|
الاثنين, 10 يناير 2011 15:10 |
ذ \سيدي محمد حَيْلاجي
قد كان المجتمع الإسلامي في عهد النبوة والصدر الأول منسجما فكريا، وسلوكيا وعلميا، والحكم في كل خلاف ينشب هو الوحي بشقيه: "الكتاب والسنة"، وبعد اتساع الدولة الإسلامية، واكتساحها لحضارات عريقة عظيمة: كالفرس والرومان والهنود، ظهرت الفرق الإسلامية: من خوارج وشيعة، ومعتزلة، وسنة...
وبدأ التباين الفكري حول بعض المفاهيم الإسلامية: كإشكالية "العقل والنقل" والجبر والاختيار" ومرتكب الكبيرة هل مؤمن أم كافر، ومشكلة الخلافة هل هي بالنص أم بالاختيار؟.. ووقعت مآس وحروب مدمرة لأن كل فرقة تريد أن تفرض رأيها بالقوة، وفي العصر الحديث نجد اتجاهات إسلامية متنوعة رغم سعيها إلى هدف واحد: هو إقامة دين الله في الأرض، فهناك من يركز على تصحيح العقيدة وغربلة السنة، ومن يركز على تربية النفوس وإخلاص العمل، ومن يدعو إلى شمولية الإسلام ويرفض تجزئته، فالإسلام عنده: كل لا يتجزأ"عقيدة وشريعة، دين ودولة، سلوك وتربية ومنهج حياة،.. فهل هذا التنوع في الساحة الإسلامية مصدر ثراء وتنوع؟ أم هو مصدر خلاف وصراع وشقاق؟؟.. وما هي القواسم المشتركة بين هذه التشكيلات والاتجاهات؟؟ وهل من الحكمة أن يظل كل فصيل يترصد أخطاء الفصيل الآخر حتى يعميه ذلك عما قدمه ذلك الفصيل في سبيل الإسلام والمسلمين؟: لو تأملنا قليلا في تاريخ الفرق الإسلامية في القرن الأول الهجري سواء كانت خوارج أو شيعة أو معتزلة أو سنة... رغم ما أوتيت من جدل، ومن آليات علم الكلام والمنطق الفلسفي، إلا أن مشكلتها الكبرى وخطأها التاريخي الكبير هو في فشلها أن تدير خلافاتها بالطرق السلمية، فلجأت إلى الحسم بالقوة: فحمل الخوارج السيف في وجه مخالفيهم من الصحابة وأصحاب الشجرة وغيرهم بحجة أنهم بدلو، وغيروا وكفروا.. ولجأ المعتزلة إلى فرض معتقداتهم بسيف السلطة العباسية فحملوا الناس بأمر الخليفة وجنوده، بالقول "بخلق القرآن"، ولجأ الشيعة إلى السرية والتقية والغيْبة والوصية... وحملوا السلاح في وجه خصومهم.. واستخدم أهل السنة سلطتهم باعتبارهم حماة بيضة الإسلام والنظام الرسمي القائم. قد يقول قائل ممن نظر في تاريخ هذه الفرق: مادامت هذه الفرق فرقا إسلامية تجمعها عقيدة واحدة ونبي واحد، وكتاب واحد، وقبلة واحدة، فلماذا الخلاف؟، ولماذا لا تجلس هذه الفرق للحوار؟.. وتحكم المنطق ونصوص الوحي التي تحرم حمل السلاح في وجه المسلم وتكفيره حتى تتوصل إلى قواسم مشتركة، وتدير خلافاتها بأساليب وطرق سلمية بعيدا عن عجيج المعارك وضوضاء السلاح، فقد سالت دماء زكية كثيرة.. تجاوزت مئات الآلاف إن لم نقل ملايين الأنفس المؤمنة بسبب هذا الصراع الذي هو في الأصل صراع فكري قبل كل شيء، كان يمكن احتواؤه سلميا وفكريا... ومع ذلك لا ينبغي أن نحاسب فترة تاريخية مضى عليها أكثر من 13 قرنا بمقاييس عصرنا (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) لكن ذلك لا يمنع أن نستفيد من أخطائها لنتجنبها. - أما إذا عدنا إلى الساحة الفكرية الإسلامية المعاصرة، والخطاب الإسلامي السائد في هذه الأيام، فسنجد تباينا ملحوظا واختلافات بين هذا الخطاب وذاك، وبين هذا الاتجاه وذاك: فهذا يرى أن مشكلة الأمة الإسلامية وسبب تخلفها وابتعادها عن جوهر الإسلام: يكمن في غياب التربية والسلوك، فإذا صلحت القلوب واتجهت إلى الله وصلح الأفراد صلح المجتمع، وفي النهاية تصلح الأمة. وذلك يرى أن أم المشكلات والمهلكات وثالثة الأثافي: في انتشار البدع والدجل والخرافات وغياب العقيدة الصحيحة وأن الإصلاح يبدأ من تصحيح العقيدة وغربلتها مما علق بها، فإذا صحت عقيدة الأفراد وصلحت تصوراتهم صلح المجتمع وصلحت الأمة. وهذا فصيل يرى أن مشكلة الأمة والأخطاء الكبيرة التي ارتكبت هي في تجزئة الإسلام وتقديمه للناس بالتقسيط والتركيز على جزئياته دون كلياته، وعلى فرعياته دون ركنياته فالإسلام كل لا يتجزأ لا يمكن الإيمان ببعضه دون بعض {أفتومنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض..} فمشكلة العلمانية أنها تقر إيمان الفرد وتكفر بإيمان الأمة والجماعة... فالإسلام كما يتصوره هذا الاتجاه: دين ودولة، وتشريع وعقيدة، وسلوك وتربية ومنهج حياة... فهو يشمل ( السلوك والتربية، والعبادة والعمل والسياسة) . فالمشكلة ليست في أن يتبنى كل فصيل جانبا من الإسلام فيركز عليه حتى يبرز، ويتضح، ويقتنع به الناس، ويصبح جزءا من سلوكهم الحياتي وإيمانهم العميق، فهذا أمر مطلوب خاصة بالنسبة لبعض المفاهيم والسنن التي أميتت بسبب الاستعمار والعادات والتصورات الخاطئة.. ولكن المشكلة أن يتحول الخلاف المنهجي وترتيب الأولويات بين الفصائل الإسلامية إلى صراع أقلام، ونزاع ألسنة، وربما تجاوز ذلك إلى ما هو أعظم فيصبح كل فصيل إسلامي ليس له من الأعداء إلا الفصيل الإسلامي الآخر، فتستنفد طاقات الشباب، وأقلام الأمة ، ومداد الكتاب فيما لو وجه إلى أمر آخر لتحققت إنجازات هائلة تفيد الأمة والدين. فعلينا أن نستفيد من أخطاء التاريخ، وأخطاء الفرق الإسلامية في القرن الأول والثاني فلا نقع فيما وقعت فيه.. ونستفيد من تجارب الأمم الأخرى التي استطاعت بفضل تجاربها وتقاليدها الديمقراطية أن تدير خلافاتها الجوهرية بالطرق السلمية وتتجاوزها لتبني مجتمعاتها وحضارتها على أسس متينة مبنية على الحوار والقواسم المشتركة، والسعي لتحقيق الأهداف المشتركة الكبرى، متجاوزة النظريات الضيقة والحدود العرقية المحلية والجهوية. فالساحة الإسلامية المعاصرة على اختلافها وتنوعها إذا تأملناها نجد الاتفاق فيها أكثر من مجالات الاختلاف: فالجميع مؤمن بالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأركان الإسلام، ويصلى إلى قبلة واحدة ويتكلم بلسان واحد، والأهداف عند الجميع هي إقامة دين الله في عباد الله على أرض الله، وهذا الهدف النبيل لا يختلف عليه اثنان ولا تنتطح فيه عنزان.. فمادامت المنطلقات متحدة، والأهداف متفق عليها فلماذا الاختلاف؟؟ لا شك أن الوسائل الإستراتيجية والمرحلية تختلف من فصيل إلى فصيل، ومن اتجاه إلى اتجاه، لكن هذه الاختلافات والتباينات يمكن أن تكون مصدر ثراء وتنوع، تكسب الساحة خصوبة وتنوعا وإنتاجا أكثر، فالمجتمعات المتقدمة علميا وتكنولوجيا في الغرب تجدها مجتمعات متنوعة الأعراق والأجناس والمشارب... ومادام الأمر كذلك فما المانع من أن تتداعى هذه الفرق والاتجاهات الإسلامية إلى حوار عميق وهادئ، يبحث في المنطلقات والدوافع، والأولويات، وفي الأهداف والغايات، وفي الوسائل والمراحل والإستراتيجيات فتستبين نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، فتُحْصر نقاط الاختلاف في الزاوية وستكون قليلة، فإذا وجدت آلية للتعاون في المتفق عليه وتم تبنيها فستتوفر طاقات وإمكانات هائلة كانت مهدورة ومشتتة.. أما نقاط الاختلاف فلن تكون جوهرية فإذا وجدت آلية لتعليقها أو الحد منها فبها ونعمت، وإلا سكت عنها وتحمل كل فصيل مسؤولية النقطة مثار الخلاف التي يتبناها: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى..) ولا أعلم نقطة شائكة يمكن أن تكون محل خلاف سوى فهم البعض لظاهر بعض النصوص في "الشركيات"، "وظاهرة التكفير" تكفير الأنظمة والمجتمعات الإسلامية وهذا القصور لا يمكن أن يصدر عمن له اطلاع بنصوص الوحي وفهمها فالأحاديث مستفيضة في التحذير من تكفير المسلم، واستباحة دماء المسلمين والمعاهدين،مثل (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض... كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) رواه مسلم. وفي البخاري : [من كفر مسلما فهو كقتله] ومن المقرر في العقيدة أن هناك شركا دون شرك وكفرا دون كفر. إذا ما استثنينا نقطة التكفير: تكفير المسلم التي ينجر عنها استباحة دمه فلن نجد نقطة خلاف جوهرية أخرى بين الاتجاهات الإسلامية: فالكل ينادي بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وإن اختلف تفسير البعض لمفهوم الحكمة والجدال.. والجميع ينادي بتحكيم شرع الله في عباد الله على أرض الله وإن اختلفوا في الوسائل والمراحل والتوقيت والزمان والمكان، والكل ينادي بإقامة دولة الإسلام التي ترعى مصالح الدين والدنيا، وإن اختلفت الوسائل عند هذا وذاك.. فهناك من يرجئها حتى يربي جميع الأفراد فإذا صلحوا صلح المجتمع وأفرز قيادة صالحة.. وهناك من يريد التغيير بالقوة والحسم.. ومن يرى التغيير بالمشاركة السياسية السلمية.. ولكل من هذه الوسائل مخاطرها وإيجابياتها وسلبياتها.. لكنها تبقى اجتهادات بشرية قابلة للتحسين والتطوير والمراجعة على ضوء الثوابت الدينية، والمقاصد الشرعية، والمصالح المرسلة، والتطورات البشرية، تستحق أن تعقد لها مؤتمرات ودورات فكرية عميقة متكررة. فليس من الحكمة، ولا من الإسلام أن يظل كل فصيل يشغل معظم وقته في استعراض ما يعتبره مثالبَ وهنات وأخطاء الفصيل الآخر.. فالإسلام حرم الغيبة والنميمة وطالبنا بالتماس أحسن المخارج للأخ المسلم، فإذا لم تتداع الفصائل إلى الحوار والتفاهم والتعاون على نقاط الاتفاق، فليكف الجميع بعضهم عن بعض وليوفر الجميع وقته للعمل المثمر البناء لتحقيق أهدافه التي آمن بها. فالخلافات الفكرية والصراعات المذهبية، والنزاعات السياسية الداخلية والخارجية هي أخطر ما تواجهه الحركات الإصلاحية... فهي تصرفها عن مهمتها الأساسية التي هي البناء، والتمدد، والانتشار، وغالبا ما يسعى خصومها إلى إذكاء هذه الصراعات لتنشغل بها هذه الحركات عن أهدافها المرسومة، وتبقى الساحة لخصومها من دعاة العلمانية والإلحاد وغيرها، فليس أمام الساحة الإسلامية إلا أن تستفيد من الأخطاء التاريخية التي ارتكبتها فرق وحركات إسلامية عبر التاريخ، وأن تحرص على أن لا تفتح جبهات داخلية وخارجية تحول بوصلتها عن الهدف الأسمى الذي سعت إليه. وأن تستفيد من الأمم والتجارب الإنسانية الأخرى بغض النظر عن معتقداتها "فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها".. فالمجتمع الغربي بعد أن خاض حروبا وصراعات عرقية ودينية طاحنة مدمرة، توصل إلى قناعة مفادها: أن العنف لا يحل المشكلات.. وإلى آلية لإدارة صراعاته بالحوار والطرق السلمية.. وليست الديمقراطية في النهاية إلا وسيلة لإدارة الصراع بالطرق السلمية... فلتتعاون هذه الاتجاهات فيما اتفقت عليه، وليتحمل كل اتجاه مسؤوليته في المختلف فيه، فلكل زمان رجاله، ولكل مكان قواعده، ولكل عصر أحكامه واجتهاداته مادامت لا تمس جوهر الإسلام وثوابته. فلو أخذنا من الاتجاه السلوكي التبليغي: تربيته وإخلاصه وجماهيريته... وأخذنا من الاتجاه الأصولي (السلفية العلمية) تصحيح العقيدة وغربلة السنة، ومحاربة الدجل والخرافة ومنهج الإتباع في العبادات والمعاملات... وأخذنا من الاتجاه الوسطي "الإخواني" شموليته ونظرته المتكاملة للإسلام، واعتباره المقاصد والغايات، والمصالح والمآلات، وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان، وانفتاحه على التجارب الإنسانية في المجال العلمي والتكنولوجي، وتجنبنا بعض الانزلاقات، والاجتهادات عند هذا الاتجاه أو ذاك والتي لا تستند إلى نصوص ثابتة الدلالات قطعية الورود، وإنما يغذيها التعصب وعدم تنزيل النصوص على الواقع المعيش.. لأصبحت لدى الاتجاه الإسلامي (رؤية إسلامية متكاملة) تواكب الزمان والمكان، ولا تفرط في ثوابت الأمة، ولا تنسى نصيبها من الدنيا والآخرة، وتتجنب العنف الأعمى الذي أضر بالإسلام والمسلمين. ( فما هي ملامح هذه الرؤية الإسلامية؟).
|