| وصايا البوعزيزي |
| الأربعاء, 19 يناير 2011 13:26 |
|
ربما لم يخطر ببال الشاب التونسي البوعزيزي وهو يجر عربته فى صباح ذلك اليوم من صباحات تونس الخضراء أنه في طريقه ليكون واحدا من أشهر الشخصيات فى عالمنا الإسلامي المعاصر وأبلغها أثرا فى تاريخ أمة تئن منذ أكثر من نصف قرن تحت وطأة أحكام استبدادية، جعلتها اليوم تمثل نقطة استثناء معتمة في عالم سطعت فيه شمس الحرية والديمقراطية فى أركانه الأربع.
وسواء كان تصرف البوعزيزي نتيجة نوبة غضب عارمة اجتاحته عندما منعه عمال البلدية من بيع الخضار، أم كان تصرفا مدروسا وتعبيرا نضاليا مبتكرا لفك طريق أمام جيوش العاطلين أو المعطلين فقد أدخلت المنطقة كلها في مرحلة جديدة تحاول بقايا نظم الاستبداد في تونس وخارجها أن تحد منها لكن كل المؤشرات تؤكد أنها لن تستطيع فالعجلة انطلقت والشمعة اتقدت والشعوب أدركت أن الأنظمة التي ظلت تخيفها على مدى عقود ضعيفة وهشة وأكثر وهنا من بيت العنكبوت. إن التأثير الذى أوجدته وتوجده الثورة التونسية في وجدان الشعوب المسلمة اليوم أكبر مما يتخيل الحكام العرب المفزوعون ولن يكون بإمكان خطوات "التدفئة"، و"تثبيت الأسعار"، و"الامتناع عن استفزاز المواطنين"، و"فتح محلات سونمكس"، وزيادة ميزانيات دعم الأسعار أن يقف في وجهه؛ إنه تأثير مدوى على اللذين يجدون صعوبات في فهم كنهه، وتوقع مداه العودة إلى كتب التاريخ القريبة والبعيدة لمعرفة كيف أثرت ثورات مشابهة حصلت في فرنسا وإيران ودول أوروبا الشرقية، وعلى هؤلاء الحكام أن يرتبوا جيدا طريقة هروبهم " بشكل آمن" قبل أن يجد كل واحد منهم نفسه تائها فى الفضاء يبحث عن دولة " كريمة" تستضيفه وتوفر لزوجته وحاشيته مكانا يكنزون فيه ما كدسوه من ثروات شعوبهم على مدى عقود. لقد قدم التونسيون الأحرار بثورتهم المباركة رافعة أساسية للأمة، وسيكتب التاريخ لاحقا أن تأثير ثوراتهم على مجهودات معارضة الاستبداد لاتقل أهمية عن تأثير الثورة الجزائرية على مقاومة الاستعمار أو الاحتلال، أو تأثير انتصار حزب الله على الكيان الصهيوني على المقاومة الفلسطينية.. إنه تأثير هائل قادم، وإن كان من الواضح أن الكثيرين لم يقدروه حق قدره بعد بما فيهم بعض قادة المعارضة المستعجلين في تونس ممن قبل " بعث الحياة" في بعض الأجزاء العفنة من نظام " الرئيس الفار" ونتيجة الأهمية الاستراتيجية للثورة التونسية المباركة فإنها تستحق علينا جميعا أن نسهم فى حمايتها من الجبناء المتسابقين لسرقتها، ونتعامل معها على أساس أنها مكسب أساسي للأمة تماما مثلما نتعامل مع المقاومة فى فلسطين والعراق باعتبارها مقاومة باسم الأمة كلها ومقاومة عن الأمة كلها، وتأسيسا على ذلك فمن حقها علينا أن ندعمها بخطوات أساسية على امتداد عالمنا الإسلامي وفي هذه البقعة المسماة أرض العرب بصفة خاصة باعتباره تمثل " الحصن الأخير" للأنظمة الفردية المستبدة؛ ملكية، وجمهورية وجمهلكية، وعسكرية صارخة أو مقنعة، ومن أهم هذه الخطوات - إعادة الاعتبار لفكر الثورة والعصيان المدني والتضحيات من أجل الحرية،وخاصة لدى الحركات الإسلامية الوسطية التي تعلق عليها الشعوب المسلمة الكثير من الآمال في انجاز ما لم تحققه حركات وتيارات أخرى لكنها مع الأسف أخذ تتسابق منذ سنوات فى التنظير لفكر سياسي محدود السقف، مقلم الأظافر مستعد فى الكثير من الحالات لأن يرضى من الغنيمة بالإياب. إنه من الأخطاء القاتلة التي تقع فيها اليوم العديد من الحركات الإسلامية أنها باتت تتبنى خط مهادنة الأنظمة القائمة الفاسدة المستبدة بطريقة شبيهة بالطريقة التي يتبنى بها الحكام العرب السلام كخيار استراتيجي رغم كل الصفعات التي توجهها لهم الحكومات الصهيونية المتعاقبة يوما بعد يوم. وكما ينتهي سقف " العرب الرسميين " الأعلى بالشكاية لدى الراعي الأمريكي ينتهى السقف الأعلى اليوم لدى العديد من الحركات الإسلامية عند الشكاية للملك والأمير أو الرئيس، متغافلين كما يتغافل حكامهم عن حقيقة أن الرؤساء والملوك والأمراء وأشباهمم هم أساس البلاء، وهم جزء من المشكل وليسوا جزء من الحل. لقد حان الوقت لكي تتجاوز هذه الحركات عقدة الخوف من الاتهام بالعنف، وتنخرط في حركات احتجاجية قوية، توظف ما فى الشارع من غضب – وهو كثير – لإرغام هؤلاء الحكام الظالمين على" فهم" ما تعانيه شعوبهم ومن ثم أخذ حقائبهم وما يتيسر من مدخراتهم والرحيل بعيدا لإفساح المجال أمام إقامة دول العدل في أوطاننا. - تجاوز الحواجز الثانوية التى تفرق قوى الأمة الحية على أسس إيديولوجية والإنخراط في حلف فضول يرفع شعارا واحدا هو شعار الحرية أولا، ويبحث فى المشتركات – وما أوفرها – عن أرضية تضمن تكاتف الجهود لاقتلاع الاستبداد من جذوره وقطع الطريق أمام سياسات الاستقواء بهذا الفريق الإيديولوجي لضرب هذا الطرف أو ذاك. إن التناقض الأساسي بين قوى التحديث في عالمنا الإسلامي بمختلف مرجعياتها هومع الأنظمة المستبدة التي تقف حجر عثرة أمام تحرير ميدان عملنا جميعا ألا وهو الدولة، وهذه حقيقة يتعين علينا جميعا أن ندركها إن كنا نحلم أن يكون لنا شرف التسجيل في قوائم محرري أوطاننا من القهر والاستبداد تلك القوائم التي فتحت في تونس هذه الأيام وسبق لها أن فتحت في أوطان أخرى عديدة ويتشوق الجميع لأن تكون على وشك الفتح فى أوطان أخرى كثيرة. - وغير بعيد من الخطوة السابقة لابد من إيلاء مسألة " الوحدة الداخلية" للأمة ما تستحق من اهتمام فقد أضعنا ما يكفى من الوقت في توفير أسباب التمزق، وتعليق إخفاقاتنا القاتلة على مشجب التدخل الأجنبي والقوى الإمبريالية والصهيونية، مع أن الحقيقة الواضحة هي أن هذه القوى الشريرة " تسللت بالفعل كالنمل من جراحنا"، وأنا هنا لا أتحدث عن مسؤولية الحكام فتلك دائرة ميؤوس منها بالنسبة لي لكني أتحدث عن القوى الديمقراطية؛ إسلامية وعلمانية فما يزال العديد منها متلبسا بنظرات عرقية وفئوية إقصائية واستعلائية تفت من عضد الأمة وتوفر أفضل الظروف لثنائي الاحتلال والاستبداد للإطباق على أمتنا العظيمة التى تستحق بكل تأكيد آفاق تناوب أرحب وأفضل وأرحم من هذا الثنائي البغيض. .. رحمك الله يا بوعزيزي فإنك تستحق فعلا كما قال شيخ المجددين والثوار الشيخ يوسف القرضاوي أن نستغفر لك جميعا ونشفع لك جميعا وتتضرع إلى الله جميعا أن يرحمك فلقد أحييت بردة فعلك الغاضبة أمة ، وأدخلت الرعب إلى قلوب حكام متسلطين كانو يعتقدون أن هذه الأمة العظيمة ملك لهم.. فليرحمك الله أيها الفتى الحر، وليعن الأمة على السير على درب الثوار التونسيين حتى تتحرر كل الأوطان الإسلامية من الحكام المتكلسين، المستبدين المجرمين. |
