| تونس : إنهيار نموذج، وبزوغ آخر |
| السبت, 15 يناير 2011 10:06 |
|
أحمد ولد الوديعة
لن نصغي لمحاولاتكم المكشوفة لامتصاص الغضب، لقد نفضنا أيدينا منكم، نحن من يقرر مستقبل تونس اليوم، لانثق في وعودكم فتح آفاق جديدة، أنتم تحسنون فتح الرؤوس فقد شاهدنا كيف فتحتم رؤوس عشرات الشبان بالرصاص الحي وبالكرتوش، أما فتح الآفاق فتلك مهمة لاتعرفونها لقد انتهيتم.. ارحلوا عنا.. إن وقت الحسم قد حان.. بهذه الكلمات المتفجرة علق شاب تونسي فى العشرين من عمره على محاولات السلطة التونسية احتواء الوضع فى تونس بعد شهر من انتفاضة الكرامة التى ارتقى فيها عشرات الشهداء وارتقت معهم تونس بعد عقدين من الانحدار في وهد الاستبداد السحيق.
بعد ساعات من تصريحات الشاب التونسي كانت الوقائع على الأرض تصدق ما قال فالجنرال بن علي حزم أمتعته ورحل تائها بين الجزر الأوربية يبحث عمن يؤمنه من شعبه الذي أراد الحياة وضحي من أجلها فاستحقها بجدارة، وحتى كتابة هذا المقالات ما يزال الجنرال عالقا فى حين تنفس التونسيون الصعداء وخرجت مظاهرات فى أكثر من بلد عربي مهللة بنهاية حكم مثل الدكتاتورية العربية فى أبشع صورها. لخصت كلمات الشاب التونسي التي جرى تداولها على نطاق واسع على صفحات الفيس بوك مشاعر ملايين التونسيين الذين فجروا خلال الأسابيع الماضية ثورة عظيمة سيكتبها التاريخ كواحدة من أعظم الثورات فى تاريخ أمتنا المعاصر، إنها ثورة تحرير الأمة من الاستبداد، أو ثورة إنجاز الاستقلال الثاني كما نظر له منذ عقد من الزمن صديقنا المقاوم منصف المرزوقي، وهي ثورة منطلقة وتستحق أن يقدم لها مليون شهيد في طول العالم الإسلامي وعرضه حتى تتحرر الأمة من " شلة" الحكام المفسدين التى تتعامل مع خير أمة أخرجت للناس على أنها جزء من سقط المتاع وتطرح حريتها وهويتها ومصيرها فى أسواق النخاسة . ما يجرى في تونس هذه الأسابيع أحداث تاريخية بكل المعاني وهي لذلك تحمل رسائل ودروس حري بنا أن نستخلصها وهي ساخنة عسى أن تفيدنا فى بقية أوطاننا الإسلامية السائرة بسرعات مختلفة على طريقة التونسة، ومن هذه الدروس أو لعله أهمها ثلاث أمور رئيسة - أن الحرية والكرامة لاتشرى بمعدلات تنمية مهما كانت مرتفعة ومهما زكتها التقارير الدولية الحكومية وغير الحكومية، وهنا كان مربط الفرس فى " التجربة التونسية" التي كانت قبل أحداث الأسابيع الأخيرة تعتبر مثالا يحتذى ووصفة يتم تقديمها فى الكثير من الدوائر على أنها الوصفة الأنجع لمواجهة تيارات الإسلام السياسي في بلاد الجنوب، فقد استطاع بن على تحقيق مستويات تنموية عالية، وأنجز نظاما تعليميا متقدما وبنية تحتية راقية مما مكنه من أن يجفف بشكل منهجي منابع التدين، ويريح تونس وإلى الأبد من أوجاع الرأس المرتبطة بحركات الإسلام السياسي. لقد ترسخ المثال التونسي خلال العقدين الأخيرين وأصبح نموذجا يحاكي بصمت فى العديد من الدول، وخرج باحثون وأكاديميون ينظرون لضرورة الفصل بين حلمي التنمية والديمقراطية فى عالمنا ورفع شعار " التنمية أولا" باعتبار أنه الأسهل وأن انجازه سيجعلنا ننتقل إلى " الديمقراطية الآمنة" فديمقراطية الفقراء ستكون نتيجتها حتما خيارات سياسية " خارجة على " المنظومة الدولية" وغير قادرة على التكلم " بلغة العصر. لقد قضت انتفاضة الكرامة الجارية في تونس اليوم على هذه النظرية من جذورها فهاهو الجيل التونسي المصنوع على " أعين" رواد هذه النظرية يدوس اليوم بأقدامه الجريئة على مشتقات نظرية تجفيف المنابع، ويعلن أنه لامساومة على الحرية، لابد أنكم جميعا لاحظتم أن قادة هذه الانتفاضة شباب فى العشرينات من أعمارهم أي أنهم ترعرعوا فى مدارس وجامعات ومؤسسات تونس الجديدة التى ورثها بن علي عن بورقيبة وطور فيها نظريات سلخ تونس عن دينها وهويتها،وحرمان الإنسان التونسي من التمتع بأبسط حقوقه الإنسانية إنها صدمة قوية لصناع هذه النظرية " الاستخفافية" ولذلك ظهر بن على فى خطابه الأخيرة قبل الهروب مهزوزا وهو يتوسل الشعب التونسي، ويعلن له أنه " آمن" بعد أن أدركه الغرق، هل تابعتم كيف أعلن هذا الجنرال الملهم الجاثم على صدور الشعب التونسي منذ ثلاثة وعشرين سنة أنه " ألان فهم " مطالب الشعب التونسي، وأنه " الآن" يعطي التعددية، وأنه " الآن" يرفع الحظر عن الإنترنت، وأنه " الآن" تبدأ حرية الإعلام، وأنه " الآن" يأمر بوقف إطلاق " الكرتوش" وأنه لارئاسة مدى الحياة، وأنه " الآن" وأنه " الآن".. "الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون " سورة يونس الآية 92 - والدرس الثاني في محلمة تونس الجارية هو درس قديم متجدد ملخصه أن نهايات الاستبداد تأتي دائما من حيث لايحتسب، فقد كان نظام الجنرال بن علي حازما منذ البداية فى القضاء على كل القوى الجادة فى المشهد السياسي والجمعوي، ومن هنا كانت معاركه " المظفرة " ضد التيارات الإسلامية واليسارية والقوى الوطنية ونشطاء حقوق الإنسان، وقد أثمرت هذه السياسة الحازمة فى إفراغ تونس من القوى المؤثرة، وقد سجل النظام فى تمزيق هذه القوى إبداعات نادرة كان سدنة النموذج التونسي يقدمونها على أساس أنها جزء من " ميكانزمات" هذا النموذج التى تسمح بتفريغ الساحة من " القوى الشريرة " بأقذر الوسائل، هل تتذكرون السيناريو المذل الذي فبرك مع الشيخ مورو، والتهمة السخيفة التي أبعد بها المناضل الشرس منصف المرزوقي عن تونس، لمن لايعلم فبرك للأول فيلم إباحي وكلفت سيدة بالتحرش بالثاني فى الشارع العام والشكوى منه أمام الشرطة على طريقة ضربني وبكى وسبقنى واشتكى. تنفس النظام التونسي الصعداء إذا وحسب أنه " قطع الطريق" بشكل منهجي على تبلور أي بديل عنه على الطريقة الفرعونية القديمة التى كانت تقتل كل المواليد الذكور حتى لايوجد من يمكن أن يمثل بديلا ولو على مدى بعيد عن الجنرال الفرعون، لكن هذا الانتصار الهائل انقلب اليوم ضد مهندسيه، فكم تمنى النظام التونسي الهارب أن يكون معه في تونس خلال الأيام الماضية راشد الغنوشي ومنصف المرزوقي وآخرين حتى يتفاوض معهم ويقدم لهم تنازلات ويستعين بهم فى تهدئة الشارع. إن مشكلة النظام التونسي المنهار اليوم كما قال سفير تونسي سابق قبل أيام هي أنه وجد نفسه وجها لوجه مع مئات الآلاف من الشباب المفجوعين الذين يتحرك كل واحد منهم بقرار ذاتي ويتصرفون جميعا من نفس الحالة اليائسة التى جعلت البوعزيزي يحرق نفسه بعد أن منعته الشرطة من بيع الخضار فى شارع عام وهو الذى يحمل شهادة عليا لم تفتح له الأبواب أمام الحياة الكريمة. - أما الدرس الثالث من دروس ملحمة الكرامة الجارية فى تونس فهو درس إعلامي بامتياز يؤكد من جديد حقيقة ما زالت مجهولة أو متجاهلة لدى حكام بلاد العرب، وهي أن " الحجب، والحظر، والتوجيه" مفردات باتت من الماضي غير المأسوف عليه في زمن إعلام المواطن، فهاهي صور ولقطات الشباب التونسي المبثوثة على مواقع الفيس بوك والتويتر تهزم الآلة الإعلامية الجرارة للدولة التونسية، وهاهو الجنرال يعلن بعد أن أدركه الغرق أنه سيفتح أبواب الحرية وسيحرر الإعلام ويرفع الحظر على الإنترنت، بالمناسبة كنت قد مررت من تونس قبل شهرين وكنت محتاجا لأن اتصفح الإنترنت وعندما ذهبت إلى مقهى مجاور للفندق الذي نزلت فيه احتجت نصف ساعة تقريبا لإكمال إجرءات الدخول على الإنترنت كانت العملية معقدة احتاج معها صاحب المقهي أن يدقق جيدا فى جواز سفري وأن يرسل نسخة منه إلى جهة ما قبل أن يزف إلى البشري لقد أصبح لك رقم وطني يمكنك من تصفح الإنترنت. ختام هنيئا لشعب تونس الصابر الثائر على صبره وتضحياته وجهاد فهاهو ينجز خلال شهر من الصمود فى الشارع إنجازين تاريخيين للأمة في وقت أحوج ما تكون لهما - إنجاز الدوس على نموذج بن علي القائم على تجفيف منابع التدين والدوس على الدين والقيم. - إعادة الروح لنموذج تونسي قديم كدنا نحسبه جزء من التراث الشعري قبل أن ينتصر له أحفاد الشابي فيحولوه إلى مثال حي يلهم اليوم عشرات الملايين فى شتى أنحاء العالم الإسلامي، إنه نموذج إذا الشعب يوما أراد لاحياة.. فلاغرو أن يستجيب القدر ولابد لليل أن ينجلي .. ولابد للقيد أن ينكسر وهاهو المثال الحي لقد أراد شعب تونس الحياة فنالها وهاهو يوم جديد يطل فى تونس بدون بن على الهارب، وهاهي القيود تنكسر، وهاهو راشد الغنوشي، ومنصف المرزوقي وزعشرات آخرون معهم يستعدون الآن للعودة إلى تونس المحررة، وهاهي ذى الشعوب المقهورة فى كل مكان تعد العدة للانطلاق على طريق النموذج التونسي الجديد لأنها عرفت جيدا أنه ومن لايكابد صعود الجبال.. يعش أبد الدهر بين الحفر. |
