العدالة بين عهدين - الحلقة الأولى
الاثنين, 10 يناير 2011 10:12

مضت سنتان ونيف على وصول محمد ولد عبد العزيز إلى مقاليد السلطة في البلاد، وعلى الرغم من قصر هذه الفترة بالمقارنة مع أعمار الدول إلا أنها تبقى أقل من الفترة التي قضاها الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله.وعلى الرغم من ذلك فقد شهد قطاع العدالة تطورا في عهد الرئيس السابق تمثل في زيادة ممنهجة وواعية لواقع الجهاز القضائي وخصوصيته، حيث قام بزيادة راتب كل قاض بأربعمائة ألف، وعندما حاول بعض المحيطين به ثنيه عن هذا القرار بذريعة غياب الإمكانات قسم تلك الزيادة على سنتين.

كما أن تلك الفترة تميزت باستقلالية غير مسبوقة للقضاء، حيث ظلت النيابة العامة تمارس دورها النبيل بوصفها خصما متميزا، لكنها في نفس الوقت كانت تنصاع لقرارات المحاكم ولم تشهد تلك الفترة ما تم التعارف عليه لاحقا بالحبس التحكمي، وما محاكمة السلفيين يومها إلا إحدى تجليات هذا الاتجاه، كما يتذكر الناس بكل فخر واعتزاز الشكاية التي تقدم بها سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وهو يومها لا يزال رئيسا للجمهورية ويريد من خلالها إنصافه ممن وقع في عرضه من غير أن ينتصر لنفسه وهو قادر.

كما تم تعميم خدمة الهاتف النقال بصفة مجانية بين جميع القضاة سواء كانوا قضاة نيابة أو قضاة حكم أو قضاة وزارة.

وتم تعميم خدمة كراء المنازل على القضاة حيث أعطيت تعليمات لوزير المالية بضرورة الكراء للقضاة بمبلغ لا يقل عن سبعين ألف أوقية.

كما كان كل القضاة، وكتاب ضبط، وحتى العمال العاديون الذين يعملون في المجال الجزائي (المحاكم الجنائية الغرف الجزائية والنيابة العامة من مختلف الدرجات) يتقاضون علاوات شهرية من المصاريف الجنائية، وتتراوح تلك العلاوات من 250000 أوقية إلى 20000 أوقية.

أما عند مجيء ولد العزيز فقد كثرت الوعود وقلت الإنجازات، فقد وعد القضاة بتوزيع قطع أرضية مجلس ديسمبر 2008 ليتم تمييع تلك التوصية من طرف وزير العدل يومها ومن ثم التراجع عنها في المجالس اللاحقة.

وعند ما تم إقرار علاوة السكن 2010 اعتبر القضاة عمالا عاديين يسري عليهم ما يسري على الموظف العادي فتقررت تلك الزيادة بالنسبة للقضاة على أساس العلامة القياسية الأمر الذي جعل هذا التعويض لا تجاوز عشرين ألف أوقية.

وفي مجال السيارات كذلك ورغم أن قطاع العدالة من أفقر القطاعات في هذا المجال فقد جرى عليهم ما جرى على سائر الموظفين ولم تتم مراعاة خصوصيتهم كما جرى لقطاعي الشرطة والجيش.

وأما المصاريف الجنائية فوقع فيها تناقض غريب حيث إنها وإلى الآن لا تزال تصرف في غير وجهها حيث تدفع منها رواتب لأكثر من أربعة عشر عاملا من غير وجه حق، حيث تصرف هذه المبالغ لحرس القصر رغم كون هذه الشريحة لا يوجد ما ينص عليها في أي قانون ناهيك عن أن قصر العدالة يتمتع بحراسة من طرف الحرس الوطني ومن طرف مفوضية خاصة يوجد مقرها بقصر العدالة، ويمكن تعزيز هذين الفريقين بعناصر عند الضرورة الأمر الذي يدل على هيبة الدولة لأن هذا الحرس أصبح يعطي وجها لقصر العدالة كما لو كان شركة خاصة وليس مرفقا سياديا بامتياز.

وفي مجال العمل القضائي أصبحت النيابة مسخرة لمصالح السلطة التنفيذية، وكلنا يتذكر بهذا الشأن رفض النيابة العامة لتنفيذ القرار الصادر عن المحكمة العليا أعلى سلطة قضائية في البلد وإصرارها على تنفيذ قرار صادر عن أحد قضاة التحقيق تم إلغاؤه، وذلك في قضية السجناء المعتقلين في قضية الخطوط الجوية الموريتانية الشهيرة، وقضية الطبيب الذي أطلقته الغرفة الجزائية وتمسكت باعتقاله النيابة العامة وسجناء روصو وغيره الكثير مما كان يومها محلا للسجال بين النيابة ونقابة المحامين.

وأما ثالثة الأثافي فهي ما سمي بقضاة الوزارة حيث تم انتقاء مجموعة من القضاة تصل إلى حوالي 70 قاضيا لا قاسم مشترك بينها في مجلس سبتمبر 2010 ووضعوا في خانة من لم يستطع مواكبة الإصلاح، وفي نفس المجلس تمت إعادة قاض واحد من قضاة الوزارة إلى وظيفة قضائية بناء على رابطة مصاهرة تربطه بأحد رؤساء القطاع وليس لأي سبب آخر (أهل اتويميرت متعارفين).

كما أنه في المجلس الأخير تمت إعادة مجموعة أخرى إلى المحاكم من تلك اللائحة تحت عناوين الله أعلم بها، إلا أن المحسوبية لا يمكن إلا أن تلاحظ بسهولة فرئيس الجمهورية لا يمكن أن يتابع الأمور التفصيلية مما جعل الأمر عرضة للكثير من النواقص.

كما أنني من موقع المكلوم أنبه إلى أن القضاء مشلول، لأن نظامنا القضائي لا زال قضاء جماعيا في المجال الجنائي، ومن المعلوم أن الكثير من المحاكم الجنائية في الداخل يرأسها قضاة حديثوا عهد بالقضاء (وهو ليس قدحا) وهو ما يجعلهم من ذوي الرتب الدنيا الأمر يحتم استجلاب قضاة من مناطق نائية ليتسنى انعقاد تلك المحاكم وهو ما يؤدي إلى تعطيل العمل في محاكمهم الأصلية كما أن بعض رؤساء غرف محكمة الاستئناف يوجد مستشاروه في رتبة أكبر منه ولم يستطع المجلس الأخير التغلب على هذا الإشكال، كما أن الكثير من ذوي الرتب الدنيا أصبحوا في الهرم القضائي ( المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف) وهو ما يجعلهم ينظرون في أحكام من هم أكبر منهم رتبة وهو أمر مخالف لقوانين الإجراءات وللتنظيم القضائي، كما أن هناك تحويلات لا يمكن أن توصف إلا بأنها غير جدية كتحويل قاض من وظيفة قضائية إلى مثلها في مكان آخر.

كما أنه من الملاحظ انعدام ترقية القضاة منذ وصول الرئيس الحالي للسلطة، ويعود ذلك إلى أن القضاة الموجودين في الهرم لا يريدون من يتطفل عليهم في تلك الرتب، وقاموا بناء على ذلك بوضع الرئيس في جو نفسي عبر عنه بعضهم ذات يوم بالحرب الأهلية فأي حرب أهلية تترتب على ترقية قاض من رتبة إلى أخرى.

هذا غيض من فيض وقطرة من نهر، وكما قال الشيخ بداه ولد البوصيري رحمه الله تعالى هذا رأيي فمن جاء بخير منه فبلته لكن لا يمكنه ذلك

 

 

القاضي ولد الحبيب

 العدالة بين عهدين - الحلقة الأولى

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox