ميدان الحرية/بقلم فطمة الداه
الأربعاء, 09 فبراير 2011 15:31

الحرية تلك الكلمة السحرية التي تغنى بها الشعراء وبُذِلت من أجلها دماء الشهداء، والتي يحتاجها المرء مثلما يحتاج إلى الطعام والماء والهواء وبنفس المقادير كما أنه لا يستطيع العيش من دون الحصول على حد أدنى من الطعام و الشراب والهواء، كذلك لا يستطيع العيش بدون الحصول على حد أدنى من الحرية.

 

وفي كثير من الحالات يجد المرء نفسه بحاجة إلى الحرية أكثر من حاجته إلى مُقومات العيش الأساسية الأخرى، و لربما ضحّى بكل ما لديه من أجل الحصول على لحظة من الحرية ولا يتردد عشاقها في التضحية بأرواحهم بحثاً عنها وإن كانوا متأكدين أنهم لن ينتفعوا بهذه الحرية و لكن انتفاع غيرهم بها من بعدهم يدفعهم للاستشهاد في سبيلها.

لكنَ هذه الحرية التي هي مطلب للجميع في الحالات العادية قد يصل المرء إلى حالة من الذل تجعله لا يحلم بها إلا على استحياء وبينه وبين نفسه ولا يجرؤ على التصريح بذلك الحلم الذي يراود عقله الباطني، و قد يصل إلى حدٍ يؤمن فيه بأنه ليس من حقه أن يحلم بالحرية وقد يضيع معنى الحرية ويلتبس عليه بين جملة من المفاهيم لكثرة ما افتقدها وبعدت الشقة بينه وبينها، و في هذه الحالة تراه مستكيناً ويعيش حالة من الهوان تقشعر لها أبدان الآخرين أما هو فإنه يتعايش معها ببرود، بل برضى أحياناً، حيث يصل به الاستعباد الذي مورِس عليه والإذلال إلى مرحلةٍ يتم فيها تهجينه حتى يصبح لا يميز بين الأشياء وكأنه تحت تأثير مُنَوِمٍ أو مُخَدِر قوي.

و أخطر ما في هذه المرحلة من فقدان الإحساس أنها غالباً ما تصيب شعوباً بكاملها لا أفراداً وأن تأثيرها قد يدوم طويلاً لكن في المقابل أجمل ما فيها أن الشفاء منها يتم جماعياً عندما تتخلصُ الشعوب من عقدة الخوف وتلاحظ أنها كانت منوَمة تحت تأثير وهميٍ طوال هذه الفترة. وقد يكون محركها للوعيِ عاملاً بسيطاً لكنها عندما تتحرك وتثور من أجل التحرر وتتضح أمامها معالم ما يحدث بكل تداعياته، في هذه الحالة تستيقظ كل أحاسيسها و تمتلئ شعوراً بالقهر و يتراءى لها ما قاسته من ويلات واستبداد وما من قوة وقتَها تقدر على الوقوف في وجه هذه الجماهير الغاضبة والممتلئة وعياً وإحساساً بمتعلميها وأمِييها كلٌ سواسية أمام الإحساس بالظلم وبالكرامة الإنسانية المهدَرة.

مرت شعوبنا العربية بهذه المرحلة من الظلم والقهر وها هي تمر بمرحلة الشفاء منها. و كما انقادت لمرحلة القهر تلقائياً حيث وجدت أنفسها بعد ما تخلصت من المستعمِر الأجنبي ترزحُ تحت مستعمِرٍ من أبنائها يُمارس نفس أساليب المستعمِر السابق.

لقد تأثر حكامنا بالاستعمار لا شعورياً، و خاصةً في البلدان التي أمضى فيها المستعمِر فترة طويلة وظنوا أن الحاكم لا بد أن يُنَكِل بشعبه و أن ينظر إليه نظرة استعلاء لا نظرة خادمٍ لمصالحه و ما هو أخطر من ذلك أن الحاكم - كما كان يفعل المستعمِر تماماً – عليه أن يكون أولَ المنتفعين من خيرات البلد؛ ثلثا خيرات البلد لشخصه وعائلته وثلث للشعب.

وكما انقادت شعوبنا تلقائياً لهذه المرحلة من الحكم الظالم، ها هي ذي تنقاد بسهولة وتلقائياً كذلك لمرحلة الرفض لهذا الظلم الذي رضِيَت به لعقود وهو شيء طبيعي تماماً مثلما حدث بعد فترة الاستعمار حيث توالت ثورات الشعوب وتنامى إحساسها بالاستعمار ورفضها له في فترات متقاربة انتقلت فيها عدوى وتأثير الثورات الشعبية من بلد إلى بلد وتسارعت وتيرتها بشكل ملحوظ مما اضطر المستعمِر لإعطاء بعض الشعوب حريتها دون مقاومة تُذكَر لأنه تيقن أن الوعي بمخاطر الاستعمار قد شاع بين هذه الشعوب ولم يعد بالإمكان بقاء المستعمِر في أيٍ منها.

وأعتقد أن ذلك ما سيحدث في هذه الأيام مع الدكتاتورية والحكم الفاسد في وطننا العربي فها هي الشعوب العربية بدأت تستيقظ من سباتها وتنتبه لمخاطره وتقاومه. وعندما تتحرر بلدان عربية من ظلم حكامها بمثل هذه الثورات الشعبية المتحضرة والواعية لما تريده والتي لا تدع مجالاً للحاكم حتى يراوغ أو يخادع، بل تفرض عليه الانسياق لإرادتها ، لينسحبَ بلا حول منه ولا قوة، عندما تنجح ثورات من هذا القبيل وتؤتي أكلها في بعض البلدان العربية سيضطر ذلك بقيةَ حكامنا إما للانسحاب وإفساح المجال للديموقراطية والحكم الرشيد وإما لبذل أقصى جهودهم للإصلاح. وفي كلتا الحالتين سيكون الأمر في صالح الشعوب وسيكون لها دور في حكم بلدانها واختيار من يصلح لهذا الحكم وهو ما افتقدناه لسنوات كثيرة.

ربما لا تحظى بعض هذه الثورات الشعبية بما يراد لها من نجاح وقد يتم إجهاض بعضها لكنها تظل في غاية الأهمية إذ وضعت حجر الأساس للمقاومة ضد الظلم والاستبداد وفتحت الباب أمام المواطن العربي ليعرف طريقه إلى الاحتجاج والتصدي للممارسات اللا إنسانية التي تمارس عليه من قبل حكامه والتي لا تتماشى مع أسلوب هذا العصر الذي تعتبر الديمقراطية وحقوق الإنسان أكثر كلمتين يتم تداولهما على ألسن أهله.

وفي كل الأحوال ستغير هذه الثورات الشعبية وجه التاريخ وستدخل العالم العربي في عصر جديد يتيح لمواطنيه فرصة الحلم بالحرية وربما فرصة عيشها وسيتحدث التاريخ عن صناع هذه الثورات بشكل مشرف مثل ما تحدث عن الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات الجماهيرية الخالدة.

ميدان الحرية/بقلم فطمة الداه

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox