|
الجمعة, 01 مارس 2013 13:20 |
|
تاريخ أفعال السياسيين في موريتانيا لم يعد شأنا هامشيا في سلم التقويم السياسي، ولا من الدروس الأقل استذكارا عند يوم الامتحان. والذين يراهنون على ضعف الذاكرة السياسية للموريتانيين بما يكفي لمحو التأثيرات السلبية الناجمة عن تاريخ أفعالهم، إما أنهم هم أنفسهم مصابون بضعف الذاكرة أو قد استولى على رؤوسهم الخرف.
فمراجعة بسيطة لخارطة موازين الاصطفاف في المشهد الوطني الحالية تعطي دليلا على فداحة خطأ التعويل على ذاك الرهان، أعني رهان"ضعف الذاكرة ".
وإن المتشبثين بخرافة أن التاريخ قد يعيد نفسه إنما هم في الواقع ينتجون تاريخا خارج التاريخ، ويتهيئون ليكونوا في مقدمة ضحاياه.. كمن يصر على المخاطرة باستعمال مَرْهَمِ منقضي الصلاحية متذرعا بأنه لن يقرأ بوليصة إنتاجه.
إن الذين يحاولون اليوم إعادة تسويق السيد اعل ولد محمد فال، إنما يصنعون الشيء ذاته وربما أسوأ منه.
لقد كان أمرا مدمرا للثقة، ومثيرا للشفقة أن تجنح منسقية المعارضة إلى محاولة إعادة استهلاك المستهلك ، وأن تقع في تلك الدرجة العالية من التناقض حين تبتلع شعاراتها المناوئة للفساد والمفسدين ثم تستقبل، في ذات الوقت ، ذاك الرجل الذي يعد، بلا منازع، سيد الفساد والمفسدين.
ولا أقلَ مصداقيةً من ذلك إلا اغتباط الرجلِ نفسِه بذاك الاحتضان، واحتدام توَهُمِهِ بأنْ سيوفرُ له "عودةً مقبولة ً" إلى الساحة، بعد سنواتٍ مِنْ بَيَاتِه السياسي، جَرَاءَ ضربة انتخابية قاضية، سَدَدَتْها في نحره صناديقُ استحقاقات 2009.
لقد ضَعُفَ الطالب والمطلوب،وبات ذاك الاحتضان موسما سياسيا زاخرا بالسخرية من التاريخ ، وحافلا بتساقط أوراق التوت التي كانت تواري زيف شعارات منسقية المعارضة، وانتحر، على أسوار فشلها الذريع، مطلب"الرحيل" ،وأقْفَرتْ مرابعها وانتعل منابِرَها ذاك العائذ ُمن بياته يطلق الكلام على عواهنه لا يلقي له بالا، يسرف في التهديد والوعيد،لم يُبْقِ شيئا مما يتحلى به شخصه الكريم إلا وسارع برميه على مشجب"النظام".
ولولا أن الشاشات قد أرتنا صور سيادته واقفا يتحدث،لأصابنا الشكُ بأن من يتحدث هو شخص آخر ، فبإمكاننا توقع أي شخص يحدث عن تلك الأشياء إلا سيادته، اللهم إلا إذا كان يسعى ليسخر من نفسه. وأي سخرية أشد من أن يتحدث السيد اعل ولد محمد فال عن الفساد والمفسدين وعن الانقلابات والانقلابيين،وعن سوء أحوال البلاد..
هناك ـ بطبيعة الحال ـ أمور عديدة تتعلق بشخصه الكريم، لا نعلمها منها ما هو محمود ومنها ما دون ذلك، ولكن هناك أمورا أخرى عديدة نعلمها واحدة منها كانت كفيلة ـ لو أنصف نفسه ـ بأن تكف لسانه عن الحديث في السياسة ، وأن تمسك برجليه عن المسير إلى المهرجانات والمظاهرات ،وأن تلوذ به إلى أقرب مخفر للتاريخ يدفن فيه رأسه حتى يقضي الله كان مفعولا.
لقد علم شخصه الكريم أننا نعلم ـ أن سيادته تمثل النموذج الأوضح للفساد المالي والإداري الماثل للعيان في العمارات والأسواق والضيع والحسابات المصرفية والصفقات المالية ، وفي تاريخه الأمني الذي ما يزال مكتوبا بحروف "غليظة " من الملاحقات والتعذيب وتلفيق التهم ضد السياسيين والنقابيين والحقوقيين، وأن ذاكرتنا لم تنس بعدُ إعلانه أمام رؤوس الأشهاد أن من محاسن النظام الذي جيء به على أنقاضه هو ربطه للعلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني ، وأنه لو استقبل من أمره ما استدبر لفعل الفعلة نفسها . وأنه ما يزال إلى يومنا يحج كل عام إلى فرنسا ليذرف على حائط المبكى اليهودي دموع الحسرة على المحرقة المزعومة، دون أن ينبس ببنت شفة حين تعرض الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين إلى القتل والتهجير والسجن على أيدي نفس العصابات الإسرائيلية.
وهو يعلم كذلك أننا لم ننس ـ بعد أن ذاق حلاوة "طعم السلطة" ـ محاولته تعليق نهاية مرحلة حكمه الانتقالي بلعبة الورقات البيضاء، فكان إذعانه على قبول التراجع عذرا أقبح من جرم.
ومع ذلك فلن تشفع تلك الصفات للذين ينتظرون من منسقية المعارضة أن تقدم لهم ما يكفي لدرء التناقض بين تاريخ ذاك الرجل الذي استقبلته واحتفت به ، وبين شعاراتها التي يمثل هو الصورة النموذجية لنقيضها. بل عليهم انتظار مزيد من الانتظار طالما استمر منطق العلاقة بين منسقية المعارضة وذاك الرجل مفارقا في دوافعه للحصافة الأخلاقية وفي مسوغاته للمصداقية السياسية، وقائما على إسقاط ما تتَصف به على ما تصِف به.
وربما لن يستعجل بعض المنتظرين،أن تكشف لهم منسقية المعارضة أسباب هذا الاختلال المدمر لنسيج معايير استقطابها، فقد يحلو لهم قضاء فسحة من الوقت في متابعة الخرجات "الثورية " لذاك الرجل، بما قد يملأ لهم أشداقهم بالضحك حين يلوح بقبضات يديه في الهواء كأنما يتوعد السماء،أو حين يعيد تمثيل مسرحية الرسوم المتحركة التي تروي قصة "بطل" يبحث عن دور ضائع ، فلا يجد غير نفر غرقى، يبحثون عن أي جسم يطفو على سطح بحر أخطائهم، فيتمسكون به فيهوي بهم معه إلى القاع .
|