بين التصوف والسلفية في بلاد شنقيط (موريتانيا)/(الحلقة الرابعة)
الثلاثاء, 11 يناير 2011 14:07

الهادي بن محمد المختار النحوي
التصوف علم وبناء وجهاد
يتهم بعض الأوساط وخاصة السلفية ، التصوف بأنه انسحاب عن الحياة ودروشة وأنه لا نصيب له من العلم وأنه لا يشارك في الجهاد أو ربما تحالف مع المستعمرين وناصرهم أو سلم لهم. لكن هل الصورة كذلك حقا؟ إن العلم الذي اشتهر به الشناقطة إنما هو علم أهل التصوف والصلاح الذي كان سمْتَ أهل هذه البلاد، وهو ثمرة عطائهم.

 

لقد كان الصوفية في هذه البلاد هم العلماء والدعاة والمجاهدين وهم الأمراء بهيبتهم وقوة نفوذهم، بل كانوا أمراء الأمراء أو ملوكهم وما ذلك إلا لتفانيهم في اكتساب العلم ونشره ونصرة دين الله. فهذا سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم يقضي 40 سنة من عمره في طلب العلم ويقضي 40 سنة أخرى في نشره مع التزام التصوف الصحيح المستند إلى ما جاء في الوحيين فكان لا يعطي الورد إلا لمن تعلم أحكام الشرع. لقد بلغ سيدي عبد الله من المكانة أن أمير تكانت القوي محمد بن محمد شين يدين له بخضوع تام وولاء أسطوري وكان لا يقطع أمرا دونه. أما الشيخ سيديا فقد أذعنت له الزوايا وحسان وصار مثل الملك بينهم، وكان الجميع يأمن عند اللجوء إليه وكان الأمراء يدينون له بالولاء التام ولا يجرؤون أن يخالفوا له أمرا(20) بل إن الأمير بكار بن سويد أحمد أمير تكانت (إدوعيش ) أخذ عليه الورد. أما محنض باب فقد أشرف على تنفيذ الحدود والمطالبة بنصب الإمام إلى حد أنه عارض الأمراء الحسانيين في قراراتهم السياسية أحيانا، وكانت دعوة محنض باب إلى تنصيب الإمام استمرارا لجهود الزوايا منذ حركة الإمام ناصر الدين لإنشاء دولة إسلامية تلم شتات المسلمين وتحقن دماءهم. (21) ومن أبرز من دعا لإقامة الدولة في هذا القطر الشيخ محمد المامي وكان قعد لذلك بعد دراسة اجتماعية مستفيضة للمجتمع، كما يتضح من كتابه "البادية". وقد كان عالما موسوعيا غزير الإنتاج، فهو يرى أن طاقات المجتمع وإمكانات إبداعه الحضاري ظلت غائبة لعدم وجود قيادة مركزية توجه المجتمع وتقيم الدولة الإسلامية المنشودة، والآن لم يعد بمستغرب عندنا أن نجد عنده دعوة صارخة إلى نصب هذا الإمام ورفع راية الجهاد، هكذا يدعو الشيخ محمد المامي دعوته الصارخة إلى إقامة دولة إسلامية قوية ، وهي دعوة لا تنطلق من فراغ فكري وإنما من دراسة معمقة لوضعية المجتمع السياسية والاجتماعية، دعوة تنطلق من إعطاء مواصفات هذه الدولة. (22) أما العلامة محمد يحي الولاتي فقد كان قوالا للحق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ولما ولي القضاء اشترط على الذين ولوه أن ينفذوا كل الأحكام التي يحكم بها، ولو كان الحكم قتلا وقد كان له ذلك. ولما جاء المستعمر هب العلماء –أهل التصوف- للدعوة لمواجهته فكتبوا في ذلك القصائد لاستنهاض الهمم وللدعوة لجهاد النصارى، كما فعل محمد بن الطلبة، وباب بن احمد بيبه، وسيدي محمد بن الشيخ سيديا، والشيخ محمد المامي، واجدود بن أكتوشن، ومحمد العاقب بن مايأبى. لكن جهاد أهل التصوف بلغ ذروته بالمعارك الطاحنة التي قادها الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل.
وقتل سيدي ولد مولاي الزين وهو من الطريقة الغظفية قائد طلائع المستعمرين كبولاني سنة 1905م. وخاض الحمويون التيجانيون مواجهات مع المستعمر الفرنسي انتهت بنفي الشيخ حماه الله إلى المذرذرة، ثم سان لويس في شمال السنغال ( العاصمة الاستعمارية لموريتانيا قبل الاستقلال)، ثم آدزوبه ( ساحل العاج).. ودام الاعتقال والنفي مدة عشر سنوات من 1925-1935 ميلادية ، وفي هذا السياق ما لبث الحاكم الفرنسي " بواسون" أن أعاد إحياء مذكرة الاعتقال بحق الشيخ حماه الله، بعد أحداث " أم الشقاق " المؤسفة بين بعض أتباع الحموية وخصومهم، حيث اعتبر الفرنسيون أن الشيخ حماه الله مسؤول مباشر عنها ، ولهذا اعتقلوه يوم الخميس 19-6-1941، ونفوه إلى السنغال والجزائر، ثم إلى فرنسا، (في عهد حكومة فيشي العميلة للاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية)، وفي يناير 1943 اعلنوا وفاته في " مونتلسن"، وبالتزامن مع ذلك هدموا داره وزاويته وأعدموا ابنيه (باب والشيخ سيد أحمد )، مع بعض المريدين من أعيان وشيوخ عدة قبائل وهي : " أهل سيدي محمود " ، و "لادم " و" الأقلال " و " أولاد الناصر"، و " أولاد بله" وغيرهم، واعتقلوا أتباعه ، ونفوهم وعذبوهم في شتى أنحاء المنافي القريبة والبعيدة .(23).
وقاوم الشناقطة مقاومة ثقافية فريدة فقاطعو المستعمر وحافظوا بذلك على دينهم ولغتهم فلم يقبلوا في كثير من الأحيان التعامل مع المستعمر فانقطعوا في الصحاري منعزلين بعلمهم معرضين عن المستعمر وإغراءاته بعد أن تمكن من البلاد فقد كان العلماء والمشايخ يرفضون التعامل معه أو أخذ هداياه. ومن أمثلة ذلك رفض الشيخ سيدي محمد بن امني هدايا كبيرة قدمها له المستعمر الفرنسي في بداية استكشافاته، وتمهيده لحكم البلاد، وردد بتلك المناسبة قول عائشة رضي الله عنها: "جبلت القلوب علي حب من أحسن إليها"، وكان الفرنسيون قد أوصلوا إلي محلته كميات من المؤن الغذائية، فما كان منه إلا أن رفض استلامها. (24)
وكثيرا ما تعرض علماء ومشايخ التصوف للسجن أو النفي بسبب عدم طاعتهم أو تجاوبهم مع المستعمر كما حصل مع الشيخ أحمد أبي المعالي وغيره. (25).
ويكفيك من علم الشناقطة ، وكل من ذكرنا علماء متبحرون،  قصة أحمد بن العاقل مع النابغة الغلاوي الذي جاءه يطلب العلم فقال له "مشِّ" (فعل أمر من مشّى مضعفة، ويقصد بها: اقرأ) دون أن يسأله عن أي فن يريد أن يقرا وذلك دلالة على موسوعيته وغزارة وتنوع علمه.
لقد أقامت الطرق الصوفية "دولا" وأشباه دول، أساسها شعبية عارمة تدعمها دبلوماسية حصيفة وروح سلمية تتحلل في مواجهتها قوة الرجال المسلحين. (26).
وإذا نظرنا إلى عمل السلفية -من غير غضٍّ منها- وإلى ما عمله المنتقدون من أهلها للتصوف، وطلبنا أيادي نذكرها بها على موريتانية في تاريخها القديم والحديث، لم نجد ما يلائم ارتفاع صوتها في تسفيه التصوف والجِدِّ في النيل منه، ومحوه من موريتانية، ولو وازنا ما فعلت وما فعل الصوفيون ما وجدنا عملا ثقيلا نضعه في كفتها يمكن أن يوازن بما نضع في كفتهم، ولن نجده حين نبحث عن أياديها في العالم الإسلامي في تاريخه الطويل.
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم      من اللوم أو سدُّو المكان الذي سدوا

وفي الحلقة المقبلة - الأخيرة- نتناول بإذن الله صورا من غياب الانصاف في الكتابة عن التصوف وكذلك مواقف بعض المنصفين إضافة إلى النظر في آفاق اللقاء بين المدرستنين..
elhadi_alnahoui@maktoob.com

 بين التصوف والسلفية في بلاد شنقيط (موريتانيا)/(الحلقة الرابعة)

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox