| لابديل عن الثورة |
| الأربعاء, 09 فبراير 2011 10:58 |
|
أحمد ولد الوديعة عبثا يحاول الرئيس المصري مقاومة الثورة الشعبية العاتية التى نسفت خلال عشرة أيام أهم الأسس التي بنى عليها نظام حكمه،وأهم النظريات والمسلمات التى ترسخت عن شعوب المنطقة، ومستقبلها، ورسمت معالم عصر جديد بالكامل لاتستطيع كل أشكال البلطجة تأخير انبلاجه أو حتى تشويه ميلاده.
لقد سقت هذه الثورة الميمونة الغرس اليانع الذى بذره ثوار تونس قبل أسابيع، لتستنشق كل الشعوب المسلمة عبير الحرية، وتشرع كل من ميدان تحريره فى التحضير ليوم الخلاص من أنظمة القهر التى حولت أمة عظيمة إلى رقم هامشي في مؤخرة القائمة فى كل شيئ إلا فى مجال القمع والفساد وتوريث الأحكام، وتوليد نظريات البلطجة. ومهما بدت محاولات وأد الثورة حثيثة ومدعومة من الكثير من القوى الشريرة فإنها منتصرة، وسائرة بثقة وسرعة إلى لحظة اكتمالها بإعلان رحيل، أو ترحيل العجوز المستبد الذى يزداد افتضاحا كلما ازدادا الثوار تألقا ووطنية وكشفت القوى المشكلة للثورة الجارية عن معدنها الأصيل، وهي تقدم الدرس تلو الدرس على أن الجيل الحالي الصامد في ميدان التحرير هو جيل بمستوى النصر المنشود.
مكاسب أمة
لقد حققت الثورة خلال عشرة أيام من اندلاعها مكاسب إستراتيجية هائلة ليس لمصر فقط بل أيضا للأمة المسلمة ولكل الشعوب التي ما زالت تأن تحت الأحكام الفردية المتخلفة - فقد مثل إندلاع الثورة وتعاظمها تدميرا كليا لنظرية تباري الحكام العرب وأجهزة إعلامهم السخيفة فى الترويج لها بعد فرار بن على مفادها أن " تونس حالة استثنائية"، وأن ما حصل فيها أمر عابر لايتوقع أن يتكرر في أي دولة عربية أخرى، وبالذات مصر، وهنا لابد أن نتذكر تصريحات وزير الخارجية فى نظام مبارك أحمد أبو الغيط التي قال فيها بعيد فرار بن علي" إن مصر ليست مثل تونس"، وتصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التى قالت فيها عشية اندلاع ثورة الخامس والعشرين من شهر يناير" إن النظام المصري مستقر"، في محاولة مكشوفة من " الراعي الأمريكي " لعملية السلام لكسر إرادة الشباب المصري المتلهف لإعادة التجربة التونسية في بلاده المقهورة من عائلة مبارك وخشاش الاستبداد المتهافت على موائدها. - أكدت بشكل قاطع أن كل وسائل القمع غير قادرة على وقف المد الشعبي الهادر الذى لم يعد يقبل أقل من الحرية الكاملة، بعد عقود من الركون لأحكام الطوارئ، فقد جربت " عبقرية النظام المصري" كل الوسائل من القمع التقليدي فى الشوارع خلال اليوم الأول، إلى تحويل أجهزة الأمن إلى عصابات جريمة منظمة تروع الناس في بيوتهم، إلى استخدام الخيل والبغال والجمال والحمير البلطجية،إلى محاولة الجيش لعب دور مزدوج يظهر فيه محايدا فى العلن ويرتب فى الخفاء مع البلطجية، إلى استخدام عمائم الأزهر، واللعب على وتر الوطنية المصرية والزعم أن هناك جهات أجنبية تريد المساس بمكانة مصر، وكانت النتيجة أن هؤلاء الشباب الرائعين صمدوا أمام كل هذه المحاولات الشريرة وظلوا يردون عليها بمواقف رائعة تؤكد أنهم عرفوا أهدافهم فلزموا الطرق المؤدية لها وليس بإمكان أي قوة أن تصرفهم عن ذلك، وظل الشعار الرائع الذي ابتكره شباب تونس، وجذره شباب مصر هو الرد الدائم على كل محاولات الفت فى عضد الثورة " الشعب يريد إسقاط النظام" - عززت من فضيحة الأنظمة الغربية التى تتشدق أمام شعوبها أنها أنظمة ديمقراطية تجعل من أولوياتها نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان فى العالم، في حين أنها متورطة حتى الثمالة فى دعم أشد الأنظمة استبداد، ما دام أنها تضمن مصالح السيد الأبيض، وتقف حارس حدود لتأمين الكيان الصهيوني من الشعوب الحرة التي تتألم لما يمارسه هذا الكيان من جرائم بحق الإنسانية ضد الشعب الفلسطيني. لقد كان من أروع مشاهد الثورة المصرية – وكل مشاهدها روعة – مشاهدة قادة أمريكا والدول الغربية وهم يتلعثمون في مواقف يحاولون بها تدارك شباب مصر الذي طوي في ساعات صفحة نظام اعتبر على مدى سنوات على أساس أنه " ضامن الاعتدال في المنطقة " فإذا به يتهاوى أمام الحشود المصرية المصرة بشكل غير مسبوق ، ليظهر بذلك " رسل الحرية والديمقراطية" في صورتهم الحقيقية متمسكين بالديكتاتورية حتى آخر رمق ومتضامنين مع الثورة بحذر، دافعهم الرئيس هو الخوف من نجاحها وتعريض مصالحهم مستقبلا للخطر. والحقيقة أنه حين تظهر تسريبات جديدة لويكيلكس أو الجزيرة سنكتشف أن الموقف الحقيقي للإدارة الأمريكية والاتحاد الأوربي ليس هذه التصريحات المائعة التى يدلى بها أمام الكاميرات الآن بل إنه شيئ آخر أساسه حث مبارك على الصمود أمام المارد الشعبي، وتمكينه من " الضوء الأخضر" لقمع المتظاهرين حتى ولو سقط الآلاف بين قتيل وجريح كما نصح علانية أحد الخبراء الأمريكيين على قناة الجزيرة عشية جمعة الغضب، ولعل جزء من ذلك بدأ يتكشف مع تصريحات مبعوث أوباما إلى مصر التي قال فيها إن المرحلة الانتقالية في مصر يجب أن يقودها حسنى مبارك لأن البديل عنه هو الفوضى، وهي ذات النظرية التى أعلن عنها مبارك عشية غارة الحمير على ميدان التحرير. ضمير الأمة
وخلال أيام هذه الثورة الرائعة كانت قناة الجزيرة بحق المعبر عن ضمير الأمة حين رابطت مع المعتصمين فى ميدان التحرير، وكسرت عنهم طوق الحصار الغبي الذى حاول النظام المصري أن يفرضه عليهم من خلال قطع الإنترنت ومختلف وسائل الاتصال، ومحاولة القناة المصرية التعتيم على ما يحصل وإعطاء الإنطباع بأنه مجرد أحداث عادية وليس ثورة شعبية عاتية. لقد فرضت قناة الجزيرة بتغطيتها الميدانية الواعية لثورة مصر العظيمة على الإعلام العالمي مواكبتها، فشاهدنا خلال الأيام الأخيرة قنوات فرنسية وأوربية عديدة تقدم تغطيات متميزة لما يجرى في مصر وتعكس من الميدان أشواق الشعب المصري للحرية والديمقراطية، وهو أمر ما كان له أن يتم بدون إصرار القناة على خطها التحريري الرائع، وكشفها فى تقارير صحفية مميزة عن الفوارق الهائلة بين تطبيل الإعلام الغربي لثورات أوروبا الشرقية، وتجاهله بل وأحيانا تشكيكه فى دوافع الثورتين المصريين والتونسية. إن مما يدعو للابتهاج حقا فى هذه الأيام الثائرة التي نعيش ما نشاهده لأول مرة من قدرة وسيلة إعلام عربية ومسلمة على توجيه الأحداث والتوجهات إلى الوجهة التي تخدم الأمة في قضاياها الجوهرية التى لاحياد فيها، ولعمري إن قضية الحرية والتحرير من الإستبداد وتحكم العائلات " الطرابلسية والسوزارنية" لفي مقدمة هذه القضايا التي يتعين على كل مواطن مسلم حر أن يسهم في تحقيقها في أي مهنة كان ومن أي موقع. مزالق الاستعجال إذا كانت الثورة المصرية قد صمدت خلال أيامها العشر الأولى أمام جميع محاولات الإغراء والإغواء فإنها تدخل مع بداية عشريتها الثانية تحديا جديا يبدو أكثر خطورة مع استيقاظ الحسابات الخاصة لدى أكثر من طرف واستعجال أطراف أساسية قطف ثمار الثورة التي لم تنضج بعد، وهو ما يمكن أن يؤدى – لاقدر الله – إلى نكسة ليس للثورة المصرية فقط وإنما لجميع الثورات العربية الأخرى التى تتخلق في هذه الأثناء في أكثر من وطن عربي وإسلامي، ومن هنا فلابد من مناشدة جميع القوى المشاركة في ثورة مصر لتستمر فى ثورتها فإنما النصر صبر ساعة، وقد أوشك النظام أن يلفظ أنفاسه رغم كلما يبديه من عناد وتجلد. إن النزول من ميدان التحريرإلى ميدان عمر سليمان، يمثل خطأ استراتيجيا على القوى السياسية التي تورطت فيه أن تتراجع عنه قبل أن يفوت الأوان، فليس لدى مدير المخابرات ما يقدمه سوى وعود عرقوبية هدفها الواحد والوحيد هو شراء الوقت وبث الفرقة بين النواة الصلبة للثورة وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل يوم الخامس والعشرين من شهر يناير، وهو مستعد لتقديم كل الوعود لكنه أكثر استعدادا حين يحقق هدفه فى إرباك مسار الثورة في أن يجد طريقة للتخلص من كل تلك الوعود واحدا واحد، ولن يعدم آلاف من البلطجية تخرج فى الشارع لتطالب الرئيس بالترشح، بل وتطلب منه حتى أن ينصب محاكم الشعب فى الميدان لمعاقبة " أصحاب الأجندات الخاصة " ومحاسبتهم على ما اقترفوه بحق مصر وأمن مصر وسيادة مصر. إنها لحظة تاريخية نادرة التكرار، تستحق تعاملا بمنطق تاريخي وحسابات تاريخية يستعلي على " الرؤى الضيقة" والحسابات الإيديولوجية، من هنا فإن الوقت ينبغي أن يشغل بما هو أكثر نفعا للأمة من الجلوس مع الجنرال المتصهين عمر سليمان - فمن الممكن التحرك مثلا إلى مبنى التلفزيون المصري الواقع على بعد مسافة غير بعيدة من ميدان التحرير، والاعتصام بداخله وإرغامه على وقف الكذب المباشر وبث الحقيقة للناس وللعالم حول ما يجري. - ومن الممكن أيضا التحرك إلى مقر جامعة الدول العربية غير البعيد هو الآخر للإعلان من هناك أن الشعب يريد اسقاط النظام، والطلب من عمر موسى أن يشغل وقته فى نقل هذه الرسالة إلى الحكام العرب بدل الانشغال بمبادرات غير حكيمة تريد أن تلتف على مطالب الثوار، وتقدم لهم قبول استمرار مبارك فى السلطة على أنه فعل حكيم مع أنه فى الواقع من أسفه الأفعال التي يمكن توقع حصولها الآن. - وحتى تعود الثورة إلى ميدانها الأول، وحتى تكشف لعبة الجيش الذى يريد الظهور بمظهر المساند للشعب والثورة في حين أنه أهم المتمسكين بحكم العجوز المستبد فإن على الثوار التحرك إلى أقرب قصور مبارك من ميدان التحرير، والشروع فى مرحلة جديدة عنوانها ترحيل مبارك بعد أن رفض الرحيل، وكشف انحياز الجيش بعد أن رفض أن الانحياز إلى الشعب، وإظهاره في صورته الحقيقية مأساتنا المجنحة... تحوم فوق الأضرحه تأتي لنا في صور.. محزنة ومفرحه فى كل يوم طبعة.. مزيدة منقحه مأساتنا تحرسها.. قواتنا المسلحه. |
