|
السبت, 23 مارس 2013 15:35 |
|
لـم يخلُ عصر من عصور الإسلام من كلام الأقران وصدامات العلماء وقول بعضهم في بعض أشنعَ القول وأنكاه، لكن الأمة كانت رغم كل ذلك في خير وتقدم؛ إذ كان كلام الأقران يطوى ولا يروى، وكان أمر الجلّة مصونا عن ألسنة السفهاء.
إن من اطلع على التاريخ الإسلامي عارف لا محالة بما دار بين الإمام أبي حنيفة والإمام الثوري، وومطلع على فساد ما كان بين مكحول ورجاء ابن حيوة، حتى قيل: ما لعن رجاء بن حيوة إلا رجلين؛ يزيد بن المهلب ومكحولاً.
أكثرُ من ذلك شيوعاً وذيوعاً ما طار في الآفاق من كلام إمام دار الهجرة مالك بن أنس في الإمام ابن إسحاق؛ فقد قال فيه: هو دجال من الدجاجلة، وقال فيه: هو كذاب، وكان ابن إسحاق يحط من نسب مالك.. وقد أجمل الخطيب رأي مالك فيه فقال: كان مالك بن أنس يسيء القول في ابن إسحاق.
ولقد دار بين الإمام الطبري والحنبلية ما دار في بغداد، وفي ميزان الاعتدال قال الذهبي عن الإمام أبي يعقوب البويطيّ: "حطّ عليه محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وحط هو على ابن أبي شيبة، وآل أمرهما إلى القطيعة"، ثم قال: "ولا يعتد بحمد الله بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض".
وكان ابن حزم وهو عالم باتفاق الأمة يسمع علماء عصره ما يسوءهم، وله مع علماء المالكية في الأندلس حروب مشهورة معروفة، حتى قيل: "سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان"، ورغم ذلك ظل موفور المكانة في الأمة عظيم القدر عند الناس.
حدث كل ذلك في تاريخ الأمة والدهماء في غالب أمرها تحترم العلماء وتدين لهم بالفضل، وكان الشطار والعيارون وأرباب الخلاعة قابعون في حاناتهم ما لهم إلى العلماء من سبيل ولا لهم عليهم جرأة الغالب الأعم.
أما اليوم فقد ظهرت ناس تلغ في أعراض العلماء الثقات تشتمهم بألسنة حطيئية حداد؛ فهذا والغ في الشيخ القرضاوي وذاك في الشيخ الددو وآخر في شيوخ آخرين، حتى أصبح من يُظنّ أنه لا يحسن أحكام الطهارة "يفتي" على فتاوى علماء لا يعرف لهم في الأمة نظير، ويقول خالف العالمُ فلان شرع الله وعصى اللهَ العالمُ فلان.
ولعمري إن أكثر ما يعزُب معه العقل وينصدع منه القلب أن الطخيميين والنواسيين الذين لا يؤمنون للعلماء بمكان ولا مكانة ولطالما كالوا لهم السبّ بمكاييل الوقاحة أصبحوا اليوم ينتصرون لهم بعد أن طواهم الرّدى وقطفتهم يدُ الموت، ولو لم يرحل الشيخ البوطيّ رحمه الله عن الدنيا بالطريقة التي رحل بها لما كان له في مجالسهم غير الطعن الشنآن والإقصاء من التأثير والتوجيه في "الشأن الدنيوي".
إن الناظر المتأمل في تباكي هؤلاء على الشيخ البوطي رحمه الله سيرى أن كل لكل متباكٍ منهم على عالم رحَل غارة سبّ وشتمٍ على عالم حيّ.. لقد قال الشيخ القرضاوي رأيا في الشيخ البوطي وهو له قرنُ وندّ ، لكن بأي كتاب أم بأية سنة يرى هؤلاء أنفسهم أندادا أو أقرانا للشيخ القرضاوي حتى يلغوا في عرضه، وإن أرفع منازل أرفعهم منزلة في العلم أن يكون قارئا فاهما لما يكتبه الشيخ القرضاوي أو الشيخ البوطي رحمه الله.
في المحصلة: بعضُ الطخيميين العلمانيين اللاطمين اليوم خدودَهم أسفا على الشيخ البوطي رحمه الله إنما يركبون جسده المسجّى للإساءة إلى علماء أحياء.. العالِم الجيّد عند هؤلاء هو العالم الميت.. !!
|