من ألهم آدم
الاثنين, 27 ديسمبر 2010 18:05

 

بقلم :فاطمة الداه /الدوحة

آدم : ذلك الكائن القوي البنية والقلب الذي يمتلك دماغاً كبيرة تمكنه من الإنجازات الهائلة والابتكارات العلمية التي أوصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من تقدم وازدهار، ذلك الداهية الماكر الذي يفكر و يخطط ويناور. ذلك الطاغية الجبار صانع الحرب و السلام آدم من رسم خريطة التاريخ و يغيرها كيفما يشاء و متى يشاء .

 

من يجول في مناكب الأرض لينتزع الثروة من مكامنها و ينفقها آناء الليل و أطراف النهار لينال بذلك القوامة و البر أو الفجور .

مهما قيل عن حواء من ذكاء و مكر و كيد فإنها تظل قاصرة عن اللحاق به و تظل الهوة بينها و بينه شاسعة كما الأرض و السماء إلَا أنه رغم ما اتسَمَ به آدم من خصال و قوة وما وسمت به حواء من ضعف وعيوب فإنها تظل قادرة على امتلاك قلبه و العبث به متى تشاء .

كما قال الشاعر :

يسلبن ذا اللب حتى لا حراك به    وهن أضعف خلق الله إنسانا

حواء إذاً نقطة ضعف لذاتها و نقطة ضعف لآدم . كم جذبته إلى العلا و كانت سبباً في شحذ همته ، و كم هوت به إلى الدرَك الأسفل من شراكِ الذل و الهوان.

بقوتها الناعمة تتحكم حواء في قرارات آدم و تمتلك ثروته و بإمكانها أن تجعله سعيداً أو تشقيه. يُعَمِر آدم الأرض و يُزَوِدها بأسباب الراحة و الرفاهية فتنعم حواء بذلك غير ممتنة له. قديماً قيل : إن وراء كل رجل عظيم امرأة . ما مدى صحة ذلك ؟ و ما معناه ؟

هل معناه أنها مصدر إلهامه لينجز ما أنجز ؟ أم أنها تفكر وهو ينَفِذ ؟

قرأتُ مقالاً ساخراً يقول إن القرارات السياسية الهامة في بلدٍ ما تُتخذ ليلاً في مخادع النساء و تنفَذ نهاراً في مكاتب الرجال. لا أستغرب ذلك و لا أراه مدعاة ً للتهكم ، بل هو العدل بعينه. حواء تمثل نصف المجتمع و آدم يمثل النصف الآخر ، وتقاسم الأدوار بينهما وارد تماما.

لم لا تشارك حواء في بناء المجتمع علناً ما دام لديها عقل راجح و فكر ثاقب طالما أن ذلك من صميم ديننا ، فالرسول – صلى الله عليه و سلم – استشار أم سلمة – رضي الله عنها – يوم الحديبية  وعمل بمشورتها. وهذا ما تفعله المرأة تماماً في أيامنا هذه إلاَ أنها تمارس دورها في الخفاء نظراً لهيمنة الرجل و الرضوخ لقيود المجتمع.

هموم المرأة تؤَرِق المجتمع و من يناقشها هم الرجال غالبا، و هي تؤَرِق المرأة أكثر من الرجل و مع ذلك فالأرق هنا لا علاقة له بالجنس ذكراً كان أم أنثى و إنما بالوعي؛ فخصم المرأة ليس أباها أو أخاها، ليس الرجل لمجرد كونه رجلاً و إنما خصم المرأة هو ثقافة المجتمع بقيمه و تقاليده و أغلاله، فكل أبٍ و كل أخٍ يريد لابنته أو أخته الحرية بالمعنى الإيجابي لتنطلق في سماء الإبداع ويفخر بمشاركتها في ميادين النماء، إنما الذي يحول دون ذلك هو الكم الهائل من القيود و الأعراف المسيطرة والرقابة التي يفرضها المجتمع و يمنع بالتالي على الأبِ توفير الحد الأدنى من القناعة التي يؤمن بها.

ومع ذلك فنقطة التغير تبدأ من المرأة نفسها و مطالبتها بحقوقها المشروعة أصلاً، فالنموذج الرافض لكل صور المشاركة هو خوفها من نفسها و العقدة التي زُرعت فيها كأنثى.

هناك من النساء من ترغب في التغيير و المشاركة لكن بداخلها صراعاً عنيفاً و خوفاً رهيبا من نقد المجتمع. حواء لا ينقصها الذكاء وقد برهنت بعض الدراسات الحديثة على أنها أذكى من الرجل ! و كشف فريق البحث العلمي في جامعة (ميامي) أن المرأة أقوى من الرجل بيولوجياً

وأنها أكثر تحملاً للضغوط و المصاعب،  و في مجال الإبداع الفكري فالمرأة أثبتت جدارتها على أكثر من صعيد، و ما ينقصها هو المعاملة المتساوية من المجتمع بينها و بين الرجل وإتاحة الفرص لها و التخلي عن الصورة النمطية: "المرأة تطبخ" فيما الرجل يقرأ، هذه الصورة ما زالت بحاجة ماسة إلى كثير من التغيير.

آدم قوي – ما من شك في ذلك – لكن حواء قد تكون مصدر قوته، و بدون مشاركتها لن يعرف طريقه إلى التقدم .

رهان القوة بين آدم و حواء أزلي و لم يُحسَم فيه بعد.

و ما هو مؤكد أن الزوجين صنعا معاً تاريخ سلالتهما بعصامية منقطعة النظير وأن الله أودعهما سراً من أسراره لم يهبه لأي من كائناته، وجعل كلاً منهما مكملاً للآخر شئت يا آدم أم أبيت.

وبالله التوفيق.

 

من ألهم آدم

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox