| الإصلاح المشهود بقلم/ محمد محمود ولد احمدناه |
| الاثنين, 07 فبراير 2011 18:26 |
|
تطالعني بعض المقالات حول العدالة الموريتانية لا يخفي أنها تكتب بإيعاز من الهرم القضائي الحالي تتضمن عبارات- الفوضي ، والظلم والفساد، والإصلاح والعدل، والتنظيم، والاتهام والزور والبهتان ، والكيل من التهم بما يكفي للإدانة بالسجن مدى الحياة ، اتهام بالتزويرودفاع عن البهتان والتوزير بالظلم والفساد وهكذا دواليك من العبارات المليئة بالشتائم والنعوت .
و بين هذا وذاك تضيع الحقيقة خلف غبار الكلمات . حتى صار الظلم عدالة والفساد اصلاحا والزور والبهتان سمة مهنية . حتى أن الكلمات لم يعد لها معني أو لم تعد تعني ما تعنيه. واستهل الدخول في هذا الموضوع بالتنويه بالخطوات الشجاعة التي خطاها الأخ محمد ولد عبد العزيز رئيس الجمهورية في سبيل الإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين ، وأهيب بكل أصحاب الضمائر السليمة أن يمنعوا حفنة من المستكبرين والمتنفذين من مواصلتهم اجهاض المشاريع الاصلاحية التي يقودها فخامة الأخ الرئيس محمد ولد عبد العزيز وفي مقدمتها إصلاح العدالة . وإنني في هذه المرة أريد الابتعاد كثيرا في مساهمتي هذه عن سياق مقاربات لا تخلو من ديماغوجية سياسية لدى الطرف المتنفذ في القطاع هدفه منها الإيهام بأن هناك طرفيين متبايينين بل متناقضين يقعد كل منهما من مسألة العدالة مقعدا متطرفا وغالبا ما يتم التعبير – خلال المساجلات – عن أحد الطرفين ب: " قضاة الوزارة" أوالمعارضين لإصلاح العدالة ، وعن الآخرين ب : " قضاة الإصلاح" وكأن قضاة الوزارة مجرمون بالفعل مع سبق الاصرار والترصد، تهمتهم ثابتة وهي توتير الوضع أمام إصلاح العدالة ويبدو الحكم مسبقا عليهم بابعادهم واقصاءهم وتحميلهم المسؤولية كاملة ف سعي لإظهار ضرورة التمسك والابقاء على الطرف المتنفذ الذي يجسد نفسه وكأنه رسول الإصلاح. وقد كان على الطرف المسيطر " الإصلاحي هذا" ليظهر بقميص عثمان أن يطلق قنابل من اللغو لتتفجر في سماء الغرور التي يحتل حيزا من فراغها ، كي يصنع لنفسه عالما حالما، ويدعي عظمة لا وجود لها خارج القصر الذي يتربع وسطه . وكان عليه كذلك أن يفسر الأحداث وفقا لرؤيته الخاصة . فالحلول لتجاوز أزمة العدالة سرقة من تحت الطاولة التي يجلس عليها رئيس الجمهورية ويباركها كل العاملين في قطاع العدل ويزكيها الشعب الموريتاني . فرئيس الجمهورية هو من نادى باصلاح ما فسد في موريتانيا وهو من قرر أن تتم مراجعة منظومة العدالة واصلاحها، وليس لأحد آخر مهما كانت مكانته في سلم القضاء أن يدعي أنه من انفق اموال الشعب في سبيل اصلاح العدالة ، موهما الرأي العام أن ما يجري من توجهات اصلاحية هو صاحبها . الأمر لا يعنيني كثيرا مهما تقول المتقولون ، ولكن ما يعنيني هو أن أقول أن من يريد سرقة المبادئ الإصلاحية بادعاءها أو بنسبة بعضها إليه لن يتورع عن اجهاضها ، كما لن يتورع عن الأموال التي تصل إليها أيدي القضاء بواسطة المصاريف الجنائية . وأن من يريد أن يبني لنفسه مجدا متكئا على مكتسبات الآخرين وانجازاتهم لن تكون له اليد الطولى في طمئنة الآخرين على سلامة الاجراءات التي تمر بمكتبه . من هنا أريد أن أبقي مع "أجير السرب " الذي يغرد بأمر من قائده على نفس العنوان الذي نشر به مقاله " الإصلاح المشهود للعدالة" بتصرف في الاسلوب والمنهج والمبتغي . سوف أخالف في الاسلوب لأني لا ادعي برجا كاذبا أحكم من خلاله بإلغاء ما تواضع عليه العرب من أصوات ودلالات ، وأخالفه في المنهج لأن المعالجة التى أحتكم إليها لن تبحث عن اسناد القيم والمبادئ التى نادي بـها رئيس الجمهورية إلي أفراد من سلك القضاء يعتبرون أداة موقتة لتنفيذها. وسوف أخالفه المبتغي لأني إنما اريد الإسهام في الإصلاح ما استطعت وليس مبتغاي الترويج لأشخاص سوف يزيلون ويبقي الاصلاح والمبادئ والقيم التي تتأسس لحماية المجتمع وصيانته . وإذا كان صاحب مقال " الإصلاح المشهود" ينطلق من أن(القضاء اليوم يعيش فعلا استـقـلالا حقيقيا والقائمون عليه لا يتركون فرصة تمر إلا ويذكرون بأن على القضاة أن يبتعدوا عن التدخلات والمحسوبية وأن ينأوا بأنفسهم عن ذلك لدى زملائهم وأن يجتهدوا في تسبيب احكامهم وقراراتهم حتى تكون واضحة وشفافة) . فإني أقول له : أنك والله ترقص لمن لم يكشف له عن ساقيك . فلا أحد اليوم يذكرالعمل القضائي بخير . فموريتانيا رغم الإرادة الصادقة التى يملكها رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز تعاني أزمة قضائية بالغة وعميقة تبدأ في أزمة الثقة بين المتقاضين والقضاء ، ويبدو أنها ضربت أطنابـها لتعم فتتجذر في أزمة ثقة داخلية أريد لها أن تكون تحت يافطة الاصلاح المنشود، فما هو الإصلاح المنشود ؟ إنني آمل اصلاحا قائما على تحليل موضوعي يستبعد الانطباعات العاطفية والكراهات والحسابات الشخصية . أريد اصلاحا يقوم على اختيار الكفاءات وتطويرالقدرات ولا أريد اصلاحا يقوم على استبعاد الكفاءات وتهميشها ، أريد اصلاحا يقوم على الانصاف في الفرص والقدرات، لا يتخذ من الزبونية مبدء المكافئة ، ومن المحاباة والنميمة مهيعا للمقاصة والمحاسبة . كلمة الإصلاح هذه المرة لا اريد لها أن تكتتب لنا عدة قضاة تحقيق في العدالة واستمراء مشاريع اصلاحها واجهاضهم قبل تنفيذهم . لا أريدها أن تكتتب قضاة متخصصين في علم نفس إجهاض الإصلاحات . أريدها أن تكتتب لنا قضاة مختصين في أمراض القلب والأعصاب لا أريد لها أن تكتتب لنا قضاة مختصين في علم البصمات الوراثية وعلم الاجرام واغتيال مشاريع الاصلاح بكتم النفوس وترويج الدكتاتورية القضائية . إن الأمراض القاتلة للعدالة منتشرة الآن في هيكلها وهرمها المتمثل في رأسها القيادي "القضائي " وهو ما يسمي مرة محكمتها العليا النائمة منذ شهور نومة أصحاب الكهف ، أو ما كان يعرف بالنيابة العامة التي كانت تمثل فيروسا يأكل الأحكام وينهب المال ويعطل العدالة، فأول القاذفات لتلك الفيروسات هو رأس الهرم القضائي الحالي . إن هذه الصورة الكالحة لوضع العدالة هذه الأيام هي التي استدعت كلمة "الإصلاح" التي تتجاوز حدود الحقل التقليدية واختصاصاته المعهودة محليا . ومن خلالها أدعو وزراة الصحة للمساهمة بأجهزة الكشف التقليدية والحديثة للمساهمة في تعريف الناس بأن ما يجري في العدالة أضحي أمرا يتجاوز السياسة القطاعية، نظرا لاستـفحاله وتفاقمه ، وتجاوزه قاموس مدونة الفساد. واعلم يا صاحب مقال الإصلاح المنشود وبلطجي القطاع المعهود أني أخاطب فيك ظلا لم يقرأ تساءلك (ألم ينقض زمن المحسبوبية وصيف الفساد وخريف الرشوة والسمسرة إلى غير رجعة ؟) فأقول لك : هيهات ... إنك تكتب وتسأل وأنت تجهل ، فالزمن مفهوم مجرد ، وقد انتهي منه مقطع، لأن العارف بالشيء هو من يعطي حقيقته ، فمن يقول خريف الرشوة : يعرف ما تدره من حوالبها التي يخشي أن تضيع في جو الاصلاح ... أما المقطع الذي تبقي : فقد انفرد به من يخشي أن يشاركه فيه غيره ولا يزال مستمرا ، لكنه تماما كالضوء في فصل غياب الشمس عن القطب الشمالي، ولا رجعةإلا لمن مشى ولا كر إلا لمن فر ، والرشوة والمحسوبية صنوان يلازمان كل قطاع تغيب عنه الشفافية والعدل . |
