|
تمثل التحولات السياسية العنيفة التي شهدتها المنطقة العربية ضمن ما اصطلح علي تسميته بالربيع العربي انتقالة كبيرة في طريقة تعاطي الإنسان العربي مع قضايا وإشكالات الإصلاح والتغيير , وربما وهذا هو الأهم مع آليات الوعي الخاص بالواقع والتاريخ .
وإذا كانت بعض البلدان العربية ومن ضمنها بلادنا قد شكلت حتى الآن استثناء علي مستوي التعاطي الإيجابي مع دعوات التغيير التي تبنت شعار الثورة فإن غاية هذه الملاحظات هي أن تقارب علي نحو هادئ جملة من الأسباب الموضوعية التي تجعل من دعوة الثورة دعوة مريبة في نظر الكثيرين ممن قد لا تربطهم صلة وثيقة بالنظام .
بداية أعتقد أن أغلب المقاربات التي تناولت الموضوع , والتي نحت منحي أنتروبولوجيا في التحليل قد جانبت في معظمها الموضوعية وذلك لأنها تبنت منذ البداية الانحياز إلي طرف من أطراف السجال فانتهت إلي خطاب تبجيلي تبعا لزاوية الموقف الذي تصدر عنه , ومع أن هذه الملاحظات لا تدعي لنفسها الموضوعية المطلقة لاستحالة ذلك , كما لا تخفي انحيازها لدعاة التغيير , إلا أنها مع ذلك تأتي بعد أن خفت حدة السجال وتراجعت بعض مطالب الثورة , مما قد يتيح لها فرصة المقاربة الهادئة .
يقع الإجماع العزيز بين متناولي ظاهرة ذبول ورد الربيع الموريتاني علي توفر أغلب الدواعي والمحفزات الضرورية للثورة من قبيل تفشي ظواهر الفساد الاقتصادي والاجتماعي وتدني مستويات الصحة والتعليم , وانتشار الظلم بكل صنوفه وهيمنة ثقافة الإقصاء والتهميش لاعتبارات سياسية وقبلية , إضافة إلي الترهل العام الذي تعاني منه جميع مفاصل الدولة والذي يطال حتى فكرتها في أذهان المواطنين
ومع ذلك لم يرق شعار الثورة الذي رفعته المعارضة للكثيرين حتى ممن كانوا متخندقين ضمن أحزابها , وهو ما دفع بعض المفسرين إلي الحديث عن عقلية موريتانية تؤثر السلامة , ولا تري ضرورة للاحتجاج طالما لم تعمد السلطة إلي مصادرة الممتلكات الخاصة , وهي العقلية التي ساهمت في تجذ يرها الأحكام الأحادية التي تعود إلي التشكل الأول للسلطة منذ عهد الإمارات الموريتانية , وعلي الرغم من الوجاهة التاريخية التي قد تحظي بها هذه الفرضية قياسا إلي تاريخ النزاعات المؤرخة إلا أنها تواجه بعض الصعوبات التي تحول دون اعتمادها كفرضية تفسيرية تأسيسية ,
ذلك أنه منذ انتزاع الرئيس الحالي للسلطة شهدت علاقته بأوساط المال تحولات عديدة , تضمنت الكثير من الإتاوات تحت شعارات مختلفة ولم يسوغ ذلك شعار الثورة حتى بالنسبة للمتضررين أنفسهم , مما يعني أن المساس بالمال ليس كافيا وحده للدفع بمشروع الثورة إلي الأمام مما يتطلب في نظري البحث عن أسباب خفوت خطاب الثورة بالاعتماد علي فرضيات أخري تتعلق هذه المرة بأولئك الذين تصدوا لحمل الشعار وبالطريقة التي سعوا إلي ترويجه عبرها.
لم يبخل الرئيس الحالي كما أسلفنا بتوفير الشروط المحفزة علي الثورة عندما عمل من خلال شعار محاربة الفساد علي توطين منظومة فساد مضادة استعادت بكل دقة وحيوية مستلزمات المنظومة التي ادعت محاربتها , لكنه نجح من خلال الدفع بمفسدين لامعين إلي صفوف المعارضة في إظهار هذه الأخيرة وكأنها تجمع خيري لإيواء المفسدين الهاربين من مضايقات النظام الساعي إلي التخلص من الوجوه المستهلكة>
وإذا كان البعض يربط بين تغلل وجوه نظام ولد الطايع في المعارضة وبين الحيرة والتشتت الذي صاحب سقوط ذلك النظام فإن ما لا ينتبه إليه هؤلاء هو أن الرئيس الحالي كان الشخصية النافذة في تلك المرحلة وكان المنظم الفعلي لأغلب تلك الهجرات التي استطاع من خلالها حرمان المعارضة لاحقا من فضيلة النقاء التي كانت وراء الإقبال الشعبي الذي حظيت به بعض أحزابها في الفترة الانتقالية , ولذلك فإن وصمة الفساد قد غدت ميزة للجميع مما يعني بالنسبة للكثيرين أنه لا معني لبذل الروح لتنصيب مفسد محل مفسد آخر, ولذلك بدا شعار الثورة سابقا لأوانه لم يعرف التدرج الذي عرفته شعارات الثورة في تونس ومصر واليمن وليبيا , التي خرج مواطنوها من أجل الإصلاح وصمموا علي تحقيقه قبل ترديد شعار سقوط النظام , ولهذا سهل علي النظام الموريتاني تسويغ فكرة العداوة الشخصية وحب السلطة كدوافع رئيسية لحراك المعارضة , وهو ما كان سيخوله القدرة علي الحشد المضاد لو تطورت الأحداث في اتجاه تصاعدي , ولذلك فإن غياب التدرج في خطاب المعارضة إضافة إلي تاريخ بعض أطرافها الفاعلة في التحالف مع النظام قد جعل من شعار الثورة شعارا انتهازيا , يفيد علي مستوي تحصين الناخبين الموالين للمعارضة في وجه محاولات الاختراق المتكررة من طرف النظام ولكنه لم يستطع بث الشحنة الضرورية لبدء الانتفاضة الشعبية المطلوبة .
إن تاريخ الثورات الشعبية ينبئ عن الحاجة , إضافة إلي الظلم والفقر والفساد, إلي توفر شرطين أساسيين : وجود نخبة متنورة مقتنعة بالثورة ومجمعة عليها , ومقنعة لرأيها العام , ثم وجود حركات نقابية قادرة علي حشد القطاعات العمالية التي تمثل شريحة المواطنين المنظمة , ودون أن أدخل في نقاش حول مدي توفرنا علي هذين الشرطين , أبادر إلي القول إنه مما يستطيع أي متابع أن يلحظه هو أن الذين رفعوا شعار الثورة , مع تقديري لأهميته واحترامي لحقهم في ذلك , لم يتفطنوا إلي أن العجز عن تثوير الشعب لصالح هدف سام ونبيل قد يشكل فرصة للطرف الآخر لإجهاض هذا المطلب وتفريغه من محتواه , بل وحتى جعله هدفا منبوذا , وهو ما تفطن له الرئيس الحالي فصار ينكت علي من يصفهم بالثوار الموريتانيين العجزة , وقد صادف أن أصاب حقيقة أن الثورة الشعبية لا يصنعها السياسيون التقليديون , قد ينجحون في تنظيمها , وهم قطعا أول المستفيدين من ريعها , لكنهم دائما هم أقل ضحاياها , وتجارب بلدان الربيع العربي خير دليل علي ذلك , فتيار الإخوان في مصر علي الرغم من عراقته وانتشاره وهيمنته علي مفاصل العمل النقابي , وتاريخه في مقارعة نظام حسني مبارك لم يكن له أي فضل مباشر في انطلاقة ثورة مصر, وجاء قرار مشاركته فيها لاحقا ليستثمر قدراته التنظيمية والتعبوية والمالية الهائلة في إفادتها والاستفادة منها , ونفس الشيء ينطبق تقريبا علي حركة النهضة في تونس , وهو ما لم تستفد منه المعارضة الوطنية رغم تواصلها مع هذه التيارات , ولذلك فإن الاحتضان السياسي التقليدي لمطلب الثورة كان وراء تضييق مستوي الاحتضان الشعبي له , كما وفر القدرة للنظام علي استثمار مجمل الأخطاء المصاحبة لهذا المطلب لتعميق النفور منه .
إن الثورة مطلب حيوي وحاجة شعبية ملحة لأن واقع الفساد في هذا البلد لم يعد بالإمكان تلافيه عن طريق إصلاحات ترقيعية شكلية كتلك التي ينتهجها النظام الحالي ليمرر من خلالها جملة من مشاريع الانتفاع الشخصي والعشائري التي قد تقود إلي مضاعفات خطيرة تهدد الاستقرار السياسي والشعبي في البلد .
|