ما خلق الله الشعوب عبثا
الثلاثاء, 25 يناير 2011 13:34

بقلم محمد فال ولد عبداللطيف

ما خلق الله شيئا عبثا ، وما خلق الشعوب عبثا ، بل خلقها سبحانه ـ لحكمة بالغة ـ جهلها من جهلها وعلمها من علمها ، فإن مما علمنا منها ما ذكره الله في كتابه من أنها خلقت للتعارف ولحمل الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها  وأشفقن منها .

 

 

ومع  ذلك فإن للشعوب من غير هذه الفوائد فوائد أخرى ، أمس بالأرض  نذكر منها الآن ما سمح به الوقت .

فأول هذه الفوائد  أن الشعوب هي أهم مقومات الدول فلا يمكن أن توجد دولة بلا شعب ، ولو أنها وجدت لكانت أسعد دولة في الكون ، ولم نسمع قط بدولة لا شعب لها إلا ما ذكره الكاتب الفرنسي أنطوان سينت اكشبري في قصته المشهورة "الأمير الصغير" إذ ذكر فيها أن ذلك الأمير مر في تطوافه بين الكواكب بكوكب يسكنه ملك منفرد يسكنه ملك منفرد لا رعية له وأنه فور ما أبصر الملك الصغير صاح "ها قد جاء آخر رعيتنا" ولشدة ارتباط مفهوم الدولة بمفهوم الأمة ـ وهي الشعب ـ نشأ في أوائل القرن التاسع عشر مفهوم جديد هو مفهوم الدولة الأمة  ، ولا يزال هذا المفهوم مغروسا في جميع الدول قائما وقاعدا تطارده مفاهيم الأممية والعولمة فيظل في وجهها صامدا صابرا .

 

ومن فوائد الشعوب كذلك أنها هي العلة الغائبة والأرضية المؤسسة لجميع السياسات المنفذة على أديم الأرض  منذ قيام التاريخ إلى يومنا هذا ، فباسم الشعوب توضع السياسات وباسمها تنفذ ، فكثرى شيرويه قتل أباه أبرويز  باسم شعب فارس وفرعون مصر إنما اضطهد كليم الله لأن كليم الله في زعمه ـ أراد أن يبدل دين شعوب مصر ويظهر في الأرض فسادا ـ والحملات الإستعمارية إنما جاءت ـ رسميا ـ لتنقذ الشعوب "المتخلفة"  من دركات التخلف وتلحقها بالركب المتحر ، وتبدلها من حضارتها الهمجية البدائية حضارة نيرة جديدة عصرية ...

ومن فوائد الشعوب أيضا أنها منها قد ينبع العالم والفيلسوف  والمبدع  فيحكم على ذلك الشعب كله بأنه شعب عبقري ذكي فيسر بذلك على ما في ذلك الشعب من البلادة والجهالة والفسولة والرعونة..

ومن فوائد الشعوب ـ وماهي بأدناها ـ أنها مشجب تعلق عليه الطموحات الفردية ، والمطامع الأنانية ، فتحور تلك المطامع والطموحات على أنها تطلعات الشعب الحقيقية ورغبته العميقة ، وأن ما سواها ديماغوجية وأكاذيب سياسية يكذبها شاهد الحس والعيان.

من فوائد الشعوب أنها خلقت معصومة ، ولو كانت جاهلة لا تعرف الكوع من البوع لا تخطئ ولا تضل ، ولا تزيل ولا تطلب حراما ولا ترغب في محال ، ولا تبالغ في طلب حق هو لها.

من أهم فوائد الشعوب أنها إذا أرادت الحياة  فغالبا ما يستجيب لها القدر ، فينكسر القيد وينجلي اليل  على حد تعبير الشاعر الشاب الشابي رحمه الله ، وهو قول صدقته الأيام والأحداث  ، وقديما قيل إن للشعراء عيونا ينظرون بها الغيب من وراء ستر رقيق.

ومن منافع الشعوب في الحقل الدبلوماسي أنها تكون ملجأ  آمنا في تحديد المواقف السياسية  ، في حالة حدوث اضطرابات سياسية لا يدرى فيها الغالب من المغلوب بادئ ذي بدء ، فتصدر بيانات صحفية وتصريحات رسمية "بأنا مع الشعب الفلاني الصديق ونحترم اختياراته ونحيي شجاعته .."

حتى إذا تخلصت قابية من قوب ، وعرف الغالب من المغلوب فيومئذ لا أخوة ولا شعوب ، بل هنيئا لكي اغلب وتبا لك يا مغلوب .. أما الشعوب فلتذهب مقبوحة مشقوحة .. إلى لعنة الله فقد انتهى دورها في هذه إلى أن تأتي أخرى مثلها.

ولا تنس أن من فوائد الشعوب أنها تكمن فيها معجزات ، تذل الجبابرة وتزيح الطواغيت ، تكمن فيها تلك المعجزات كمون الناس في الحجر يراه الرائي صلدا أحمر لا يسمع ولا يبصر ، حتى أوراه زناد  المحن ، وتراكم النقم انفجر بالنار انفجار البركان  يسمع ويبصر ، فتنكس الأعلام وتكسر الأصنام وعلى رأسها اللات والعزى  ومناة الثالثة الأخرى .

ومن فوائد الشعوب أنها على سذاجتها تعلم المفسد من المصلح ، ولا ينطلي عليها زيف ولا يجوز عليها بهرج ، وقد تصفق وترقص ولكن رقصها لا ينفع إلا ساعة الرخاء ، أما في وقت الشدة فلا يغنيان شيئا..

ومن فوائد الشعوب ـ أخيراـ أنها لا تضل ولكنها تنسى : لا تضل عن الحق والصواب  أبدا لأنها تدركها بالغريزة والحدس ، والغريزة والحدس لا يخطئان  عكس العقل  والرؤية .. وهي تنسى  سريعا وعسى أن يكون ذلك خير فالنسيان من نعم الله كما يقال .

تنسى من أحسن إليها أو ضحى في سبيلها ، ولذلك لا يخدمها على الحقيقة إلا من لايريد على سعيه جزاء ولا شكورا ، حتى إن بعضهم شبهها في تعاملها مع من أحسن إليها ، بالكلب العقور ، إنه لا يفرق بين اللص ورئيس جمعية الرفق بالكلاب . الكل ينبح والكل يعض..

فهل علمت ـ بعد ما سمعت ـ أن الشعوب لم تخلق عبثا وأن ذلك هو السر في شعفها وفي قوتها معا وتبارك الله أحسن الخالقين.

المصدر : جريدة الشعب

 

ما خلق الله الشعوب عبثا

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox