نفمبر: شهر الاستقلال والقتل/ جبريل جلو
الجمعة, 29 نوفمبر 2013 12:32

 

الحلقة الأولى: هويتي وموطني من الزمان!!

 

تحملُ كلّ شُهور السّنة في طيّاتها لحظات حزينة، تزاحمُ أيامنا السّعيدة.وكلما عاد نوفمبر حمل في عشريته الأخيرة دموعا وفراغا كبيرا؛ في نفوس فقدت آباءا وإخوة وأبناءا وأزواجا وأصدقاءا، شنقوا كلُهم غدرا. ذات ليلة باردة في ثكنة"إنال" شمال موريتانيا.في لحظة صادفت عشية 28 من نوفمبر.هناك يد لطخت ذكرى تتجدُ كل عام.

فهذا التاريخ هو ذكرى عيد الإستقلال المجيد؛ لبلد لم يتحرر شعبه لحد الآن من هيمنة العسكر. والقبيلة والجهة.والعرق.والعبودية.والرّق؛وما بين الأخيرين من مخلفات ثقيلة.وإرث كئيب.وشاحب كأمعاء الجنرالات ونواصي لصوص المال العام.

 

هؤلاء المشنوقين هم جزء من لائحة قوامها 524 عسكريا موريتانيا. قتلوا جميعُهم تحت التعذيب وبالرصاص، ودفن بعضُهم وهم أحياء. وداست الشاحناتُ عددا منهم في ثكنة أجريدة؛ غير البعيدة عن العاصمة نواكشوط . وفي أكجوجت  وأطار وغيرهما اختار ضباط  أن يتلاعبوا بجماجم وأعضاء رفاقهم في الجيش.

 

أفلت كلُ المجرمين حتى اليوم من العقاب.نعم؛ إنهم مجرمون، لأنهم أصدرُوا أوامرَ القتل ونفذوه بأيديهم وأشرفوا عليه في بعض الأحيان. واستمتع بعضُهم بالتّلاعب برؤوس ضباط كانوا منافسين لهم في الجيش وباقي المؤسسات الأمنية.كما أَودعوا جنودا كانوا تحت إمرتهم في قبور جماعية دون حرقة ضمير أو رأفة أو شفقة.

 

المؤكد أن ما حلّ بجشينا الوطني من تصفيات يعود لسياقات معقدة منها:

 

السياقُ الأول:

 

السياسةُ بمفهوم الفئوية والعرقية والجهوية. واغتيال روح المواطنة. و تصادم مصالح المجتمع حَسَبَ ما بلورتها النخبُ المدنيةُ والزعاماتُ القلبيةُ للاستفراد بالسّلطة ومقدرات الدّولة. واتّخذ هذا النزاع من الجيش مسرحا للغلبة والحسم. وفي هذا الإطار وُلدت المحاولة الانقلابيّة لعام لـ 1987. وأعدم حينها الضّباط الزّنوج الذين قادوا هذه المحاولة وكان على رأسهم باصيدو. غير أنّ تصفيات العامين 1990-1991 لم يكن مصدرُها أي محاولة انقلابية إنما تندرجُ في السياق الثاني على نحو ما هو آت. وقد أَوردتُ تفاصيلَها في سلسة جرائم الإبادة في موريتانيا.ويمكنُ العودة إليها؛ عبر الشبكة العنكبوتية.

 

السياقُ الثاني:

 

اتجهت الأطرافُ السياسية والعسكريةُ في موريتانيا لبناء تحالفات خارجية على الصُّعد العربية والإفريقية والدُوليّة، بعد أن عجزت عن بناء جو من الثّقة والتّصالح.فانتصرت كل جهة لوتر عرقي. فمثّل حينها عراقُ صدام وليبيا القذافي وسوريا الأسد الأب سندا للعقيد  المعاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع.وذلك عبر قنوات القومية العربية وأقطابها في بلادنا.وأختارت قيادات الحركات الزنجيّة الارتماء في أحضان دكار. و دول إفريقية أنهكتها الصراعات الداخلية.والانقلابات العسكرية.وذلك على غرار بوركينا فاسو حيث كان الرئيس توما سنكرا رمزا لأنصار "الأفرقة". وسرعان ما انقلب عليه رفيقُ دربه كومباورى. وكانت سنغال عبدو جوف تتعاطي مع كل الأطراف. فتميلُ للزنوج استجابة لضغوط شخصيات سنغالية نافذة لها أرحام في موريتانيا. وتتراجعُ كلما لعب نظامُ ولد الطايع على وتر الكازماس. حيث كانت نواكشوط مقر إقامة القيادات العسكرية السنغالية المتمردة على نظام دكار. تماما كما هو الحال اليوم؛ مع قيادات الطوارق الماليين، الذين توجد غرف عملياتهم في أحياء تفرغ زينة وتوجنين بالعاصمة نواكشوط.

 

السياقُ الثالث:

 

ويتعلقُ بتدافع في المؤسسة العسكرية، قاد لرغبة في التخلص من قيادات منافسة. وهو ما يفسر الاعتقلات العشوائية لضباط متسيسين وآخرين لا علاقة بالسياسة؛مطلقا. فقُبض على غالبية المنحدرين من شرائح الفولان والسوننكى والولوف. وجرت عمليات القتل السّريعة، دون محاكمات عادلة أو غير عادلة.  لقد كان القتل هدفا!!!

 

ولأن هذا الموضوع يمسُ كل مواطن موريتاني فإني أختارُ هذه السنة أن أعبر لكم أعزائي القراء ولعموم أبناء شعبنا الموريتاني عن ما يمثله بالنسبة لي شهر نوفمبر؛ بأحزانه العميقة وفرحته الكبيرة. فالـ 28 من نوفمبر يومُ حزن يرقصُ فيه أنبائُنا في المدارس والشوارع الرسمية ابتهاجا بعيد الاستقلال الوطني.

 

- مواعيدٌ مع الزمان:

 

- 1960 : يمثلُ هذا العامُ مرحلة وجودية في حياتي. فهو عامُ استقلال وطني. وميلاد أمي، التي حملتني تسعة أشهر.وكانت هي الأخرى جنينا مطلع هذا العام. نوفمبر إذا هويتي وموطني من الزمان.

 

أريدُ أن أذكر هنا أن مسقط رأس أمي في ضواحي مدينة أركيز. ويعلمُ الجميعُ اليوم أن هذه المناطق خالية من الفلان الرعاة؛ لقد طُرودا منها. واستحبيت أراضيهم. وحين نقولُ اليوم لطفل من الأجيال المولودة بعدي بعشر أعوام أوأكثر: إن الفلان ينتمون لهذه الربوع من أرضنا، لجئناه بأمرعُجاب.

هذا على سبيل المثال رسمٌ من لوحة المأساة التي نُخلفها لأجيالنا القادمة، في انكماشنا عن الدولة الوطنية وتوغل الفئوية في كل مراكز السطلة وتمظهرات جهاز الدولة على أرضنا.

 

عرفتُ شهر نوفمبر في وقت متأخر من طفولتي،ذلك أن أبي كان مهاجرا. وكانت والدتي ربّة بيت أمّية.حرصتْ على الحاقي بالمدرسة القرآنية"المحظرة".كي تصحّ مخارجُ حروفي.وتنمو مداركي.

فتعلمتُ "الألف والضاد" على يد الإمام الخ ولد الشيخ رحمه الله. وأسعده و ذريته من بعد في الدارين.وتأخرتُ في الولوج للمدرسة النّظامية ثلاثة أعوام نسبة لأقراني.

 

- 1990 : هو موعد آخر مع الزمان.وأقصدُ بالزمان الحياة والموت وأهمُّ ما بينها وهو التعيلم. دخلتُ المدرسة أواخر هذا العام. وبه حفظتُ النشيد الوطني.

وفي صبيحة الـ 28 نوفمبر من نفس العام أخرجنا من الفصول مديرُ مدرستي-الزهراء- في حي الزعتر بمقاطعة دار النّعيم. وأقلتنا حافلات حطّت بنا أمام الإذاعة الوطنية.وانتظمنا في صف طويل على طريق قصيرة محاذية لمقر الولاية. وتؤدي هذه الطريق إلى القصر الرئاسي.رأيتُ يومها عجائزا من كل أحياء العاصمة. وهن يضربن طبولا ويرددن: موريتاني موريتان موريتانيي....أدركتُ حينها أن لي عائلة أكبر من أسرتي ومحظرتي ومدرستي.

 

عرفتُ في نفس الفترة أن  خوفا كبيرا يسكنُ أهلي.ولم أستطع لحظتها  فهم ما يجري حولي.

أذكرُ أن سيّدي المعلم سأل كل تليمذ عن اسمه وولايته.وكانت آخر حصة يومَها قبل ذكرى الاستقلال.

وحين جاء علي الدورُ للرد على هذا السؤل، ذكرتُ اسمي وبقيتُ جاثما؛ أُمررُ يَدي اليمنى على قفاي. وأحّكُ رُكبتي بيدي اليسرى…

هتف المعلمُ : جبريل!

قلتُ له: من الحوض الشرقي!!

وهذه كذبة كبيرة في حياتي.

تُذكرني اليوم بأهمية تعليم الجغرافيا الوطنية للأطفال دون غرس الجهوية في أوصالهم. على العموم مسقطُ رأس أبي وسط البلاد. وأمي في جنوبها، كما ذكرتُ. وقد رَحّلت السّلطات القريتين التي ينتمي لهما أبواي إلى دولة السنغال في العام 1989.كما حصل لمعظم قرى الفلان في مناطق عديدة من  البلد.واشتهر هذا العام بأسماء كثيرة منها: التسفير.وعام "ديكة لكور والبيظان"، وبعام الأحداث. وهو عامٌ مريرٌ قُتل فيه الموريتانيون في السنغال وقتلوا في موريتانيا.

 

الميكانيكيُ الموهوبُ؛أبي، عَملَ دركيا منتصف السبعينات لأواسط الثمانينات من القرن المنصرم،تزوجت والدتي بعد ذلك عسكريا ،هو والد إخوتي الصّغار. وعاد الأخير ذات مساء، بعد غياب دام عدة أشهر، كما يحدثُ عادة لأفراد المؤسسة العسكرية.لكنه عاد منهكا،نحيلا.وعلى جسمه آثار التعذيب.

 

عرفتُ أنه كان معتقلا في أجريدة. بينما وُزع العسكريون الزنوج على المعتقلات داخل ثكنات بعضُها داخل المُدن. وكان السكانُ يسمعون صُراخهم وهم يعذبون، كما هي الحالُ في بابى ونواذيبو وأكجوجت ….وكان بعض الثكنات في الصحراء.

 

لا أحد يُمكنه انكار عمليات القتل والتعذيب في سوري مالى. وتكند. وأكجوجت. ونواكشوط. وأجريدة. وبابابى. والعزلات. والبير. والكيلومتر .319.ومناطق أخرى هي اليوم قبور جماعية. وثكنة إنال. التي قُتل فيها 156 عسكريا من بينهم الـ 28 شنقا في ليلة شتاء.

 

وجُردت قلة من العسكرين  الزنوج من كلُ الصلاحيات ومن السلاح ووضعوا تحت الرقابة والإهانة آناء الليل وأطراف النهار. ولم تكن تصلُ إليهم أخبار المعتقلين، باستثناء الجنرال أنجاغ جينغ وزمرته. فقد نجوا من الإعتقال والتعذيب والقتل.وتكتموا على ما حدث.ووقع هذا الجنرال تقريرا مشهورا زوّر فيه الحقائق. ومسح النظامُ دموعه بالأموال والرتب والامتيازات.ولما وصل للتقاعد هذه الأيام مددت السلطة القائمة مأموريته.

 

بدأ العسكريون المعتقلون في العودة أفواجا بعد أخرى.رأيتُ بأم العين حافلات تحطُ بجيران لنا كانوا ضباطا وجنودا في الجيش والمؤسسات الأمنية. بعضُهم يُنزلُ على سرير مددا كحبل يتنفس.

وكلُ عائد يحظى بزيارات الأهالي والأصدقاء. رأيتُ الخوفَ يعتصرُ عيون الكبار والحزنَ يتربعُ على وجوههم.

 

يبكون كل مساء. ويقرؤون رسائل التعازي. ويختمون القرآن  الكريم، على أرواح من قتلوا.

 

كان الرجالُ يتدافعون ليُدخلوا امرأة وصلها نبأُ مقتل ابنها أو زجها أو أخيها..حين يسمعون عويلَها قادما من الشارع…

سمعتُهم يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

ويرددون: لا تبكي في الشراع إن الجيش سيأتي لاعتقال الرجال عندما يتجمون حولك الآن.

 

يبكون ويبكون..يبكون أناسا أعرفُهم. وآخرين سمعتُ بأسائهم من قبل.واليوم أعرف أسمائهم كلهم.

 

وخلال دراستي بجامعة نواكشوط التقيتُ عددا من الطلاب حدثوني عن آبائهم إذْ قُتلوا في الثكنات.

 

وبعد انقلاب 8 أغسطس الذي نفذه الجنرال محمد ولد عبد العزيز، التقيتُ ضباطا مناهضين لهذا الانقلاب هم أنفسُهم شاركوا في عمليات القتل.وتحدثتُ معهم عن ما جرى في هذه الفترة. وكشفوا لي عن معلومات تخص ضباطا آخرين حددوهم بالأسماء. يقولون فلان قتله فلان. ذكرت بعض هذه المعلومات في سلسة جرائم الإبادة التي كتبتها في مثل هذه الأيام من السنة الماضية. الرابط:

http://bit.ly/100pxtn ووقع Bâ Sileye النسخة الفرنسية من هذه السلسة.

 

-2011 : نوفمبر من هذا العام شاركتُ في القافلة الحقوقية إلى إنال لاحياء ذكرى هذه المجازر، رفقة العديد من الأيتام والأرامل وكنتُ أترجمُ لهن أمام زملائي الصحفيين. في الموضع الذي جرت فيه عمليات التعذيب والقتل. انظر الفيديو على الرابط، الدقيقة ثلاثون:

 http://vimeo.com/69058249

 

-2013 : يحكمُنا  اليوم نادي الجنرالات. وقد شارك عددٌ منهم يقينا  في عمليات لتصفية قتلا في مختلف مناطق الجمهورية. خصوصا في أجريدة وأطار ولعيون وألاك.وقَبَضَ اثنان من هذا النادي ثمن الصمت؛ أحدُها له بطنٌ كبيرة اليوم.وجمع الآخر ثروة هائلة.بينما خرج ثالثُ الجنرالات الزنوج حيا من إحدى الثكنات.حيث نال فيها سوء العذاب.ويلاحقه اليوم المرض إثر ذلك.

وقتل جنرال ضابطا في أكجوجت قائلا للقتيل: "احمل معك ملفك يوم الآخرة". وهذا المقتول من مدينة روصو،وفقا للشهادات المتواترة، التي قدمها الناجون.

 

و أشرف عقيدان سابقان أمرا وتنفيذا على القتل، في نواكشوط وتكند. أحدُهما نائب رئيس البرلمان لساعةكتابة هذه الحروف ونحن نختم اللعبة الانتخابية الأحادية.والعقيد الثاني قيادي في منسقية قوى المعارضة.COD.

وأشتهر عقيدان آخران بالقتل. وهما يقودان اليوم مؤسسات تجارية في العاصمة نواكشوط. أحدُهما يفتخفرُ في المجالس الخاصة بأنه بطل، قتل في باباى وسوري مالى.

 

وكشف صالح ولد حننه رئيس حزب الاتحاد والتغيير "حاتم" معلومات هامة حول هذه التصفيات خلال محاكمته الشهير في واد الناقة بعد محاولته الانقلابية عام2003 . يوم كان برتبة رائد.

ويمكن العودة لكتاب "حجيم إنال" للإطلاع على تفصيل أكثر. و يمكن العودة للناجين، إضافة للقيادات العسكرية المتورطة والتي تتقاذفُ اليوم تُهم القتل أثناء نوفمبر وما قبله وبعده في العامين 1990و1991 .

 

نوفمبر2013

جبريل جالو/ نواة 

 نفمبر: شهر الاستقلال والقتل/  جبريل جلو

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox