| لن أصوت...سأصوت... لمن أصوت؟ |
| الاثنين, 11 نوفمبر 2013 17:40 |
|
كان الناس فيما مضى يظنون أن الانتخابات لها فائدة واحدة مؤكدة وهي موسم الحملات وما يتفجر فيه من ينابيع المال العام وسيوله من المال الخاص، فيستفيد خلق كثير؛ بدءا بتجار الجملة الأثرياء، وانتهاء بالحرفيين البسطاء وخياطات الخيام من الفقراء، ومن لا صنعة لهم ولا عملا إلا انتظار هذا الموسم الخاطف الذي تصرف فيه الشعارات والمواقف وتشترى و"تبدل". في العالم الديمقراطي يحدث هذا أيضا، لكن بعده تيْنع الديمقراطية ويجني الناس ثمارها, أما عندنا فهذه هي مدة الديمقراطية وثمرتها الوحيدة. إنها مجرد طقوس لمشهد جديد يتيح للحاكم هز عطفيه ووضع ريش الطاووس الجميل على جسد الديكتاتور القبيح. من السهل نصحي بـ"تقليل الأخبار" وبيع صوتي بأي متاع أو رميه لأي لون يعجبني في صحيفة المتلمس التي ستقدم لي في مكتب الإحصاء، أو أتجنب المكاتب كلها يوم "الزرك" ولا أكترث للأمر؛ هذا إن كنت حصلت على قيد في سجل الإحصاء المدني ثم على تسجيل في اللائحة الانتخابية. حدث كل ذلك، ولم يكن أوله سهلا. ولكنني أخالفك أيها الناصح، فأنا أرغب في أخذ الأمر بجدية كما لو أنني مواطن في بلد ديمقراطي بحق يعيش انتخابات حرة ونافذة. فما ذا أفعل ومن أختار؟ في الحقيقة أول صدمة ألاقيها هي أن المترشحين المنتَخَبين، إن شاء الله، يرون صوتي في جميع الحالات موتورا لا أثر له بعد نثر الصناديق؛ فهو مجرد رقم عددي ينتهي وجوده بانتهاء عدِّ الأصوات وتكوُّن الرقم الفاصل الذي ينتهي أيضا بإعلان الفائز. والفائزون إما قلة قليلة معارضون لا حول لهم ولا قوة سيأخذون رواتب مجزية مقابل دور معارضة صوتية، وإما "أغلبية" رئاسية مهمتها خدمة الرئيس ونشر فضائله الحقيقية أو المتخيلة، والدفاع عن نظامه ضد المواطنين (الناخبين) المتضررين أو المستائين من سياساته الرديئة! مثل سائر الخلق في العالم لا أتوقع ممارسة ديمقراطية ناضجة في بلدنا وأمثاله، حتى لو قادتها نخبة مدنية ديمقراطية؛ فما بالك إن كانت من إنتاج وإخراج نظام انقلاب عسكري!. أمعنت النظر في الأحزاب فهالني عددها الفلكي ولم أحفظ منها سوى قلة أميزها بأسماء رؤسائها.. لأن أسماءها وبرامجها وشعاراتها تتشابه وتتماثل في خياليتها ورداءة ذوق مؤلفيها وواضعي علاماتها ورموزها اللونية القبيحة. الجامع المانع لدعاية كل هذه الأحزاب هو عدم الواقعية وعدم الصدق وطغيان عقلية الترويج بالغش التي تسود أسواقنا وهي امتداح البضاعة بأحسن الأوصاف والتبرؤ منها ومن مشتريها بعد ذلك. إذا قبلتُ الانخداع بالمظاهر وولعت بالتباع الغالب وتأييد الأقوى، فعلي أن أصوت لحزب الدولة. ولكن الدولة، لشدة ذكائها التجاري، أصبحت لها أحزاب عدة؛ يدعي كل واحد منها وصلها وتتنافس على ود رئيسها وقرابته. فلأي واحد من أحزاب فخامة الرئيس أمنح صوتي، وهل سأجد لصوتي رَجعا في خضم هؤلاء الأقوياء الكثر؟ هل أصوت لأحد الأحزاب الفطرية العالقة بهذه الأحزاب الرئاسية، فلها لوائح أيضا؛ لكن "نصيبها" إن وجد هزيل لا يكفي لإطعام رئيسها وحده ولن يفضل منه شيء. هل أترك هذا المعسكر "الفائز" كلية وأصوت للمعارضة المشاركة؟ ولكني بذلك أساهم في مباركة انتخابات لا أجد إلا نصيبا من نصَبها، لأن ما ستصيبه هذه المعارضة لن يكون سوى رماد العيون. لم يبق إذن إلا أن أقاطع هذه الانتخابات وأحتفظ بصوتي ـ إن تمكنت من التصرف فيه ـ فأكون مع المعارضة المقاطعة بذلك. إنه موقف سلبي ولكنه ديمقراطي في ظل انتخابات مشكوك في نزاهة تنظيمها ونظافة أكنافها. هذا الموقف لا أخفي أنه كان سيناسبني جدا لولا غضبي الشديد من الحزب الرئيسي في المنسقية المقاطعة، وهو حزب التكتل UFD الذي يعجبني أكثر من سائر التشكيلات الأخرى. لكن موقف هذا الحزب من انقلاب 2008 ومباركته المخزية والغريبة لذلك الانقلاب العسكري الخطير كانت صدمة لي فظيعة. والأسوأ من ذلك الموقف الشاذ، هو محاولات هذا الحزب الكبير اليائسة لتبرير سلوكه بعد ذلك وعدم امتلاكه من المصداقية والشجاعة ما يجعله يعترف بهذا الخطإ ويعتذر عنه ويحاسب من جَروه إليه مهما كانت مواقعهم وأهميتهم، فيتطهر بذلك من هذا الذنب العظيم. لكن ما زال حزب التكتل يصدمنا برفعه شعار إنهاء حكم العسكر الذي أفسد البلاد ودفاعه في نفس الوقت عن مباركة انقلاب عسكري أعاد ذلك الحكم بعدما سنحت فرصة نادرة لإنهائه أو تقليصه وتهميشه على الأقل. كان على التكتل أن يكون ضمن أغلبية ولد عبد العزيز قبل غيره، أو على الأقل أن لا يلوم أحزابا مثل الشعبي وتواصل والوئام... لمشاركتها في انتخابات ينظمها نفس النظام الذي شرَّع لحظته الحرجة الحاسمة (البداية)، في حين أن هذه الأحزاب كان موقفها طبيعيا رافضا قبل أن تعترف بهذا النظام وتتحاور معه أو تنافسه... حسنا. إذن أنا حائر في مسألة التصويت وأكتفي حتى الآن بقراءة شعارات بعض لوائح الأحزاب والاطلاع على أسماء أحزاب لم أجد من سمع بوجودها. من أغرب الشعارات التي رأيتها شعار يقول: "انتخبوا لائحة العلماء"! وكان الصواب اللغوي على الأقل أن يكون: انتخبوا لائحة العالمين. وهما فعلا عالمان جليلان أعرفهما وأعظمهما، بل ويعرفهما الناس عامة. وهما مع ذلك علامتان قريبان من الدولة وأحزابها وإعلامها.. فلما ذا تنكرت لهما وأرغمتهما على ابتذال اسم العلم والعلماء وإهانته بهذا الغرض الانتخابي. وإذا لم ينجح العلماء وتتصدر لائحتهم الناجحين وتتفوق على لوائح العاطلين والباطلين فعلى من تقع إهانة العلم وأهله حينئذ؟ ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما أخيرا لم أجد سوى الرجوع إلى فكرة قديمة وهي أن كل هذه الانتخابات لا داعي لها، وإنما هي إهدار للمال والجهد حالا في الحملات، ومآلا في تسيير ورواتب المجالس البرلمانية والبلدية. فلا البرلمان سيبرم أمرا ولا ينقض قرارا، ولا ينفع ناخبا ولا ينصف مظلوما ولا يواسي مكلوما. والأمر اشد في المجالس البلدية التي لا دور لها سوى فرض الإتاوات والمكوس على المواطنين وإرهاق كاهل الإدارة بمزيد من التكاليف والتعقيدات، والتهرب من المسئولية بالتدافع والاحتجاج بالبلديات في الإدارات، وبالإدارات في البلديات.. مع أن البلدية لا حول لها ولا قوة ولا تفويضا. فهل هذا هو الحل والمخرج لأصحاب الأصوات الصامتين والحائرين؟! إنه الحل السيئ لواقع أسوأ منه لكنه هو "الواقع" رغم هذه الضجة الانتخابية الهزلية |
