رسائل من ثوار قرطاج
الثلاثاء, 18 يناير 2011 12:21

كتب:أبوبكر بن كاكيه

يناير لم يكن يوما عاديا من أيام تونس الخضراء،بل كان يوما مشهودا فى تاريخ الدولة التونسية الحديثة، ففيه لفظ نظام الدكتاتورية "الطرابلسية" أنفاسه الأخيرة تحت وطئة ضربات "ثوار قرطاج" الذين لم يعودوا يستطيعون مزيدا من الصبر على ممارسات نظام بوليسي أذاقهم من المرارة شتى أنواعها،بدءا بقمع يخجل السفاحون الصهاينة أن يذكر في مجالسهم ومروا بمصادرة الآراء المعارضة ورمي أصحابها في غياهب سجون تمثٌل أولى محطات الإنتقال الى العالم الأخروي.. وإنتهاءا بالظروف الإقتصادية والإجتماعية الهشة التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها خير شاهد على كذب وزيف الصورة الوردية التي طالما سوٌقها نظام "بن علي" لتونس مستعينا بأرقام وإحصائيات أعدُت في مطابخ "التجمع الدستوري" السياسية، وشهادات لا تستند الى أي أساس علمي يصف فيها الرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك" تونس ب"المعجزة الإقتصادية ..وأنها أحد النمور الإقتصادية الصاعدة في العالم النامي.."

 

 



فمن "سيد بو زيد" إنطلقت شرارة الإنتفاضة التونسية المباركة التي لم يمكن أشد المتفائلين يعتقد أنها ستنتهي وبهذه الوتيرة السريعة بهروب طاغية ظل الخيال التونسي عاجزا والى وقت قريب عن تخيٌُله خارج قصره الرئاسي المبني على جماجم ضحايا ممارسات نظامه التسلطية،والتى مثلت مرجعا للدكتاتوريات العربية،تنظر اليها بكثير إعجاب وإنبهار..،وترى فيها الطريقة المثلى لمعاقبة "المشاغبين" ممن تسول لهم أنفسهم الحلم بغد أفضل والخروج عن أدبيات "الزعيم" و"القائد الملهم الذى لم يجُد التاريخ بمثله قط.."



وكلى يقين أن "البوعزيزي" نفسه لم يكن يتصور أنه بإقدام على الإنتحار حرقا سيمثل القطرة التي أفاضت الكؤوس المترعة ظلما وجورا وقهرا..،فسرعان ما خرج "الشارع التونسي" عن بكرة أبيه "ليصنع التغيير" فأخذت الإحتجاجات تنتشر في كل ربوع تونس الخضراء مؤذنة بحلول عهد جديد..فعهد الطغيان والذلٌِ قد ولٌى ..،لكن "طاغية تونس" لم يعى الدرس فأخذه جبروته وكبريائه الى قمع المحتجين ووصفهم بأبشع الأوصاف (عصابات إجرامية،ملثمون مخربون...)،لم يدرى المسكين أنه بذلك يصب الزيت على نار مشتعلة أصلا،فبدل أن يتحرك عاجلا لإحتواء الموقف، أمر جحافل أمنه بصب سوط عذاب على المحتجين ،وأخذوا يتبارون في حصد أكبرعدد ممكن من الأرواح المدنية الشريفة وتقديمها قرابين لنظام على مشارف الغرق في بحر الدماء التونسية الزكية،والتي أبى "ثوار قرطاج" إلا أن يكتبوا بها أنشودة شاعرهم الخالدة في ذاكرة كل الأحرار حين تغني بالحرية ذات يوما قائلا :

إذا الشعب يوما أراد الحياة     فلا بد أن يستجيب القدر(...)

بعد أن طفح الكيل وسقط من الشهداء العشرات خرج "بن علي" في إحدى خرجاته الإعلامية المشؤومة متعهدا بتوفير مئات فرص العمل خلال السنوات المقبلة،وواعدا بتحسين الأوضاع المعيشية وفتح وسائل الإعلام أمام المواطنين وتعزيز الحريات الفردية والعامة ..محاولة منه في إمتصاص الغضب الشعبي ناسيا إن كان يعرف أصلا أن "المؤمن لا يلدغ في جحر مرتين".



ومع إستمرار غليان الشارع التونسي وسقوط المزيد من شهداء الزيتونة ..أطلٌ الدكتاتور من جديد وللمرة الأخيرة ليقول للشرفاء الثائرين على الظلم والحيف :"آن إفهمتكم..آن إفهمتكم.."، صحيح فهم أن الشعب التونسي لن "يرضى من الغنيمة بالأياب" ،وأنه سينتقم لشهدائه مهما كلف الثمن فماكينة الثورة بدأت تدور ولا يمكن أن تتوقف إلا بعد القضاء على نظام الطاغية ..وهذا ما جعله يعمل بمقتضى المثل الحساني القائل بأن "الهروب قبيح لكنه ينجى ".



غريب أمرك يا دكتاتور كنت توصف بالأمس من طرف أسيادك في "الأليزيه" بأنك نعم الحليف المطيع الذى يوجه عن بعد وبكبسة زر..،وأنك الرجل الناجح في الحد من ظاهرة "الإسلام السياسي" المتزايدة في المغرب العربي والتي تمثل كابوسا مزعجا للغرب،بإعتبار القوى الإسلامية هي من يحمل لواء الممانعة في العالم العربي مع غيرها من القوى الوطنية الحية الواقفة في وجه إستبداد الغرب وجشعه..، مسكين أنت يا"زعيم" ها هي فرنسا صديقة الأمس التي تفانيت في طاعتها العمياء تقلب لك ظهر المجن وترفض إستقبالك وتتبرأ من أقاربك في مشهد يحيل الى دكتاتور سابق.. أنه شاه إيران "الذى طغى في البلاد وأكثر فيها الفساد " وقع له مثل ما وقع لك أيام الثورة الإسلامية حيث صدت في وجهه أمريكا كل أبوابها بعد أن تفانى في تنفيذ مخططاتها .. فقذفت به أمواج الثورة أخيرا في "القاهرة"..بعد أن رفض الجميع إستقباله..والتاريخ مليئ بقصص لأمثالك ممن علوْ وأستعلوْ فإنتفضت عليهم شعوبهم ورمت بهم في مزابل التاريخ ..



على العموم ما حدث في تونس يمكن أن يحدث في أي بلد عربي لتشابه الواقع والأنظمة ..،وأعتقد أن إنتفاضة الشعب التونسي نجحت في توجيه رسالتين هامتين كُتبتا بدم الشرفاء :

·        الرسالة الأولى موجهة للشعوب العربية وفحوها أن الإستكانة للظلم الممارس عليها لا يمكن تدوم، وأنها بإنتفاضتها على جبروت حكامها لن تخسر إلا قيودها وأغلالها..،وأن حاجز الخوف الذى نجحت الأنظمة القمعية في جعله حائلا بينها والمطالبة بحقوقها يجب أن يزول ..فكفى "سيرا جنب الحائط" على لغة الأخوة الثوار ..وكفى إنتظارا لوعود وهمية يلجئ اليها النظام العربي كلما أحس بتذمر داخلي قد يتحول في لحظة ما الى إنتفاضة شعبية.



·        وتمثلت الرسالة الثانية في تحذير عاجل الى كل حاكم متسلط يركن الى رجال أمنه وحاشيته في سبيل ترسيخ دعائم حكمه مدى الحياة، ويتجاهل مطالب شعبه ..،والرسالة موجهة بصفة أخص الى الأنظمة العربية القمعية التي تعتمد الحديد والنار في تعاملها مع شعوبها وتمارس الظلم والتهميش في شتى ألوانه ..،وفي مقدمة هذه الدكتاتوريات "فرعون" مصر الجديد و"المعمر" الليبي الذى لم تفاجئنا تصريحاته التي يتباكى فيها على نظام "الزين" كما يلقبه ..، القذافي يعرف تمام المعرفة أن تحوٌُل تونس الجارة الى دولة ديمقراطية يعنى "إظهار الشمس" على واقع الممارسة السياسية في ليبيا، والذى يسيٌر وفق ترهات "الزعيم" وأفكاره الساذجة ..



على أي حال الشعب التونسي فعل ما عليه وإنتفض على جلاده وأبان عن عزة وشهامة أبهرت العدو قبل الصديق وجعلت سيد البيت الأبيض يشيد بشجاعته..،شجاعة وضعت كل حلفاء "الدكتاتور الهارب" أمام الواقع الجديد في تونس الحضراء وجعلتهم يتبرئون من صديق الأمس ..،وهي لعمري مسألة يجب أن يتوقف عندها الحكام العرب ألف مرة حتى يستوعبوا أن الإرتماء في أحضان أمريكا و فرنسا لا يكبح جماح غضب متعلم عاطل أوفقير جائع أومستضعف مظلوم ..،حتى لا يضطروا الى فهم شعوبهم تحت وقع ضربات "ثورة الجياع و المظلوميين" كما وقع لطاغية قرطاج.


رسائل من ثوار قرطاج

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox