|
الاثنين, 10 يناير 2011 15:06 |
محمد ولد محمد نفيس
مسلمة لاشية فيها، وحقيقة لا مراء فيها، أنه يستحيل حدوث تنمية في أي بلد من بلدان المعمورة دون وجود نظام تعليمي فعال يستجيب لمتطلبات المجتمع، يصل الماضي بالحاضر، ويعمل من الحاضر لاستشراف المستقبل ومواجهة تحدياته، ولعل المثال الياباني والآسيوي عموما خير شاهد على ما نقول.
حيث بنت تلك الدول نظاما تعليميا رائدا فخرجت من ربقة التخلف، وسعدت وأسعدت شعوبها. على النقيض تماما من الدول الإفريقية التي جعلت التعليم في أسفل سلم أولوياتها فكان أن انحدرت من سيئ إلى أسوأ، حتى قاربت أو أصبحت دولا فاشلة على كافة الأصعدة! وفي بلادنا المحروسة موريتانيا ظل النظام التعليمي فيه بقية أخلاق وشيء من الكفاءة طيلة عقدي الستينيات والثمانينيات، إلا أنه غداة الانقلاب العسكري الأول سنة 1978م بدا أن الحكومات العسكرتارية الجديدة لا تولي أي اهتمام يذكر للتعليم، فتركته لشأنه ينهار وينهار وينهار، فارتكست الدراسة وخابت آمال العديد من الدارسين والمدرسين، ولعل قمة التهريج في هذا المجال عندما تم تعيين خريجي الجامعة من حملة شهادة المتريز كمسيرين لحنفيات الحمر الأهلية أواخر عقد التسعينيات!. وقد شمل انهيار النظام التعليمي كافة المستويات، فأصبح التعليم الأساسي لا هو أساسي ولا هم يحزنون؛ يخرج منه الأطفال أميين كما ولدتهم أمهاتهم أو كأشباه الأميين.
أما المرحلة الثانوية التي يفترض أنها حجر الزاوية وبيت قصيد النظام التعليمي حيث الباكلوريا وشهادة الدروس الإعدادية فقد أهملت أيما إهمال. ولم يكن التعليم العالي –بالفال- بأحسن حظ من سابقيه، فهاهي البلاد بعد نصف قرن من الاستقلال لا تملك حتى جامعة واحدة يتيمة!. فجامعة نواكشوط "مجازا" هي حقيقة ربع جامعة أو ثمنها؛ لأن دوائر المعارف تصنف أن أقل جامعة ينبغي أن لا تنقص عن خمس عشرة كلية مكتملة الأقسام والشعب، فقد ظلت مشروع جامعة منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا مع مستوى تعليمي متواضع كشفت عنه بكل مأساوية دراسة تصنيف جامعات إفريقيا التي أعطت جامعة مقديشو في الصومال الشقيق البلد المدمر بالحروب والمجاعات مكانة متقدمة جدا على جامعة نواكشوط!!!. والغريب أنه مع وصول رئيس الفقراء إلى الحكم وبداية عهد موريتانيا الجديدة لم نلمس حتى الآن إرادة سياسية جادة لإصلاح التعليم مع اعتراف الرئيس وتصريحاته أكثر من مرة بأن التعليم فاسد حتى النخاع كان آخرها يوم تدشينه طريق المقاومة الشهر الماضي وحتى الأيام التشاورية المنتظرة تتم غربلة المشاركات والمشاركين لحجب الآراء الناقدة والخبرة العلمية المحايدة والمناضلين النقابيين وأحزاب المعارضة من المشاركة الفعالة وإتاحة الفرصة أمام الدعاية الحكومية بأن التعليم عندنا على أحسن حال بل ربما من أحسن أنظمة التعليم في العالم بأسره!! مع تخلفنا الذي يدركه الجميع حتى عن السنغال ومالي المجاورتين الفقيرتين ولا مجال –ولو من باب الخيال- للمقارنة بيننا والمغرب أو الجزائر أو تونس!! لدرجة أن الأستاذ السنغالي يتقاضى راتبا يعادل تقريبا ضعف راتب نظيره الموريتاني مع فقر السنغال وشح مواردها!! إن انهيار النظام التعليمي عندنا لم يكن أبدا وليد الصدفة بل كان نتيجة طبيعية لتضافر عوامل منها: 1. ضعف الاهتمام الرسمي بالتعليم: يحتل التعليم مكانة متأخرة لدى صانعي القرار السياسي عندنا، ولا يحتل أولوية تذكر ضمن البرامج الانتخابية للمترشحين، حتى أن أحد وزراء التعليم صرح ذات مرة بـ"أن السياسة الفعلية التي كانت سائدة لدى حكومة من الحكومات هو إهمال التعليم حتى تحدث الاستقالة الجماعية: أن لا يعلم المواطنون حقوقهم ناهيك أن يطالبوا بها". وهكذا نشاهد الانهيار المريع للتعليم مع تعاقب الحكومات دون أن تحرك هذه الحكومات ساكنا لإنقاذ ما تبقى من التعليم في بلد يرزح أكثر من 60% من سكانه تحت ظلمات الأمية، ويعاني أكثر من 80% من سكانه من الفقر والفجوة الغذائية!!. والغريب في هذا الصدد أنه حتى الأيام التشاورية حول التعليم التي يزمع تنظيمها مطلع العام المقبل بدأت الرقابة الاستباقية لحجب الدراسات الجادة والمشاركين الحقيقيين حتى لا تقال كلمة الحق ويشخص الداء حتى نصل إلى حلول عملية تنتشل ما تبقى من نظامنا التعليمي المتهالك!!. 2. سوء أوضاع المدرسين: فالمدرس هو جوهر العملية التعليمية وصانعها، ولذلك فإن الدول الرائدة كاليابان وانكلترا تحتفي أيما احتفاء بالمدرسين وتعطيهم أعلى الرواتب باعتبارهم صناع أجيال المستقبل. وفي بلادنا أصبح حال المدرسين يغني عن سؤالهم يتقاضون رواتب أقرب إلى الصدقة منها إلى الراتب أكل الدهر عليها وشرب، ولم تعد تساوي شيئا مقارنة مع كلفة الحياة اليومية بسبب استمرار الارتفاع الجنوني للأسعار، والانهيار المستمر لقيمة الأوقية، وارتفاع نسبة الإعالة في المجتمع!!. والغريب أن الحكومة زادت رواتب القضاة وكتاب الضبط والشرطة وتركت المدرسين على حالهم. ولولا سوق النقطة الساخنة وبعض الأعمال الحرة لهجرت البقية الباقية منهم الفصول إلى غير رجعة!!. إن الراتب هو بدل عن كلفة الحياة في تلك اللحظة وليس مبلغا جزافيا لا علاقة له بالزمان أو المكان. فقد أوضحت دراسة اقتصادية حسب أسعار 2006م أن أقل راتب يُمَكِّنُ المدرس من إعالة أسرة مكونة من خمسة أفراد هو 262 ألف أوقية شهريا. وبعد الزيادات الأخيرة في الأسعار أوصلها الخبراء حاليا إلى 350ألف شهريا، حتى يتمكن من العيش في حدود الكفاف دون أية مدخرات لأيام التقاعد العجاف!!!. وهناك قسمة ضيزى لميزانية الدولة لا تخصص سوى 10% من الميزانية للرواتب بينما تصرف 90% منها على الفواتير التي ما أنزل الله بها من سلطان ويشكك العديد من الخبراء في واقعيتها ودقتها مما شجع الفساد والإفساد بل إن نسبة الرواتب سوف تنخفض لتشكل حوالي 5% مع ميزانية العام الجديد المقدرة بـ 500 مليار أوقية في حين أنه في عام 1978 كانت ميزانية الدولة 10 مليارات فقط تشكل الرواتب منها نسبة 55% (في السعودية 70% من الميزانية للرواتب و45% في السنغال) لأن الرواتب اقتصاديا هي أهم مصدر للسيولة في موريتانيا والسيولة هي عصب التنمية وروح الاقتصاد وأمارة عافية!! ولعل الأدهى من ذلك والأمر أنه حتى علاوات الأساتذة كالطبشور والبُعد تعطى بطريقة التقسيط غير المريح "بَتَكْ" عكس نظرائهم في الصحة، ومخالفة صريحة للقانون الذي ينص أن علاوات الموظفين تعطى باستمرار وعلى كشوف رواتبهم!!! وحتى علاوة النقل فإن الأساتذة والمدرسين الذين يتنقلون يوميا كان نصيبهم هو الأقل حتى باتت أقرب إلى العدم منها إلى التعويض عن كلفة النقل الذي يستهلك ما بين 25-30% من رواتب الأساتذة والمدرسين "والمصغر لا يصغر ثانيا"!!!. 3. مقاربة انعدام الكفايات: لقد ساهم اعتماد المنهج البلجيكي المعقد المتمثل في مقاربة الكفايات في مزيد من الانهيار للنظام التعليمي؛ حيث أن هذه الطريقة المعقدة اعتمدت أساسا لتدريس التعليم الفني ولا تصلح للتعليم العام مع انعدام المخابر ووسائل الإيضاح. فالتلاميذ لا يفهمونها والمدرسون عاجزون عن التدريس والتوصيل بها لسبب انعدام وسائلها وعدم توفر بيئتها. فأصبحت مشكلة بدل أن تصبح حلا!!!. 4. ازدحام الفصول: لقد أدى العجز المستمر عن بناء القاعات المدرسية وفصول التدريس إلى ازدحام مريع في الفصول وصل أرقاما قياسية وصل 120 تلميذ في قاعات أعدت أصلا لأربعين أو خمسين وساهم شعار: "التمدرس للجميع" في هذه الظاهرة. مع أن منظمة اليونسكو تقول: الفصل ينبغي أن لا يزيد بأي حال عن خمسة وعشرين تلميذا حتى يتمكنوا من الاستيعاب. فكان من المفروض أن تبنى مؤسسات تعليمية جديدة (ابتدائيات-اعداديات-ثانويات) وتوسع المؤسسات القائمة كالثانوية الوطنية والثانوية العربية التي تملك مساحات لمضاعفة الأبنية وكذلك اعتماد البناء الأفقي. 5. الشبكة العنكبوتية: يقول الخبراء والعالمون بشأن التعليم إن هناك شبكة عنكبوتية "مافيا" داخل النظام التعليمي تسعى دائما لتعطيل الإصلاح لأنها مردت على الفساد والإفساد فهي كانت تبيع مناصب التعليم مثل: (مراقب-مراقب عام-مستشار-مدير دروس....) وكذلك التحويل إلى العاصمة، وليست قضية المراقبين – الذين يقسم الكثير منهم أنهم دفعوا أموالا طائلة (ما بين 100 و200 ألف أوقية) في الحصول على مراقب أو مراقب عام لبعض السماسرة والعهدة عليهم- منا ببعيد. هذه الشبكة في رأي هؤلاء الخبراء هي التي عملت بجهد حثيث ضد فصل التعليم والعالي عن الأساسي وسعت سعيا حثيثا وضغطت وأرجفت في المدينة باستحالة فصل الوزارة لتعاد الوزارة وزارة واحدة كما كانت في السابق حتى يظل التعليم الثانوي مجرد "تعدال اخلاك" للتعليم الأساسي حيث كل المراقبين والمراقبين العامين من التعليم الأساسي ولا عزاء للأساتذة يكفيهم الطبشور من الاكتتاب إلى التقاعد...!!! إن التعليم سواء تم فصله بين وزارتين أو وصله في وزارة واحدة ليس ذلك هو لب القضية، بل المهم هو وضع خطة عملية قابلة للبقاء والاستمرار تنقذ النظام التعليمي مما هو فيه من انهيار وتدهور، تعيد التعليم "الأساسي" أساسيا و"الثانوي" جوهريا و"العالي" –بالفال- عاليا حقيقة لا مجازا، وإلا فإن مصير أجيال المستقبل سوف يصبح في خبر كان والعلاج بيدأ في إعطاء الأساتذة حقوقهم كاملة غير منقوصة وزيادة رواتبهم أسوة لنظرائهم في سلك القضاء وكتاب الضبط والشرطة.
|