حقائق حول القضاء
الأربعاء, 26 يناير 2011 07:15

 

يقلم ذ/ الشيخ المبارك ولد احمدو سالم متخصص في الشؤون القانونية والقضائية

طالعني منذ أسبوع علي صفحات السراج الالكترونية بأقلام خجولة مقالا أو أكثر حول العدالة وبعناوين متقاربة إن لم يكن مصدرها واحد  , وقد تأملت دقة في ما كتب باحثا كأي مطالع عن حبر متجرد من الذات يشخص العدالة بآمالها و آلامها وبدا أن ذالك البحث انتهي إلي حقيقة أنما  كتب كان بيد واحدة انبري صاحبها للرد علي نفسه لان ما كتب ظل نشازا في وحل التخبط والارتباك الناجمين عن كشف أستار ما يدور في خلد ساكني البروج العاجية في قمة قصر العدالة .

 

ومعلوم أن الأقلام لا تتعدد وجهات نظرها إذا تناولت موضوع القضاء في بلدنا و حتى الذين ذهبوا بعيدا وجسدوا أفكارهم في شكل أكثر تعبيرا لم يختلفوا حول واقع التردي الذي تعيشه مؤسسة القضاء ولنا في كتاب مباحث في سبيل العدل اكبر العزاء فلو كانت نية القائمين اليوم علي مؤسسة القضاء تنصرف فعلا إلي الإصلاح لستناروا بهذا المرجع القيم علي اقل من باب وشهد ...

وانه لمن المؤسف حقا أن نظل والحالة هذه نقبل المغالطات في أمور لم تعد خافية علي القاصي أحري  الداني ولهذا أجد نفسي مضطرا للحديث عن القضاء وحتى لا أكون مغردا من داخل السرب أو فوق العش مكلوما أو نشوانا .

أبدا بتثمين إرادة الإصلاح الفريدة والنادرة لرئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز إذ لا يخفي منذو بواكير وصوله إلي السلطة رغبته في أن يري موريتانيا تنعم بثوب قشيب من العدالة والإنصاف وهو لذالك لا ولن يدخر جهدا لتحقيق هذا الهدف السامي فكان أول خطواته تولي القضاة إدارة القضاء بحكم كونهم ادري بتلك الشعاب واقدر علي نكران الذات والتجرد مدعومين بإرادة رئيس الجمهورية لتوزيع العدالة وفرض احترام القانون لان ذالك يشكل ضمانة أكيدة لاستمرار دولة القانون .

لقد بدا جليا أن الهدف الذي أراد  رئيس الجمهورية الوصول إليه لم يسايره نضج في العقلية القضائية التي يفترض فيها الكثير من الاستقلالية والإحساس بعمق المسؤولية ونبل الهدف فقد بدت تلك العقلية كالخارجة من رحم التزلف والمحاباة والاصطفاف المناقض لقيم القاضي ونبل رسالته ’ فكان المجلس الأعلي  للقضاء في دورته قبل الأخيرة ترجمة واقعية

 

لذالك فاخرج من المؤسسة القضائية أكثر من 70 قاضيا بجرة قلم أو وشاية لسان ولان مضامين الاصطفاف لم تكن مقنعة لرئيس الجمهورية اتهم يومها القضاة بالفساد وعدم القدرة علي مواكبة الإصلاح وهو أمر صادف إذ ذاك هوي في نفس الرئيس لأنه يقود حربا لا هوادة فيها علي الفساد والمفسدين فكان لأولئك ما أرادوا فعطل عمل من كان القضاء في أمس الحاجة إليهم عطاءا وصرامة وبدت المؤسسة القضائية بعد ذالك شاحبة مهترئة تعمل بأقل من نصف طاقتها وكثرت بذالك ظاهرت الانابات في المحاكم وأصيب السلم القضائي في الصميم وأصبح المجلس الاعلي للقضاء الذي أريد له أن يساعد رئيس الجمهورية في ضمان استقلالية القضاء (المادة 47 من القانون رقم 94/012 المتضمن للنظام الأساسي للقضاء ) أداة طيعة في يد آخرين يمررون إرادتهم من خلاله  ظانين خطأ أن رئيس الجمهورية لا يزال يفكر بعقلية العسكري البعيد عن أن يدرك أن التوقف عن العمل الذي انصب علي قضاة الوزارة – كما يحلو للبعض تسميتهم – يجب أن يكون مسببا باحدي الحالات الواردة في المادة 58 من نفس القانون وهي الوفاة والاستقالة والتقاعد والفصل , والحقيقة أن رئيس الجمهورية استحي وهو يشاهد قمة القضاء تعبث بأوصاله ونخبة القضاء تتلذذ بتمزيقه , فأمهلها حتى حين كالظلم الله يمهله حتى إذا أدركه لم يفلته .

وبين هذا وذالك التئم مجلس قضائي أخر فكانت الحقيقة اقوي من أن تحجبها الظلامية  بل إن الظلامية بدت هرمة مفككة الأوصال وهي تحتضر مدبرة أيامها وشمسها التي ما سطعت يوما آلت ألي الأفول وسط تضائل الآمال حول قدرتها علي الإصلاح القضائي المنشود .

وهنا استوقف القاري الكريم إلي أن التقرير الحكومي الصادر سنة 2005 حول أوضاع القضاء خلص إلي نتائج بالغة الخطورة ورغم أن الكثيرين لم يوفقوا في الوقوف علي هذا التقرير الهام إلا أن حالة المؤسسة القضائية اليوم تترجم بجلاء جميع استنتاجات ذالك التقرير ففي الاستنتاج رقم 8 مثلا حدد التقرير ما تعانيه المؤسسة القضائية في خمسة أبعاد وهي :

أزمة الثقة :  فلم يعد المتقاضي يثق في نزاهة القضاء وحياده .

أزمة سلطة : فالقرارات القضائية نادرا ما تنفذ نظرا لمقاومة المتقاضين لها واستخدامهم الواسع للنفوذ .

أزمة المصداقية : فقد زاد ذالك من الشعور بان القضاء تحكمي في قراراته وهنا يأتي استخدام الدور الرقابي للمحكمة العليا التي ألزمت جميع القضاة مهما كانت درجات محاكمهم بإرسال نسخ من الأحكام التي يصدرونها وهنا أتذكر تعقيبا أمام المحكمة العليا في ملف لا يزال منشورا أمام محكمة الاستئناف .

وأزمة إمكانيات

أزمة كفاءات فالقطاع رغم استغناءه عن خدمات 70 قاضيا ظل يعاني من نقص شديد في الكادر البشري دفع القائمين عليه يوما إلي تعزيزه من خلال الإعارة من القطاعات الأخرى  , واليوم يصل ذالك النقص إلي درجة إلغاء بعض الجلسات وهو أمر لا يخفي ماله من اثر سلبي علي حسن سير العدالة .

إن مختلف الاختلالات التي استعرضها ذالك التقرير عادت اليوم تتفاعل بقوة وشدة وبدت المؤسسة القضائية خالية إلا من قاض عرف الحق فضي بخلافه فمعلوم أن بعض القضاة اليوم يصدر قراراتهم من اجل منفعة معينة من احد الطرفين أو إرضاء لوجيه او صديق وزاد من ذالك أن أصبحت قرارات محاكم الاستئناف والمحكمة العليا تداولية فقد أصبح يتردد أن بعض المستشارين يقايض صوته شغارا , وبحكم العلاقات المتشابكة فلن يعدم طرف ظهيرا كلما اتسع عدد المستشارين .

لا أريد أن  ارسم صورة قاتمة لما يحدث في مؤسستنا القضائية بقدر  ما احدد ما أمكن حصره من فاضح الاختلالات لعل القائمين علي هذه المؤسسة تدفعهم غيرتهم علي بلدهم ألي إشهار إفلاسهم قبل فوات الأوان .

إن خطرا محدقا بات يترصد هذا المرفق الحيوي في قضاء الناس ولجوئهم إليه وأكثر من ذالك بات تدخل رئيس الجمهورية أمرا حتميا بعد أن سقط القناع و تأكد أن الزبد يذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

أما تمرير المقالات وكيل الاتهامات والاتهامات المضادة والوشاية والمحاباة وتصفية الحسابات ولوعلي حساب المصلحة العامة وتسييس القطاع بين معارضة مفترضة وموالاة حقيقية وطغيان النزعة الانفرادية وتدجين القضاة وتسمية أشخاصهم بأرقام أمنية وتجنيد الحرس ضدهم ورقابة هواتفهم ورصد تحركاتهم وتهديدهم بالفصل التاسع المغيب موضوع تعليق عمل زملائهم كل ذالك يشكل معالم المؤسسة الحالية ولا يخفي قصور هذه المعالم وعجزها عن صنع العدالة وتوزيعها لان فاقد الشيء لا يعطيه.

   حقائق حول القضاء

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox