| الإسلام لا يوجب طاعة الحاكم |
| السبت, 29 يناير 2011 19:33 |
|
ليس بالمعنى الرمزي لهذه الكلمة بل بالمعنى الحقيقي لها، قال تعالى وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري مما جعله يسعى بكل ما أوتي من قوة مادية ومعنوية إلى ترسيخ هذه العقيدة عند رعيته فأعطى لنفسه: 1. قدسية لا يتمتع بها غيره من أفراد رعيته فصار نقده محرما ومعارضته خيانة كبرى؛
2. وصلاحيات لا حدود له في التصرف في مملكته ورعاياه بإرادته المنفردة كيف شاء، وهو ما يعبر عنه جواب أحد هؤلاء الحكام لإبراهيم عليه السلام لما قال له ربي الذي يحيي ويميت فأجاب الحاكم أنا أحيي وأميت ؛
3. جعل أوامره ونزواته قوانين ملزمة لجميع مواطنيه؛ فهو المشرع والقاضي والمنفذ؛
4. إيهام الناس أنه قد أحاط بكل شيء علما.
وقد سادت هذه النظرية في مصر وفارس والهند والصين، وبعد مرحلة من الزمن لم يعد باستطاعة الحاكم في الشرق الاستمرار في ادعاء الألوهية نتيجة تطور العقل البشري، مما جعله يبحث عن أساس آخر يستمد منه شرعيته، فزعم أنه يحكم بتفويض إلهي مباشر وهذا ما يجعل سياسته معصومة، وطاعته عبادة لله تعلى، والخروج عليه تمردا على إرادة الله، وتسمى هذه النظرية "نظرية الحق الإلهي المباشر" وقد سادت بعد ظهور المسيحية، ثم ظهرت في العصور الوسطى " نظرية الحق الإلهي غير المباشر" وتعني أن الله يختار الحاكم بطريقة غير مباشرة. قبل أن ينسف عصر الأنوار هذه النظريات السياسية من أساسها.
الإسلام يحطم نظرية الاستبداد ويعطي للأمة حرية اختيار من يحكمها
جاء الإسلام ليهدم تلك النظريات السياسية التي سيطرت على العقل البشري ردحا من الزمن، معتمدا على منهج عقدي وتشريعي لتحقيق هذا الغرض:
فجعل أساس عقيدته نفي الإلوهية عن كل من سوى الله تعالى، فالله في الإسلام واحد أحد لم يلد ولم يولد ولا يماثله أحد، وتحرير الإنسان من عبادة غير الله والخضوع له، وجعل العلاقة بالله تعالى علاقة شخصية لا دخل فيها لحاكم ولا لعالم ولا لولي ولا لغيرهم، وحتى الرسول صلى اله عليه وسلم ليس خليفة الله في الأرض بل هو رجل من بني البشر اختاره الله تعالى لتبليغ رسالته.
أن القرآن الكريم لم يتضمن أمرا واحدا بوجوب طاعة الحاكم، ولم يجد الفقه السلطاني الذي نشأ في أحضان الاستبداد السياسي وعلى أعين الحكام المستبدين ما يستدل به على "نظرية وجوب طاعة ولي الأمر/ الحاكم المستبد" إلا آية واحدة هي قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وفاتهم أن الآية تتحدث عن وجوب طاعة الله وطاعة رسوله، التي تعني الامتثال للشريعة الإسلامية، ولما كانت بعض النوازل لم يرد حكمها صريحا في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف كان لا بد من ورود الأمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء المجتهدون؛ لأنهم هم الذين يستنبطون الأحكام الشرعية التي لم يرد بها نص في القرآن والسنة، وطاعة غيرهم من أهل الاختصاص الذين يعرفون مصالح الأمة في مجال العمران من اقتصاد وزراعة وتربية وشؤون أمنية وغير ذلك، ومما يدل على ذلك ورود كلمة "أولي الأمر" في الآية الكريمة بصيغة الجمع، بدل "ولي الأمر" بصيغة المفرد، وأن الخطاب موجه في المقام الأول إلى الصحابة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن في زمنه عليه السلام "ولي أمر/ حاكم للمسلمين " غيره؛ وأن هذه الآية قد أسست قاعدة عامة عند النزاع بين المسلمين وهي وجوب الرجوع إلى الله ورسوله أي إلى الشريعة الإسلامية/ قانون المجتمع المسلم، و أمور السياسة كلها قائمة على النزاع مما يقتضي أن يكون المرجع فيها للشريعة الإسلامية لا إلى رأي الحاكم. ثم إن هذه الآية يفسرها قوله تعالى: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، والاستنباط وظيفة العلماء والمتخصصين في جميع ميادين المعرفة؛
فضح الاستبداد بجميع صوره، وكشف نفسية المستبد، وتسفيه عقله، وتعرية منهجه، وتحريض الناس على الثورة عليه، ، فقد اعتبر القرآن الكريم أن الحكم الفردي المطلق هو مصدر الفساد والظلم والاستبداد ومصادرة الحريات العامة وتخريب العمران قال تعالى: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وقال: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فحكم عليه القرآن بأنه مفسد لا لأنه ادعى الإلوهية فحسب بل لأنه مارس الاستبداد وحكم المجتمع حسب مزاجه وهواه ولم يحكم بقانون عام يسمو فوق نزواته يتساوى أمامه الحاكم والمحكوم، و قد حذر الله تعلى نبيه داود عليه السلام - وهو نبي معصوم - من إتباع الهوى في الحكم؛ لأن طبيعة الحكم تغري بالاستبداد ما لم يكن هناك قانون يقيد سلطات الحاكم يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛
تسفيه القرآن الكريم لسلوك المجتمعات البشرية التي تطيع حكامها طاعة عمياء، قال تعالى فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ مما يعني أن المسلم - بل الإنسان العاقل - لا ينبغي له أن يطيع أوامر الحاكم طاعة عمياء، قال تعالى موبخا قوم فرعون فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي انه لم تكن لهم شريعة يتبعونها بل كانوا يتبعون أوامر الحاكم التي يصدرها حسب مزاجه وهواه بدل أن يضعوا قانونا عاما يبين الحدود التي تنتهي عندها صلاحيات فرعون حتى لا يستبد أو يطغى.
ومع الأسف الشديد فإن المسلمين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن الهدف التشريعي والغرض التربوي والغاية السياسية التي يدور عليها سر ورود قصة فرعون في القرآن الكريم واكتفوا بالجانب التاريخي والوعظي في هذه القصة، حيث إن القرآن الكريم اختار لفظ "فرعون" وهو لقب عام لكثير من الملوك الذين ينحدرون من سلالات عديدة حكمت مصر على امتداد تاريخ طويل، وليس اسم ملك معين - كما يتوهم بعض المسلمين - ؛ لأن الغاية من القصة إرساء مبدأ تشريعي سياسي عام، لا مجرد سرد تاريخي بحت، ولو كان هدف القرآن الكريم السرد التاريخي لتحدث عن "رمسيس الثاني" باسمه ولم يتحدث عنه بلقبه الذي يشترك فيه مع غيره من ملوك مصر المستبدين.
لقد كان أمام الفقه السلطاني فرصة تاريخية لبلورة "نظرية سياسية إسلامية أصيلة" من شأنها أن تكبح جماح الاستبداد الذي عرفته الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل؛ تقوم على أساس وضع "قواعد دستورية" من شأنها أن تحقق العدالة وتحمي الحرية وتصون كرامة الإنسان وترغم الحاكم على احترام إرادة الأمة، بدلا من جعل تحقيق هذه المقاصد الكلية موكولا إلى ضمير الحاكم ومزاجه الشخصي فإن كان عادلا ساد العدل، وإن كان ظالما عم الظلم؛ لأن السلطة - كما يقول الدكتور محمد الشافعي أبو راس - تكون "استبدادية ما دامت لا تخضع في تصرفاتها للقانون، ولا يجد الفرد قضاء يبطل تصرفاتها إذا صدرت على خلاف ما يقضي به القانون القائم".
فالطاعة في الإسلام يجب أن تكون للشريعة الإسلامية/ قانون المجتمع المسلم، وليس لحاكم مهما بلغ في الصلاح والاستقامة؛ لأن الحاكم مجرد فرد من أفراد الأمة المسلمة تختاره بإرادتها الحرة ليكون نائبا عنها في تنفيذ القانون، وعندما يخالف الحاكم الشريعة الإسلامية / قانون المجتمع المسلم فلا بد من أن تحاسبه الأمة لأنه مجرد فرد من أفرادها، فإن لم تحاسبه تحول إلى طاغية مستبد، لأن "السلطة المستبدة - كما يقول الدكتور محمد الشافعي أبو راس - هي تلك التي تمارس حكم الناس دون أن تكون هي ذاتها خاضعة للقانون، فالقانون في نظر هذه السلطة قيد على المحكومين دون أن يكون قيدا على الحاكم".
وعندما تكون الطاعة في المجتمعات الإسلامية للشريعة الإسلامية/ قانون المجتمع المسلم الذي يتساوى أمامه جميع المواطنين، ويخضع له كل المسئولين من الرئيس إلى أصغر موظف في الدولة، ولا يكون باستطاعة الحاكم أن يصادر حرية مواطن ما، أو يأخذ ماله أو يرمي به في سجن مظلم، أو يتدخل في أحكام القضاء، أو يحابي أقاربه على حساب بقية المواطنين، ويكون باستطاعة المواطن أن يقاضي الحاكم إلى قضاء مستقل يأخذ له من حقه، نكون قد اقتربنا من النموذج النظري الذي جاء به الإسلام لتكون عليه الدولة وحاكمها في الإسلام، والذي طبق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد خلفائه الراشدين الأربعة، وفي فترات أخرى وجيزة جدا من التاريخ الإسلامي، ثم اختفى هذا النموذج المثالي للحكم على امتداد التاريخ الإسلامي مما ولد انفصاما في وجدان المسلمين بين النموذج النظري الذي جاء في القرآن الكريم وبين الواقع التاريخي الذي طبق على الأرض، بل ظل الواقع ينأى عن النموذج النظري بشكل مستمر حتى صاغ حكام المسلمين قواعد الاستبداد في كلمات قصيرة وبليغة يقول عبد الملك بن مروان:" ألا و إني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم" " والله لا يأمرني احد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه" ويقول الوليد بن عبد الملك:" إنكم كنتم تكلمون من كان قبلي من الخلفاء بكلام الأكفاء وتقولون يا معاوية ويا يزيد، وإني أعطي الله عهدا يأخذني بالوفاء به: لا يكلمني أحد منكم بمثل ذلك إلا أتلفت نفسه" وزاد عليهم الوليد بن يزيد فجاء بأربعين شيخا فشهدوا له أنه "ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب".
وبدل أن يقف الفقه السلطاني في وجه هذا الانحراف الفكري، فإنه ساعد المستبدين بإفراغ النظرية السياسية الإسلامية من مضمونها فقال بأن الشورى معلمة وليست ملزمة، وجعل "البيعة" مسرحية هزيلة لا تعبر عن رضا الأمة ولا تمثل إرادتها الحرة في اختيار من يحكمها، حتى إن الناس صاروا يبايعون على ظرف مختوم لا يعرفون الاسم الذي بداخله، ومن المؤسف أن رائد الفكر السياسي الإسلامي الإمام أبو الحسن الماوردي يرى أن الأمة لا دخل لها في اختيار الحاكم، وأن اختياره من اختصاص جماعة وهمية يسميها " أهل الاختيار/ أهل الحل والعقد".
وعمد هذا الفقه السلطاني إلى الأحاديث الواردة في طاعة أمراء السرايا التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث بها للدفاع عن الدولة الإسلامية الناشئة، فجعلها نصا في "نظرية وجوب طاعة ولي الأمر/الحاكم المستبد" ولم يعبأ بوجود فارق كبير بين طاعة أمير جيش يتأهب لخوض حرب في معركة مسلحة تقتضي وحدة الصف واجتماع الكلمة في وجه عدو مسلح لمدة قد لا تزيد على ساعة من نهار، وإن زادت فبفترة محدودة، وبين طاعة "الحاكم" في تسيير دولة وبناء حضارة وإنشاء مدنية لا يمكن أن تقوم إلا على حرية الفكر والإبداع وتعدد الآراء.
ثم طفق هذا الفقه يبحث عن دليل شرعي يبرر به "نظرية وجوب طاعة ولي الأمر/الحاكم المستبد" المأخوذة من استبداد "حكام الأعجم" القائم على قول أنو شروان :" إذا رفعت الأصوات فوق صوت الملك فقد خلع، وإذا قال في شيء لا فقيل له نعم، أو قال نعم فقيل له لا فقد مات" في القرآن الكريم فلم يجد ضالته، لأن القرآن الكريم لا يتضمن سطرا واحدا على وجوب طاعة الحاكم، فولى وجهه شطر الأحاديث النبوية الشريفة فلم يجد حديثا متواترا يدل على هذه النظرية "الأعجمية"، ولا حديث آحاد اتفق على روايته جميع المحدثين، فجعل أساس نظريته حديث آحاد رواه مسلم:" تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع" وفات فقهاء السلطة أن مبدأ تكريم الإنسان، واحترام حريته، ووجوب الالتزام بمقتضى الشورى، وضرورة تقييد سلطة الحاكم حتى لا يطغى، قواعد شرعية كلية دلت عليها نصوص قرآنية صريحة؛ وأن القواعد الشرعية الكلية لا يمكن أن تنسف بحديث آحاد، و أن هذه القواعد ثابتة باستقراء نصوص الشرع، وما ثبت بالاستقراء لا يمكن أن ينسخ بدليل ظني. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رد مجموعة من الأحاديث الشريفة لأنها خالفت آية قرآنية صريحة وكذلك الشأن بالنسبة إلى عائشة رضي الله عنها، والإمام مالك بن أنس.
لقد كان من نتائج "نظرية وجوب طاعة ولي الأمر/الحاكم المستبد" في التاريخ الإسلامي الاستخفاف بدماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وكرامتهم وحرية أفكارهم إلى حد لا يمكن تصوره فقد أمر الوليد بن عبد الملك واليه على المدينة بجلد خبيب بن عبد الله بن الزبير بسبب حديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم يحدد تاريخ زوال ملك بني أمية، فضربه حتى مات، وضرب بنو العباس مالك بن انس بسبب فتواه بان بيعة المكره لا تلزم، وقام خالد بن عبد الله القسري سنة 120 هـ يوم العيد بذبح الجعد بن درهم على آرائه الفكرية دون محاكمة قائلا :" أيها الناس أذهبوا وضحوا تقبل الله ضحاياكم فاني مضح بالجعد بن درهم".
وهذا ما جعل العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري يقول :"أغفل علماء المسلمين القدامى الاهتمام بالبحوث الدستورية فبقي جانب الفقه الإسلامي المتعلق بالقانون العام في حالة طفولة بسبب هذا العزوف وليت الاستبداد اكتفى بما اقترفه من فساد في مجال السياسة بل قام المستبدون بإفساد العقيدة الإسلامية ذاتها فوضعوا نظرية الجبر في العقيدة "أسواق على مولانا"، وقالوا بأن الله هو الذي فوض هؤلاء الحكام ليحكموا باسمه، وسرعان ما صارت الجبرية عقيدة تكبل العقل المسلم عن التفكير السليم، وتشل إرادة المسلمين عن العمل الفاعل، مما كان له أكبر الأثر في انهيار الحضارة الإسلامية |
