| من مآثر البوعزيزي |
| الخميس, 27 يناير 2011 12:38 |
|
قديما قالت العرب: "لكل شيء حظ من اسمه". و مع ذلك فطالما طغت ظاهرة "اسم على غير مسمى"، حتى غدت الأحزاب العربية الموغلة في الإستبداد تَـتَـسمّى تارة (الدستوري) و طورا (الوطني) و أحيانا أخرى (الجمهوري) أو حتى (الديمقراطي)...
بيد أن مُفجر ثورة تونس البوعزيزي – من العزة القعساء – هو اسم على مسمى، و له من اسمه حظوظ... لقد أعاد عزيز النفس هذا الأمور إلى نصابها، و ذكرنا أن الكرامة و العزة لم تموتا بوفاة المعتصم، بعد أن تصور الكل ذلك، حتى صار مجرد الحنين إلى العزة ضربا من "العنتريات" التي أخْنَى عليها الذي أخنى على لُـبد! فمن مآثر البوعزيزي أنه نبه الشعوب العربية إلى مدى قوتها الجبارة التي طالما ذُهلت عنها، لدرجة أن أقزاما جثموا على صدورها و لأجيال عديدة، فضيعوا الأخلاق و ضيقوا الأرزاق، و كتموا الأفواه و ملأوا السجون من كل من تجاسر على الإصغاء لصوت ضميره، و إن كان خافتا مبحوحا... و لم يكن هؤلاء الأقزام ليطغوا لولا تأكدهم من غسيل دماغ شعوبهم بدرجة تستحيل معها أن تدرك مدى قوتها الكامنة، و يوم أشعلها البوعزيزي نارا تلظى على طغاة بلده – و هم صورة طبق الأصل للعديد من العصابات الحاكمة في العالم العربي – ظهر أن "كسرى العربي" جبانا من أخَسِّ أشباه الرجال، لا يقيم لسانه لحنا، و يقرع له بالعصى، فلا يفهم، أو لا يقول "فهمتكم" إلى حين يَسبق السيفُ العذل! لقد ذكر البوعزيزي الأمة العربية الطعن بعد أن كانت ناسية. أظهر "أبو العزة" أيضا أن الخيارات لدى الشعوب العربية ليست فقط بين الديكتاتورية المحلية أو الغزو الأجنبي، خياران أحلاهما علقم! لكن يمكن للشعوب أن تغير من تلقاء أنفسها لتختار من تريد لحكمها... من أفضال البوعزيزي كذلك علينا معاشر العرب أنه ألقم أفواه كل "الشعوبيين" و من يجري في فلكهم حجرا! حيث صار حَرِي بهم أن يَخرسوا للأبد بعد أن خَسِئوا و خابوا، و هم الذين طالما رفع الواحد منهم عقيرته واصفا الشعوب العربية بالعبيد تارة و القطعان تارة أخرى، متفننا في ابتكار أقذع أنواع الذم لإلصاقه بالناطقين بلغة القرآن، لا استثارة لهم أو شفقة عليهم، و إنما نِكاية بهم... و جاء اليوم الذي صار فيه الشعوبي يتوارى من القوم، فقد تعطلت أسطوانته المشروخة القائلة إن العرب لا يثورون و لن يثوروا. لإن كنتَ يا بوعزيزي وُورِيتَ الثرى فكأنما أنت حي خالد بعد موتك، و هو لعمري "موت الصناديد، لا موت المساكين"!
*كاتب موريتاني مقيم في الولايات المتحدة |
