تشويه تاريخ التصوف في بلاد شنقيط ح 4
الثلاثاء, 18 يناير 2011 18:43

يقول الشيخ الطيب بن عمر بعد أن عبر عن أسفه لنشر الشناقطة للطرق الصوفية في بلادهم وفي دول غرب إفريقيا: "وقد انتهت الطرق الصوفية بكثير من أصحابها إلى الانحراف عن النهج الإسلامي القويم ولا سيما الطريقة التيجانية التي تحمل في طياتها فلسفات أصحاب وحدة الوجود وأفكار الباطنية"(27).

 

وهذا حكم إنشائي يدخل في باب التعميم، وحكم الخصم على مخالفيه من غير سند علمي. ومن عرف طريق القوم ومنهجهم، وخاصة أهل الطريقة التيجانية عرف أنهم عكس ما ذهب إليه الشيخ الطيب. والحمد لله أن هذا ليس حكم الشيخ بداه بن البصيري ولا المرابط محمد سالم بن عدود رحمهما الله. نعم قد تكون هناك بعض المخالفات أو بعض المصطلحات التي قد تلتبس على من لا يفهم عبارات القوم، ومنهج أهل العلم في ذلك التحري والتثبت والتأويل، وحمل الكلام على أحسن ما يحتمل من المعاني، خيفة أن يصيب المرء قوم بجهالة، واحتياطا للدين؛ لأن النيل من المسلمين أمر عظيم عند الله (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا).

ويؤكد الشيخ الطيب تحامله هذا على الصوفية دون تمييز في معرض حديثه عن محمد المجيدري نافيا انتسابه للتصوف: "إن ادعاء بعض الصوفية على كمال الدين محمد المجيدري أنه أخذ عنه أمر لا غرابة فيه فالصوفية وبعض الفرق الأخرى المنتسبة للإسلام يحاولون دائما أن يكثروا من أعلامهم بنسبة شخصيات مهمة إلى طريقتهم، وإن كانت هذه الشخصيات في الحقيقة لا علاقة لها بتلك الطريقة" (28). هل يفهم من هذا الكلام أن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم والشيخ سيدي المختار الكنتي والشيخ محمد الحافظ والشيخ محمد فاضل والشيخ سيدي محمد بن امنى والشيخ القاضي والشيخ محمد المامي ومحمدن فال بن متالي ويحظيه بن عبد الودود وغيرهم، هل هؤلاء من "الفرق المنتسبة للإسلام"؟ وهل يحتاج هؤلاء إلى من يكثِّر طريقهم؟ حقا إن الانصاف عزيز! كنت أفضل أن يقتدي الشيخ الطيب وأمثاله من مشددي النكير على التصوف دون تمييز ببعض أئمة المدرسة السلفية، كالعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي الذي لم تخرجه "سلفيته" عن ميزان العدل: يقول الشيخ محمد الأمين: "قال مقيِّده عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا فى سورة (مريم) ما يدل على أن بعض الصوفية على حق ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها وراقبوها وعرفوا أحوالها وتكلموا على أحوال القلوب كلاما مفصلا كما هو معلوم كعبد الرحمن بن عطية أو ابن أحمد بن عطية أو ابن عسكر أعنى أبا سليمان الدارانى، وكعون بن عبد الله الذى كان يقال له حكيم الأمة، وأضرابهما وكسهل ابن عبد الله التسترى وأبى طالب المكى، وأبى عثمان النيسابورى ويحيي بن معاذ الرازى، والجنيد بن محمد , ومن سار على منوالهم لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهرا أو باطنا، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع, فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغى ولا يصح على إطلاقه, والميزان بين الحق والباطل فى ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن كان منهم متبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى أقواله وأفعاله وهديه وسمته كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء العاملين ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال, وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال"(29)، وقال مامون محمد أحمد في حكمه على التصوف: "لقد تعودنا على النفور من كلمة – الصوفية- لكثرة ما قيل عنها وفيها – من المثالب- فقول يجردها من الإسلام – وآخر يردها إلى مجوسية الهند وثالث ينسبها إلى اليونان إلى غير ذلك مما هو معروف... وبعد التأمل والدراسة وصلت إلى قناعة مفادها أن تجريد فن التصوف من أصله الإسلامي وإطلاق الكفر أو الزندقة على أهله جميعا باطل ولا يخلو من التعصب والعدوان. والحقيقة أن هذا الفن أو المسلك مذهب إسلامي هدفه في الأصل إصلاح القلوب وتخليصها من أمراضها ورعونتها"(30).
هل من سبيل للالتقاء ؟
القوم -كما يقول بعض السلف- انقسموا بين من يبحث عن الأصوب وبين من يبحث عن الأخلص، وهذا باب واسع للجمع بين التصوف والسلفية، فالسلفية يبذلون جهدهم في البحث عن الأصوب، والقوم (الصوفية) يرتكز منهجهم على الوصول إلى الأخلص من العمل. ولا تعارض بين الاثنين، فالإخلاص من غير صواب ناقص والصواب من غير إخلاص ليس صوابا. فنحن بحاجة أكثر إلى بيئة فكرية ناضجة تعطي للعقل مداه من غير تعد على النصوص ولا جمود بحجة مراعاة النص فلا تعارض ولا تناقض بين الاثنين. ونحن بحاجة إلى سلفية ناصحة غير ناطحة، كما أننا بحاجة إلى صوفية ملتزمة غير شاطحة. نريد سلفية علمية يستفيد التصوف من منهجها في تصحيح وانتقاء الأثر، كما نريد أن تستفيد السلفية من منهج الصوفية في رقائقهم وحسن ظنهم. كما أننا بحاجة إلى أن نكتب تاريخ التصوف في البلاد لنبين للأجيال الحالية والمستقبلية ما قدمه السلف من عطاء متميز نجني ثماره اليوم مع تصحيح وتصويب ما يتطلب ذلك بعيدا عن اختزال هذا التاريخ المشرق في أنه مجرد بدع وضلالات. نريد أن نقدم للأجيال الحالية والمستقبلية التصوف الذي لا يقتصر على التربية والسلوك الفرديين، بل التصوف الذي يقدم الحلول لمشاكل وقضايا المجتمع، مما أوجزه الشيخ عبد السلام ياسين -حفظه الله- في "العدل والإحسان".
ومع أهمية الانفتاح على كل المدارس الإسلامية إلا أن هذه البلاد قامت على التصوف ففيه غنى لها عما سواه من الأفكار الطارئة إن عاد الناس لما كان عليه القوم من اجتهاد في العلم وإبداع في الحياة الاجتماعية وحضور في الحياة السياسية فالموريتانيون كما يقول الشيخ حمدن بن التاه بحاجة إلى أن يستوردوا كل شيء إلا الإسلام ...
نريد أن يكون لنا من الشجاعة في الاجتهاد كما كان للسلف، كما دعا لذلك الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ولا نكتفي بمجرد التقليد الأعمى. ولنقل مع سماحة الشيخ عبد الله بن بيه: "أوجه دعوة للصوفية والفقهاء لتجديد هذا العلم بإيضاح فضائله، وتفصيل مسائله، ووضعه في صحيح إطاره وإظهار ما ألصق به"، مما ليس داخلا في حقيقته، ولا موافقا لطريقته. وبذلك تحيى القلوب وتشرق الأرواح، وفي ذلك حياة الدين، لأنه إحياء لعلوم الدين كما سماه شيخ التصوف الرياضي أبو حامد ، وأن تعقد ندوات لتجديد التصوف. وهذا التجديد المنشود يبدأ بإزالة الجفوة بين الفقه والتصوف فهما صنوان و"شقيقان في الدلالة على أحكام الله تعالى وحقوقه"، على حد عبارة سيدي أحمد زروق في القاعدة 20 من قواعد التصوف. فالتصوف حجة على الصوفي وليس الصوفي حجة على التصوف." (31)
قائمة المصادر والمراجع
1-الشيخ عبد الله بن بيه : التأصيل الشرعي للتصوف
2- محمد النظيفي : الدرة الخريدة شرح الياقوتة الفريدة ج 1 ص 183
3- المختار بن حامد: حياة موريتانيا الجزء الثاني الحياة الثقافية ص 92.
4- الخليل النحوي: بلاد شنقيط المنارة والرباط ص
5- حياة موريتانيا الجزء الثاني الحياة الثقافية ص 33 وما بعدها ..
6- حياة موريتانيا الجزء الثاني الحياة الثقافية ص 95
7- المنارة والرباط ص 121 وما بعدها
8- محمد أبو زهرة : تاريخ المذاهب الإسلامية ص 192
9- الدكتور مختار الغوث : مقابلة مع ملحق الرسالة – صحيفة المدينة فبراير 2010م
10- الدكتور محمد موسى الشريف : القدوات الكبار بين التعظيم والانبهار ص 130-129
11- الدكتور حماه الله ولد السالم : الإسلام السلفي: حكاية متجددة.
13 - الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين ص 128.
14- الطيب بن عمر بن الحسين : السلفية وأعلامها في موريتانيا ص 256
15- السلفية وأعلامها في موريتانيا ص 295- 297
16- الإسلام السلفي: حكاية متجددة
17- كلمة الشيخ اباه بن عبد الله في تأبين الشيخ سيديا باب
18- مقابلة الشيخ الددو مع المرصد قبل عدة سنوات.
19- حياة موريتانيا الجزء الثاني – الحياة الثقافية ص 95
20- المنارة والرباط ص 316
21- عبد الله مياره : لمحات من حياة العلامة محنض باب ولد عبيد.
22 - أبوميه بن ابياه: مفهوم الدولة للشيخ محمد المامي
23 - الدكتور أحمد ولد نافع : عن التصوف " المجاهد" في غرب افريقيا .. الحموية نموذجا
24- سيدي محمد ولد محفوظ : الشيخ سيدي محمد ولد امني أحد أقطاب التصوف في موريتانيا.
25- حياة الشيخ أحمد أبي المعالي.
26- المنارة والرباط ص 126
27- السلفية وأعلامها في موريتانيا "ص 133
28- السلفية وأعلامها في موريتانيا ص 278.
29- أضواء البيان الجزء الرابع ص 502
30- مقدمة فتح الودود شرح المقصور والممدود للشيخ سيدي المختار الكنتي – تحقيق مامون محمد أحمد.
31 – التأصيل الشرعي للتصوف
تشويه تاريخ التصوف في بلاد شنقيط ح 4

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox