الكلمات المفاتيح: الشعب يريد إسقاط النظام
الأحد, 06 فبراير 2011 10:03

يقلم:حمدي بن الداه

هي كلمات تعاطتها النفوس عقودا طويلة قبل أن تقذفها جموع الغاضبين في وجوه الحكام.بالأمس تونس.. واليوم مصر.. وغدا في بلد عربي آخر..كلمات عبرت بدقة بالغة عن طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، واختزلت عشرات السنين وآلاف  محاولات التغيير المجهضة، وأخرجت من مقبرة القاموس السياسي العربي مفاهيم دفنت منذ عقود.

 

 

1

الشعب هو تلك الجموع الجائعة التي تبتز بالخبز وتجبر بالعصي والهراوات على التصويت وإعادة التصويت لحاكم حنط نفسه ونظام حكمه، وأبدع في الترهيب والترهيب.

هم كل الذين صعدوا إلى أعالي جبل الصمت وامتهنوا الخوف.. وأملوا في أن يقولوا كلمة حق لايدفعون ثمنها سنوات من عمرهم خلف القضبان ..أو حتى خلف الشمس.

هم أولئك الذين عبثت بأقدارهم العاثرة قوى الاستعمار والإستبداد، فأوهمتهم بالديمقراطية حينا.. وقمعتهم بالعنف في كثير من الأحيان.

إنهم أكثر من 200 مليون عزلهم التخلف والفقر والأمية في قطعة من جحيم السياسة والبترول والسياحة واليأس تمتد مساحتها من المحيط إلى الخليج. ذلك هوالشعب .. ذلك هو من يريد..

 

2

 

أما هذا المضارع ذو المصدر الغائب أو المغيب فهو مسكون بماضوية لازمته منذ عصور، منذ عبرت إرادة الحاكم لآخر مرة عن إرادة المحكوم، ومنذ امتزجت في الذاكرة والمخيال الجمعيين صور لطارق بن زياد والناصر صلاح الدين... بأخرى لجمال عبد الناصر ولحبيب بوركيبة.. فحتى ميكيافيللي نفسه لم يكن ليتخيل تلك اللحظة التي تنصهر فيها إرادة الشعب في إرادة الحاكم بالقدر الذي عرفته المجتمعات العربية مع ملوك وأمراء ورؤساء استطاعوا القفز على جميع العقود الاجتماعية والدساتيرالمعبرة عن جوهر وروح الدولة الحديثة.

وبينما يمكن أن يمثل مفهوم الإرادة تعبيرا عن الرغبة أو الحاجة في بلدان بات الإشباع فيها حلما يضاهي حلم الخلود، فإن الحاجة للخبز والماء..للتعليم والصحة ..للأمن والحرية والعدالة..لأشياء ومصالح ورغبات أخرى..قد تتدرج من حقوق أساسية أوسياسية إلى حقوق للبقاء وحماية الذات..

وسواء تعلق الأمر بإرادة الحاجة أو بإرادة الرغبة.. بالإرادة المقيدة أو الحرة، فإن الأمر قد ظل مرتبطا بالحاكم لا لشيئ سوى أن إرادة هذا الأخير تتعالى على إرادة الشعب تماما وكأنها امتداد لإرادة الإله نفسه.

 

3

 

قبل الولوج إلى الدلالة الخاصة لمفهوم الإسقاط والذي يحيل - بشكل ما- إلى التغيير والقطيعة مع كل ما هو قديم، لابد من الإستئناس معنى رياضي لهذا المفهوم .. معنى يقفز به فوق دلالته الظرفية والسياق السياسي الذي جاء فيه، حيث يتعلق الأمر هنا بإسقاط واقع عربي على آخر عربي وقراءة مآلات الأخير من خلال مؤشرات ومتغيرات الأول..

فبهذا المعنى وحده يمكن أن تصبح 23 سنة من ديكتاتورية زين العابدين بن علي مرادفة لثلاثين سنة من ديكتاتورية مبارك المحنطة بل أن الأمر قد يكفي لإشعال ثورة تونسية في مصر، حتى ولوتم ذلك في غياب محمد البوعزيزي.. وحتى لو اشتعلت الثورة في الخامس والعشرين من يناير 2011 بدل السابع عشر من ديسمبر 2010.

ففي غمرة الغضب الشعبي يتفوق فعل الإحتراق على الزمان والمكان، ويبقى الأثر.. أثر الثورة وحده شاهدا على ترابط الأحداث والأوضاع ودليلا ماثلا على قدرة الشعوب على التغيير والإسقاط.

من هنا سيبدو من السهل حتى على ضوء الإستئناس البسيط إيجاد العلاقة اللفظية ومن ثم المنطقية بين السقوط  والتغيير.. فبسبب الكبت والإكراه والتجويع والتجهيل بدت الثقافة السياسية العربية خالية تماما من مقومات القدرة على التغيير، قبل أن يتصالح الشعبين التونسي والمصري مع تراثهما المعرفي الديني والأخلاقي الذي يؤكد على أن عملية التغيير هي عملية نفسية قبل أن تكون قطيعة أو تفاعلا واعيا مع النظام والبيئة الاجتماعية.. فما كانت مصر وتونس والبوعزيزي بحاجة إليه لم يكن سوى تغيير ما بأنفسهم.. وما كان بأنفسهم جميعا لم يكن شيئا آخر غير الخوف.. الخوف من التغيير ..الخوف من السقوط.

 

4

 

كمفهوم من مفاهيم علم السياسة يمكن أن يعبر النظام عن نسق الحكم القائم أوطبيعته المتغيرة، لا لكونه فقط الدلالة المرادفة لشكل وآليات وأساليب السلطة ووسائل انتقالها، بل ولارتباطه أيضا بالأنموذج السياسي والبنية الفكرية المنبثق عنها.

فاختلاف المكونات الحضارية والثقافية في المجتمعات يمكن أن يسمح للشمولية أن تعيش في بلد دون أن تمثل نشازا في منظومته القيمية، تماما كما يسمح ذلك الإختلاف لليبرالية أن تزدهر في بلد آخر دون أن تشكل عبئا كبيرا على بنيته الاجتماعية. ذلك أن ثنائيات كالديمقراطية والديكتاتورية.. الأحادية والتعددية ..الانفتاح والإنغلاق.. الليبرالية والشمولية، لم تعد المحدد المباشر والوحيد لمعنى مفهوم النظام في العقل والمجال السياسيين داخل المجتمعات العربية، بل إن هذا المفهوم أصبح يتحدد من خلال مفهوم آخر يقع على النقيض معه من حيث اللفظ ويوازيه من حيث ضعف المردودية وعدم الإنسجام مع مطالب ومخرجات البيئة الاجتماعية. إن هذا المفهوم الأخير هو الفوضى تلك التي باتت تشكل الخيار الأول والأمثل في معادلة الحاكم والمحكوم، حيث يصوغ النظام العربي اليوم تلك العلاقة الجبرية على النحو التالي: "إما أنا أو الفوضى" بينما ستبقى الشعوب العربية نفسها كما كانت خلال كل تلك العقود -وبفعل ثنائيات كالرهبة والرغبة .. الفوضى والنظام .. العصى والجزرة -عاجزة عن اكتشاف إرادتها وقابعة تحت سلطة أنظمة لم برعت في إسقاط إرادة الشعب.. كلما هم هذ الشعب في غفوة من حراسه وعسسته  أن يهتف في حلم قصير "الشعب يريد إسقاط النظام".

الكلمات المفاتيح: الشعب يريد إسقاط النظام

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox