|

بقلم:تربة بنت عمَّار*
إنني وبكل فخر أسطر هنا حروفا أراها من الناحية الموضوعية تحتل حيزا كبيرا وللأمانة العليمة هي أنسب لمعالجة موضوع كهذا، فأقول بكل استغراب بعيدا عن التزلف والنفاق بأي منطق علمي أو موضوعي ينطلق "الأخ" "المختار بن القاسم" في كتابة مقاله الذي نشر في موقع السراج الإخباري بتاريخ 18/01/2011 بعنوان "القذافي الشيطان الواعظ"، وانطلق فيه كاتب تلك السطور الركيكة المعنى الضعيفة المبنى في الهجوم على شخص القذافي واصفا إياه بكل الأوصاف التي لا تليق بمن هو دونه من باب أولى رجل الأمتين الذي لم يكن يوما رئيسا لدولة أو قائدا لثورة شعب يطمح لقيادته فحسب، بل ظل مفكرا لهذه الأمة وقائدا لها نحو الإصلاح ورمزا لعزتها وكرامتها وفيلسوف للصمود والتضحية.
إنني عندما أخذت القلم لأرد على هذا المقال التافه بحثت عن شيئين حصلت على أحدهما وافتقدت للآخر، بحثت عن الحيادية فوجدتها، فأنا أكتب بمحض إرادتي لم أسكن يوما الجماهرية الليبية ولم أنضم لصفوف اللجان الثورية، ولا حزب الديمقراطية المباشرة إلا أنني إنسانة عربية مسلمة، أتعلق بسبل النجاة من غرق طوفان الإمبريالية الصهيونية فكانت السفينة التي لا شك ستوصلنا لبر الأمان القائد الذي يصدع بكلمة الحق أمام أعتى قوى العالم في سبيل إنقاذنا، إلى الذي حمل هم الفقراء والمحرمين، إنه رجل الأمة العربية والأمة الإسلامية الذي شيد المساجد وفتح المراكز الثقافية للتعريف بلغة القرآن أنار قلوبا عشعش فيها شيطان الوثنية وأحرق طغيان الكفر والجهل بفكره الدعوي وفلسفته الإصلاحية، شيد برجا للإسلام واللغة العربية أضاء بهما أضغالا كانت مظلمة وأزاح بهما ستارا كثيفا من الوثنية.
ففي كل سنة يزداد الإسلام بمئات الأشخاص العائدين من حلكة الوثنية أو فلول الديانات المحرفة... ويظل الطود شامخا وقلعة عزتنا صامدة فكيف نتجاهل أو نهاجم وبأي منطق ننتقد؟!. أما الشيء الثاني الذي افتقدته فهو طعم الندية فالكاتب لاشك ليس ندا لي وبذلك افتقرت لنكهة الندية، فحبذا لو كان من كتابنا الذين عرفناهم في ساحتنا الثقافية أو مع من سبق وزاحمنا بقلمه في ميدان الكتابة، إلا أن ذلك مستبعد، فالمجتمع الموريتاني في وجدانه اللاشعوري وذهنيته الجمعية وبذخيرة خلفيته الحضارية يكن احترما وتقديرا للزعيم معمر القذافي، ففي كل بيت منا نسخة من الكتاب الأخضر، فتأثرنا كمجتمع عربي بذاك الفكر الإصلاحي والمنهج التربوي للأسرة والمجتمع والدولة، والعلاقة بين الأطراف الثلاثة، وكل ذلك من أجل أمتنا وهويتنا... فكان الكتاب الأخضر سجلا مترعا من معاني "الكرامة، الحرية، التضحية".
فنخبتنا السياسية والثقافية بايعت القائد وعامة شعبنا تكن له التقدير والاحترام، فهو جزء منا ورمز خالد في اللاوعي لدينا، وكل من يهاجمه أو يصفه بأشياء لا تليق فذلك نشاز علينا ولا يمثل حتى نفسه. إنني أحترم اختيار الشعب التونسي وأقدر له قيمة ما قام به، ومع ذلك أحسست بشعور صادق وأنا أقف على عتبة بين مرحلتين فاصلتين من التاريخ السياسي لتونس عندما وجه الزعيم معر القذافي خطابه بالمناسبة وكان هو الآخر صادقا مع الشعب التونسي ومشفق أمين عندما قدم الدعم المادي والمعنوي بفتح الحدود للشباب التونسي لامتصاص البطالة وتوفير الشغل... وما قام به القائد يعتبر الفريد من نوعه عالميا اتجاه الشعب التونسي في فترته المفصلية هذه.
إن كاتب هذا المقال الرخيص التافه والذي ينم عن مستوى جد سطحي يعتمد على مصطلاحات إعلامية ركيكة اعتبر في إحدى سقطاته أن القذافي يسبح ضد التيار دائما، وبالإجابة على هذه النقطة أود فقط أن أوجه جملة أسئلة والجواب فيها واضح لا لبس فيه فهل القائد معمر القذافي سبح ضد التيار عندما شيد المساجد في أدغال إفريقيا ورفع المآذن في أصقاع العالم الإسلامي وأسس أكبر جامعة لحفظ القرآن الكريم؟.
وهل سبح ضد التيار عندما أعطى للغة العربية مناعة وفرض على القادمين للجماهيرية العظمى سواء كانوا دبلوماسيين أو سواح أو بعثات علمية بأن تكون بياناتهم وأوراقهم الثبوتية مكتوبة باللغة العربية؟. هل عندما مد يد العون لفقراء الأمة الإسلامية والعربية للإقامة والشغل وأصبحت بذلك ليبيا مأوى للعاطلين من بلدانهم بما في ذلك موريتانيا سبح ضد التيار، تيار ما ذا؟. طبعا سبح ضد تيار أمريكا وإسرائيل ووجه وجهته عكس ما يريدون، فالقضية الفلسطينية من أهم أولياته، وكذلك القضايا العربية والإسلامية.
أما النقطة الثانية من السقطات أو التفاهات فهي اعتباره أن القائد ثالث حلقة بعد زين العابدين وحسن مبارك، فكم كنت متزلفا حقودا!، فلا قاسم مشترك بين القائد والحلقتين الأخريين، فعندما أغلق حسن مبارك المعابر في وجه الجياع والثكالى والأيتام من أبناء غزة، فتح القذافي الحدود في وجه هذا الصنف من أبناء الأمة العربية والإسلامية، أما زين العابدين عندما أغلق أبواب بيوت الله أمام المصلين شيد القذافي وفتح أبواب بيوت للعبادة أمام أفواج الداخلين في الإسلام بفضل جهوده الدعوية.
وفي الختام أنا ما زلت أستغرب تلك الجرأة التي امتكلها كاتب هذه الكلمات، فإذا كان قومي عربي تجري الدماء العربية في عروقه فعلى ما يهاجم القذافي، صاحب المواقف العربية والقومية الصارخة، أما إذا كان إسلامي فالدور الذي يقوم به الزعيم الليبي من أجل إعلاء كلمة الله، عجز الآخرون عن الإتيان به، أما إذا كان إفريقي فللقذافي ديْن في أعناق الأفارقة لا يهون تسديده. أما إذا كان موريتاني فالأمر أغرب فتاريخ دولتنا الفتية شاهد على ما قدمه الزعيم الليبي للشعب الموريتاني منذ أيام النشأة الأولى، ومرحلة تأميم شركة اسنيم، وإنشاء العملة الوطنية، وإنشاء المدارس ذات الدور التربوي ذو العمق الحضاري، فنصف قرن دولتنا مترع بدعم الزعيم الليبي المادي والمعنوي وحتى النفسي، وإذا كانت ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم قد دخلت عقدها الخامس كما استكثر الكاتب ذلك فإن أعمار الثورات لا تقدر بالعقود، فهذه الفترة التي أشار إليها الكاتب ببنان جهله فهي الفترة التي ميزت ثورة الفاتح بطابعها القومي والإسلامي حيث أصبحت رمزا للتضحية والنضال، والدعم الدائم للشعوب العربية الإسلامية والقضايا العادلة في عموم العالم. وأخيرا أنا أعتقد أن كاتب هذه التفاهات لا يزيد على كونه شخصا مجهولا اتخذ اسما ـ ربما ـ مستعارا لا وجود له ضمن كتابنا ولا صحافتنا ولا شيء فينا.
*أستاذة التاريخ الإسلامي بجامعة نواكشوط baamar@yahoo.fr
|