| الذاكرة المشتعلة |
| الثلاثاء, 25 يناير 2011 16:42 |
|
أحمد ولد الدوة أتعس اللحظات أن تعيش بين ذاكرتين أولاهما عشتها بحواسك وكنت شاهدا مطلعا على أدق تفاصيلها ، وأخرى يحاول البعض تسويقها لك انطلاقا من مصلحته هو لا أنت ..مرد هذا الحديث تلك المقارنة التي لم تراعي الفارق الشاسع بين تجربتنا النضالية السلمية؛ وبين الأحداث الجارية في تونس والتي أسماها البعض ثورة الياسمين .. ثورتنا التي بدأت منذ تزوير أول انتخابات رئاسية مطلع التسعينات وما تلاها من أحداث شارك فيها المجتمع بكل مكوناته : طلابا ، معلمين ،أساتذة ، نقابات ، أحزابا ، أئمة وعلماء .. تلك التجربة التي دفع أغلب الشعب ثمنها سجنا ونفيا وتضييقا بل قتلا ومع ذلك ظل الشعب محافظا على مطالبته بالتغيير السلمي بعيدا كل البعد عن الانجرار وراء مصالح ومطامع خارجية تسعى إلى خلق جو من الفوضى وغياب السلطة القادرة على إدارة شؤون البلاد ورعاية مصالح الشعب حتى يتسنى لها التدخل باسم إرساء الديمقراطية وتكريس العدالة الاجتماعية والحقيقة أنها تهدف إلى استنزاف خيرات البلاد والعبث بوحدة شعبها وتماسكه.. إن ثمن نضالنا السلمي الذي دفعه شعبنا ضد نظام جثم على الصدور والأنفاس فترة مقاربة لفترة نظام تونس الهارب غير مأسوف عليه لم يكن رخيصا إلا أن حكمة مناضلينا وصبرهم على مصارعة ذلك الطاغية بصدور عارية إلاّ من الإيمان واليقين بأن حقا وراءه طالب يستحيل ضياعه ففي أحلك ظروفه نادى مناديهم "كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة " إلى أن جاءت لحظة الحسم ساعة اقتنع قادة جيشنا أن هذا الشعب صبر بما يكفيه على ظلم واستبداد ذلك النظام وأن التدخل لإنقاذ البلاد وساكنتها هو واجبه فبدأ التخطيط لذلك وأنجز التغيير دون أن تسال قطرة دم .. من حق كل الشعوب أن تناضل بالطريقة التي تراها مناسبة في سبيل حريتها ورغد عيشها كما أنه من حقنا أن ندافع عن أسلوب نضالنا .. كل الشعوب تحب أوطانها وكل الشعوب تحارب في سبيلها إذا اقتضى الأمر ، الشهداء يسقطون من أجل قضاياهم العادلة في كل مكان ، السجون والمعتقلات مكتظة بمناضلي العالم الثالث والعالم العربي في طليعتها وهانحن بعد التغيير نفخر بأننا لسنا جزءا من ذلك الكل فسجوننا خالية من أي سجين رأي وبلاد الآخرين لا تأوي أي مناضل من شعبنا لأن حرية الرأي والتعبير مشاعة عندنا ، لقد عانينا وقدمنا تضحيات بلا حد ومستعدون لتقديم المزيد إن دعت الضرورة؛ لكن لن يفرض علينا أحدٌ أيّا كان طريقة معينة للنضال؛ ليس لأننا أفضل ولا أسوء من الآخرين، بلادنا جميلة وكذلك بلدان الآخرين، علاقة الناس بأوطانهم وما تربوا عليه هي التي تصنع الفروق فإذا كانت تلك العلاقة غير مقيدة بدين ولا بمبادئ تأثرت بذلك صورة الوطن . ذَكَرٌ حتى لا أقول "رجل" لم أقبل شخصيا ــ ولا ضير في مخالفتي ــ أن نعيد مع فعلته اجترار تلك الأغاني والأناشيد الممجددة والمخلدة لشخصه حتى لا يتحول مع الزمن إلى قدوة لشبابنا؛ خاصة في ظل التطبيل والإطراء المضللين الذَين أعقبا فعلته التي أقل ما توصف به أنها فعل لاإنساني .. إنه زمن عجيب حقا اختلفت فيه المقاييس وأصبحت فيه الشعوب تساق إلى حتوفها بعصا غليظة أنتجتها آلة إعلامية مزيفة للحقائق .. نعم حدث أن كنا يوما شعوبا تتقن قراءة الواقع بكل سخرية، فكيف فقدنا الرغبة في الضحك والسخرية، وكيف أصبحت لنا تلك الوجوه المغلقة .. والطباع العدائية، والملابس المشتعلة التي لم تكن يوما أزياءنا؟أصبحنا غرباء عن أنفسنا ، وعن بعضنا بعضا، غرباء إلى حد الاحتراق .. ثم ما فائدة إسقاط نظام إذا كانت البلاد بعده ستدخل في دوامة من الفوضى وغياب من يرعى مصالح المواطنين .. كنت أتأمل الحال مع كل مشهد تراه العين وكل كلمة تسمعها الأذن عن أحداث تونس التي كانت يوما خضراء كان المسكوت عنه الذي يدور في الأذهان قاسيا ، والمكتوم يمعن في التواري ليفسح المجال للفرح المعلن ؛ وكانت اللحظة في النهاية لحظة فرح لا بسبب احتراقه بل لرحيل بن علي بعد معاوية ومن المؤكد أن في قطار الراحلين متسع للآخرين |
