هوامش على استجواب وزير الشؤون الإسلامية
الاثنين, 10 يناير 2011 13:00

محمد الأمين ولد القاسم

تابعت باهتمام بالغ ـ كغيري من المواطنين ـ الاستجوابات التي قدمها قادة ونواب في المعارضة (بشقيها الراديكالي والمعتدل) لأعضاء في حكومة ولد محمد الاغظف والتي اتسمت بمستوى كبير من الجرأة في النقد والصرامة في التوجيه مما جعل الوزراء المستجوبين يستقدمون طواقمهم الإدارية والفنية التي تلتف حول الوزير ولسان حالها يردد "اسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" وهو ما أضفى على العمل البرلماني نوعا من الجدية والمسؤولية أثمرت تدافعا فعليا بين المؤسستين:

 

التشريعية والتنفيذية كان بإمكانه أن يعطي للحياة السياسية ـ لو تم التعامل معه بموضوعية وإنصاف ـ نوعا من المصداقية هي أحوج ما تكون إليه الآن.

لكن أكثر تلك الاستجوابات جرأة وإحراجا هو ذلك الذي قدمه النائب: الأستاذ محمد جميل ولد منصور لوزير الشؤون الإسلامية الشيخ الوزير: أحمد ولد النيني نظرا لقدرات الأول الخطابية والبحثية وخبرته في المناورة والمناظرة والمحاورة... وغلبة الطابع المشيخي على "الشيخ الوزير" الذي ظهر بمظهر الشيخ الملهم أكثر من كونه المدير الممسك بجميع الخيوط والملم بمختلف الملفات، فجاءت أجوبته مفتقدة لأي مستوى من التماسك والانسجام أحرى الإقناع والقبول.

 

 

النقد بين حقوق المكانة وواجبات الشهادة


صحيح أن "الشيخ الوزير" ممن حباهم الله مكانة علمية محترمة تجعل أي مستوى من النقد والملاحظة نوعا من المساس بمنزلة الشيخ ومكانته و(قد أمرنا أن ننزل الناس منازلهم) كما علمتنا تعاليم الشرع أن (لحم العلماء مسموم) مما يجعل أي حديث من هذا القبيل من باب التطاول على المشايخ والأكابر.

لكن جريا على القاعدة العمرية (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها) وقياما بواجب الشهادة (أنتم شهداء الله في أرضه)، وإسهاما في إثراء النقاش السياسي المتحصل الآن حول أداء الحكومة وأنماط التسيير والرقابة المتبعة  في مختلف مرافق الدولة وإداراتها فإنه بات من المفيد إخضاع كافة القطاعات لمجهر الفحص ومرآة النقد عل ذلك يغير شيئا في واقعنا الإداري المزرى وسياستنا التسييرية الفاشلة وأساليبنا الرقابية الموغلة في الرتابة والمفتقرة للإبداع خاصة في تلك المرافق والإدارات التي عرفت بالفوضوية وغياب الشفافية والارتهان لمجموعات الضغط التي تشكلت عبر سني الفساد العجاف وأخضعت كل قادم لأساليبها الابتزازية واحتيالها الممنهج...

 

تضارب الأرقام.. و اتحاد الموردين


من أكثر الأمور استغرابا وأشدها إحراجا لـ"لشيخ الوزير" هي تلك المتعلقة بالأرقام والأعداد ومستوى التضارب والتناقض الذى حصل بين ما قدمه "الشيخ الوزير" وما هو مسجل في الموازنة العامة للدولة لسنة 2010 حيث كانت الفوارق واضحة وملموسة في كل من: جامع كيفه ومسجد قطر وعدد الأئمة المسجلين عند الوزارة والمستفيدين من الإعانات حيث زاد المستفيدون على المسجلين أصلا مما يؤشر لدرجة عالية من التلاعب بالأرقام وغياب الشفافية المفرط ضاعت فيه عشرات الملايين من المال العام الله وحده هو من يعلم مصيرها، كما أن المعطى الذى قدمه النائب عن وجود مورد واحد للوزارة تحت ثلاثة أسماء ليحتكر بها 91% من مناقصات الوزارة، وكشف فيه عن تنبيه قدمته المفتشية العامة للدولة للوزارة والذى استدلت فيه بوجود حساب واحد لهذا المورد الذى هو واحد من جهة، وثلاثة من جهة أخرى (مما يذكر بعقيدة التوحيد والتثليث) يعبر هو بدوره عن المستوى الذى وصلت إليه الوزارة في المحسوبية.. أضف إلى ذلك المحاضر الوهمية التي تم تسجيلها ـ حسب معلومات النائب طبعاـ واختلست بها الكثير من الأموال، والملتقيات التي تم تنظيمها ورصدت لها مبالغ فلكية (ملتقى أطار رصدت له 23 مليونا في حين أن ملتقى مثله في العاصمة كلف 7 ملاين فقط ) وهو ما دفع المفتشية إلي مطالبة مسؤول في الوزارة بإعادة سبعة ملايين نظرا إلى أن هذه الأرقام مبالغ فيها وغير منطقية.

 

الأئمة و العلماء وحدود العصمة


كانت إجابات الوزير في عمومها مختصرة في الملفات التي قرر أن يفتحها لأن هنالك ملفات لم يفتحها الوزير لأن سياسة التلقين التي تمارسها الطواقم قد لا تجدي كثيرا في التعامل معها فاكتفى فيها  بطمأنة النواب حول القطاع لأنه "قطاع الأئمة والدعاة، وهو قطاع لا يمكن أن يكون فيه فساد بأي حال من الأحوال" وهي إجابة لم ترق للنائب الشيخ بدر الدين فذكر الوزير بأسلوب لا يخلو من طرافة أن "العصمة للأنبياء وحدهم، أما العلماء والأئمة وحتي الأولياء فإن الله يقدر عليهم ما يقدر علي غيرهم من البشر" وهذا يضاف  إليه أن العلماء والأئمة لا يمثلون ـ في الغالب ـ الطواقم الإدارية والفنية التي تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في الخروقات المسجلة.


 

و أخيرا..


فإن أي منصف يدرك ما يجري في الوزارة لا يمكن أن يحمل الوزير المسؤولية المباشرة لعدة اعتبارات لعل أهمها ما يعرف به هو نفسه من علم وفضل... وما يتميز به في المقابل بعض المحيطين به ـ والذين لا يملك تغييرهم في الغالب ـ  من فساد ومحسوبية، وهو ما قد يجعل في استجواب "الشيخ الوزير" تخليصا له من هذه المجموعات أو تصفية لها من هذا المرفق الحساس والهام وفي ذالك إحدى الحسنيين.

هوامش على استجواب وزير الشؤون الإسلامية

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox