"الله غالب" شخصية التونسي الدينية من خلال أمثاله بقلم عزالدين عناية و عائشة بنت التقّاز
الأحد, 27 أكتوبر 2013 10:47

الباحث رفقة والدتهيُعدّ قطاع التدين الشعبي أحد المحاور الأساسية في إدراك كينونة فضاء اجتماعي مّا، وهذا المجال لا يزال يشكو إهمالا داخل أوساط الدراسات الاجتماعية والإناسية، في مجمل المجتمعات العربية، برغم انتشار الكليات والمعاهد المدرّسة للدين والاجتماعيات، التي لم توفق إلى حد الآن في القطع مع الانعزال النظري والانخراط في الاندماج العملي. وأمام هذا النقص الحاصل يزعم غربيون قيامهم بدراسات إناسية وسوسيولوجية للمجتمعات الأخرى، خوّلت لهم وعي بناها الدينية والأسطورية. أشك في الزعم المضخَّم، وفي اقتدارهم لبلوغ وعي متكامل وصائب. ولكن الأنكى أن كتاباتهم تتحول إلى أناجيل لدى أبناء البلدان المزعوم دراستها، بين عامتهم وعلمائهم.

ومن هذا العوز يبدو ملحّا تكوين إناسيي أبناء البلد، لإدراكهم اللهجات ولإلمامهم باللغات والفاكرات المحلية، التي تتغير وتتلون من موضع إلى آخر. والغريب أننا في الفضاء الإسلامي نرنو لتأسيس تحول حضاري، في غياب الإلمام والفهم لِبُنانا الذهنية، وخصوصا ما تعلق منها بالديني والأسطوري، برغم ما تلعبه من دور مصيري في دفع أو كبح أي تطلع أو أي مسعى للنهوض. من هذا الجانب كان سعينا لمحاولة تجميع الأقوال والأمثال الشعبية، بغرض بناء نص متماسك وتمثلي للفاكرة الدينية التونسية، ولا ندعي أننا استطعنا الإلمام بها في كل مقولاتها، فهي ثرية الأقوال، متداخلة التوظيف، ومتضاربة التأويلات.

ولم أسع في العرض إلى تحليل تلك الأمثال والأقوال، وهي ذات دلالات نفسية وسوسيولوجية وإدراكية عميقة، برغم ما طرأ على بعضها من تجاوز في السلوك الاجتماعي وفي التمثل المعرفي، واقتصر الاهتمام على التسجيل والرصف، برغم رجعية بعض الأقوال ولامعقوليتها، كل ذلك غاية رصد تحولاتنا الذهنية والدينية لمن شاء ذلك. فبعد أن استقيت مجمل هذه الأمثال من الوالدة (عائشة بنت التقاز حفظها الله) منذ مطلع طفولتي، آليت على نفسي تدوينها. ثم حرصت على أن أنسج من تلك الأمثال نصا مقروءا في صيغة متجانسة. وقد لا يكون المثل ذا مقصد أو غرض ديني بالأساس بل وَظّف عبارات ذات مدلول ديني، يُنبئ عن تمازج الديني بالدنيوي في الفاكرة الشعبية. كما لم نعمل على الفصل بين الأمثال والأقوال الشعبية وحشرناهما معا، إذ كما يقول محمد المرزوقي في كتاب "الأمثال الشعبية في تونس": "رغم دوران كثير التعابير على ألسنة الشعب في الأحاديث العامة والخاصة، فإن قلّة من المثقفين من يفرقون بين الأمثال الشعبية والتعابير الشعبية، مثال ذلك: (كان جات تجيبْها سبيبة، وكان مْشات تقطّع السلاسل)، فهذا المثل ناشئ عن تجربة وتفكير شعبي يؤمن بتداخل الحظ في اكتساب الدنيا فمن ساعفه الحظ اكتسب. أما قولهم: (فلان لا يبِل لا يعِل) أو (لا يحُك لا يصُك) فهو مجرد تعبير بسيط لا يتضمن حكمة ولا تجربة، وكل ما فيه أن فلانا لا يضر ولا ينفع. وقد آثرنا بعض التدخلات من جانبنا –لا على الأمثال والأقوال في ألفاظها- غاية ربط كل مقطوعة بأخرى، مع تنبيهنا لأمر هام أن ذلك القول قد تتجاوز دلالته غالبا ما ذهبنا إليه، وقد يتم استحضاره في مواضع متعارضة كليا مع ما اخترنا له. يتم ذلك وفق سياق الكلام أو بحسب بلاغة المتحدث أو بحسب المعتاد الخطابي في جهة مّا، خاصة وأن لغة الأمثال –على حد تعبير الطاهر الخميري- لغة حديث وفيها من أنواع التعبير ما لا يظهر في النص المكتوب فلزم التفطن من القارئ إلى الأمر. وقد حرصنا على ذكر تلك الأمثال والأقوال وفق ما شاعت عليه بحسب نطقها الريفي والمديني. فكما ساهم الحضَري في إنتاجها ساهم القرويّ والريفي أيضا، فهي ثروة شعب بكافة شرائحه: "جبالي" و"فريقي" و"ساحلي" و"جريدي". كما نُلفت انتباه القارئ غير التونسي أن استعمالات بعض الكلمات أو الأفعال قد تُوهم بمدلول عربي فصيح، شائع ومتواضع عليه، في حين تأتي في الاستعمال التونسي على غير ذلك، حيث تحمل دلالة مغايرة، ولذلك نتمنى الاستعانة بقاموس للدارجة التونسية لمن أشكل عليه الأمر. ومن باب الأمانة العلمية، آثرت ذكر اسم صاحبة الرواية الشفوية –عائشة بنت التقاز-.

 

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox