهجوم على الكتب الفقهية، أما الركن الثاني فقد حول مساره من مناضل في حق، يقف أمام من يرعون بحكمهم الاسترقاق إلى داع للفتنة، مصارح بالعرقية المقيتة.
وقد كانت كل الملابسات تدل على أن الرجل قبل المحرقة ليس هو بعدها، وأنه اختط لنفسه منهجا جديدا بدأت الأيام تكشف معالمه، وليست قضية العبودية لحد الساعة من أولوياتها على ما يبدو.
ما قبل المحرقة
من نظر بسرعة لما كان عليه بيرام يدرك بجلاء أن الرجل في نضاله ضد الاسترقاق ومخلفاته كان رجل قضية عادلة، بل إن وطننا يتطلب من يدافع عنها لنحمي نسيجنا الاجتماعي من العابثين، ونقضي على الاسترقاق ومخلفاته التي لا تزال تعاني منها شريحة عريضة من مجتمعنا المسلم.
وقد تميز بيرام السابق في نضاله الحقوقي على نقاط رسمت ملامحه الكفاحية في عدة مرتكزات أساسية:
العمل الميداني: و الذي يبحث عن ضحايا الاسترقاق، يثقفهم بالمسؤوليات التي تقع على عواتقهم حتى يتمكنوا من القضاء على مخلفات الحقبة الظالمة والمظلمة من تاريخنا الحاضر.
كما أن عمل الرجل الدؤوب على فضح الممارسات الاسترقاقية الموجودة ـ والتي لا يمكن أحدا إنكارها ـ وتوجيه الاتهام مباشرة للمتورطين فيها حتى ينالوا عقوبتهم القانونية شكل جهودا تذكر فتشكر في المجال.
معارضة السلطة الحاكمة: ومن أعاد شريط الذكريات قليلا يتبين كيف أن الرجل كان ندا للجنرال محمد ولد عبد العزيز، بل وأشد خصومه السياسيين نقدا له.
فتارة يدعو بصريح العبارة أفراد الجيش من الأرقاء السابقين إلى تقديم استقالات جماعية، متهما الجيش الموريتاني بالجيش الفئوي.. معلنا في الوقت ذاته أن سيف الطرد سلط على كثيرين من أبناء شريحة لحراطين بعد رفضهم أن يكونوا خداما في لأفراد من طبقة البيظان داخل المؤسسة ىالعسكرية.
وفي نفس السياق كان من المعتاد جدا أن يظهر علينا ولد اعبيدي ليقول إن الجنرال عزيز نفسه يرعى بشكل رسمي الممارسات الاسترقاقية.. ويصفه على أنه...
وبغض النظر عن الخطاب المتشنج، والتصرفات الطفولية لبيرام ما قبل المحرقة، إلا أن فعله النضالي كان لافتا في أدائه، ومثل مخلصا حقيقا لقاعدة عريضة من ضحايا الاسترقاق.
المحرقة وتأسيس الرؤية الجديدة
يطرح توقيت إحراق الكتب كثيرا من التساؤلات، فهي في وقت حرج بالنسبة للنظام، وتبدو الدوائر الأمنية تعمل بشكل جدي من أجل إحداث زوبعة إعلامية جانبية تهدف إلى افتعال قضية تصرف نظر المواطن عن الفعل النضالي الذي بلغ فيه درجة متقدمة نحو انتزاع الحقوق.
وبعد أن أدخل بيرام السجن المدني وأعلن الرئيس عزيز أنه سيطبق فيه "الشريعة"، وبعد العفو عنه وإطلاق سراحه.. تبين أن شيئا ما تغير، وأن بيرام ما بعد المحرقة ليس بالضرورة هو بيرام "المألوف" قبلها.
وأول رسالة تقرأ من العفو عن بيرام أن اتفاقا موقعا أو "مفروضا" على طريقة ما، جرى بين الجنرال عزيز وبيرام، فالأول استخدم اعتقال ولد اعبيدي كورقة دعائية في لحظة كانت كل المؤشرات تدل على أن المواطن الموريتاني البسيط لم يعد يرى أملا في استمرار حكم الجنرال..
وكان العفو عن الرجل بداية فعلية للولوج إلى خط نضالي لم يعد النظام طرفا فيه ولا معنيا به، وأبرز ما تجلى في هذا الخط نقاط ثلاث:
-الشكر الصريح للنظام الحاكم: فعقب الجولة التي قام بها بيرام، نظم وقفة أمام إدارة الأمن وشكر فيها ولاة الداخل على التسهيلات التي وفروا له خلال جولته..
وأثنى ولد اعبيدي خلال تصريحات صحفية له على السلطات الأمنية والإدارية في تعاطيها مع منظمي قافلته، معتبرا أنهم ساهموا في إنجاحها..
وخلال الأسبوع قبل الماضي صرح بيرام أن الحكومة الموريتانية أفضل من بعض الأحزاب المعارضة في تعاطيها مع العبودية.
وفي نفس الاطار يقول قيادي من المحكوم بهم إن بيرام لا يمثل خطرا بالنسبة للنظام القائم، في إحدى الرسائل الأشد صراحة بأن الرجل يوجه حسب مسطرة جديدة ليست أكثر من حلقة من مسلسل المآسي التي يطحن بها شعبنا المسكين.
- التمرد الصريحة ضد الأخلاق الإسلامية: وقد بدأ ذلك التمرد خلال الجولة سالفة الذكر، فقد لوح من اعتبر فقه حركة إيرا بحرق مزيد من الكتب.
وقال الفقيه محمد فال ولد محمد إنهم قرروا حرق مجموعة من الكتب وذكرها بالأسماء معلنا كفر حركته بها.
وأكبر فاجعة هي بيان الفسوق والانحلال الذي خرج لنا إعلاميا، متهجما على الدعوة الإسلامية ضاربا إياها بعصى واحدة، يتساوى في ذلك وسطيها وتكفيرها..
ولم يسلم الحجاب من ذلك الهجوم، الذي اعتبره زيا غريبا على مجتمعنا..
البيان يأتي مواصلة لشد أعصاب الشعب الموريتاني، في قضية جانبية.. وإن تبين أن بيراما فقد كثيرين ممن كانوا يتضامنون معه، لكن النظام في النهاية حقق منها هدفا بتقديم بيرام كبش فداء لغضب الشعب حتى يتغاضى عن شطحات بيرام وإن لحين.
- والنقطة الثالثة والتي لا تقل أهمية عن سابقتيها هي المعاداة الصريحة للمعارضة الراديكالية، وقد تهجم بيرام على حزبين من أبرزها فاعلية ونضالا، كما أن صب جام غضبه على العلامة الددو يأتي ليؤكد أن الرجل ينفذ "تكليفا" بمعاداة كل من لا يدور في فلك الجنرال مائة بالمائة...
وفي كل الأحوال فإنه بعد الفشل الذريع الذي منيت به الأجهزة الأمنية قبل سنتين من الآن، وخيبتها في الخطة المحكمة التي كانت تريد أن تقضي على من يعتبرهم النظام أعدائه الألداء، يبدو أن بيرام يسير على خطة قريبة من تلك، وإن كانت خطة ولد اعبيدي تلبس لبوس الحقوق..
لئلا تسقط القضية..
لا يمكن اعتبار شريحة معينة من الشعب هي الضحية المباشرة من تصرفات ولد اعبيدي، ولا أن شخصية علمية، ولا جهة سياسية تتأثر بها، وإنما يتأثر منها هذا الشعب كله، ومن أول ضحاياه من كان يعتبر هو المدافع عنهم في السابق..
فبعد نكوص الرجل على عقبه وتخليه عن قضيته، لا بد أن نرى فعلا حقوقيا وطنيا يشكل بديلا فعليا حتى لا تسقط قضية ضحايا الاسترقاق في مناكفات السياسيين.
ولابد من إحياء القضية وتأسيسها على أركان ثابتة، لا تتأثر بظرف سياسي، ولا تأزم، وإنما تعمل بجدية من أجل القضاء على كل المخلفات التي خلف الظلم على شريحة مهمة من شرائحنا الوطنية.
والاسترقاق لا ينكره إلا مكابر، وضحاياه موجودون، وإذا استمرت القضية على حالتها فإنها تمثل خطرا حقيقيا للنسيج الاجتماعي، ولا بد من تمييز إيجابي لضحاياه، حتى يتساوى كل أبناء الوطن.
|