من عصر الاستبداد ..إلى عصر البوعزيزي وأسماء المحفوظ
الجمعة, 11 فبراير 2011 19:46

أالهادي بن محمد المختار النحويالهادي بن محمد المختار النحويكملت هذه الفقرات دقائق قبيل انهيار وسقوط فرعون مصر...

الاستبداد بأشكاله المختلفة سلوك ومنهج وتقليد عربي بامتياز ليس في عصرنا الحاضر بل منذ عدة قرون .. والاستبداد قد يكون فكريا أو ثقافيا أو اجتماعيا لكن أكثره تأثيرا هو الاستبداد السياسي الذي هو أصل كل أنواع الاستبداد ..

وقد عرّف الكواكبي  الاستبداد لغةً بقوله : " هو استئثار المرء في ما تجب عليه المشاركة فيه " وعرّفه اصطلاحاً بقوله " هو تصرّف فرد في حقوق القوم بلا حسيب ولا رقيب "..

وحسب الكواكبي فإن الاستبداد عند إطلاقه يراد به استبداد الحكومات خاصة...

والكواكبي  عندما يتحدث عن الاستبداد إنما يصف أحوال عصره وطرق الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة وربما لم يكن يخطر بباله أن الاستبداد الذي يتحدث عنه  لن يكون بذلك الوضوح مثلما هو في عهد الجمهوريات "الثورية" و"القادة الملهمين " من عسكر ببزاتهم وبغيرها ... هذه الجملكويات أو " الجمركيات" التي ورثت مرحلة ما بعد الاستعمار وأصمت آذان الجماهير ببشائر الثورة والتغيير والوحدة والعدالة الاجتماعية فإذا بها تحول البلدان العربية من حال سيء إلى أسوأ على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية... وترهن كل بلد لخدمة فرد واحد مع حاشيته وزبانيته .. وتطور منهج هؤلاء القادة الملهمين من الفردية إلى العائلية فأصبحت البلدان العربية ملكية خاصة للحاكم وأفراد أسرته وأصبح التوريث منهجا لا مناص منه "رغبة في الاستقرار وخدمة لمصالح الشعب وغيرة من الحاكم على مستقبل الأمة"...

مخازن الحاكم

تجسيدا لهذا النهج وتكريسا للفردية و"الشخصنة"  أصبح الحاكم هو كل شيء تفصيلا وإجمالا فإضافة إلى مهامه ووظائفه الاعتيادية كرئيس للدولة وقائد للقوات المسلحة ورئيس للمجلس الأعلى للقضاء فهو مفتي المفتين وإمام أئمة المساجد ورئيس رؤساء الأندية الرياضية وهو اللاعب الأول وهو أبرز رجال الأعمال والتجار لكنه أفقر الفقراء وقائد الأمن العام وهو الضامن له وهو قائد الشرطة ورئيس المباحث والاستخبارات ويعرف كل شيء عن الناس وهو رائد نهضة التعليم والصحة والثقافة فهو واضع مناهج التعليم وهو رئيس ومدير جميع المؤسسات التعليمية وهو مدير المستشفيات والمراكز الصحية وهو كبير الأطباء وهو رجل الثقافة وهو مهندس الآثار ومدير المتحف الوطني وهو أمين البلديات وهو نقيب المحامين وهو كبير المهندسين المدنيين ونقيبهم .. وهو كبير المهندسين الزراعيين وهو زارع الصحاري وهو أكبر محارب للفساد وهو موزع الثروة وناشر العدالة الاجتماعية ... وهو رئيس شؤون المرأة وراعي الشباب ومربي الأطفال.. وهو حاضن العجزة وكبار السن ...

وهو حامي حمى الدين بل هو التاريخ والجغرافيا ،بدأ معه تاريخ البلد وينتهي مع نهايته... فما قبله المجاهيل وما بعده فليكن الطوفان..

وما دام الرئيس هو كل شيء فقد فتح مخازن  أو "محميات " أو مناطق محظورة " للحرية لا يخرج منها إلى ما يساعد على حرية الحاكم في إدارة البلد واستبداده وفق هواه ومخزن للتعليم لا يدرس فيه إلى تاريخ وبطولات الحاكم وغذاؤه وما ذا يحب وما ذا يكره  ومخزن الثقافة المخصص لتكريس شرعنة ثقافة الاستبداد ومخزن الابداع الذي لا يحق الولوج إليه إلا لمن يبدع في مدح الحاكم وذم خصومه .. والصحة يتخرج فيها من يرعى صحة الحاكم وأفراد عائلته وحاشيته ... وأهل الزراعة وظائفهم في مزرعة الرئيس.. وعلماء الآثار ليس لهم سوى آثار الرئيس وجماعته.. والمؤرخون ليس لهم سوى كتابة مذكرات ويوميات الرئيس...

والمخزن الكبير هو البلد فهو غنائم  للرئيس وحاشيته .. وما فاض منه للمساكين إنما هو تفضل وكرم من الرئيس لأنه يتصرف في ملكه ...!

وهكذا عكست القاعدة فأصبح الشعب وكل ثروته مكرس لخدمة الرئيس بعد أن كانت مهمته الأساسية هي خدمة البلاد والعباد..

وأصبحت الحرية والأمن وحق الناس في العيش الكريم التي كانت هي الأصل أصبح الكلام عنها تهديدا لأمن "الدولة" والدولة هي الحاكم..

يقول المفكر عبد الرحمن بدوي واصفا ما آل إليه وضع الحريات في مصر ،ومصر هي الصورة الكبرى للبلاد العربية :

( كانت الحرية نعمة .. وإذا بها حكرا جديدا على فرد تحيط به عصابة. كانت الكرامة من أعز ما يعتز به.. فصارت هدفا لكل اضطهاد ومصدراً لكل حرمان وشقاء. كان الأمن على النفس والأموال موفوراً لكل شخص فصار الخوف على كليهما يقض مضجع كل فرد وأسرة. كان النفاق مقصوراً على فئة من الوصوليين وعديمي الضمائر فأضحى خصلة لشعب بأسره يتنافس الجميع في ممارستها ويتباهى بالتفوق فيها. وكان التفريط في أي حق من الحقوق الوطنية خيانة تنهار بسببها الحكومات وإذا بالتخلي عن أكبر الحقوق إنجازاً يتباهى به الحكام. وكانت الهزيمة سنة 1948 كارثة تزعزعت بسببها الثقة في الحكام وإذا بالهزيمة الساحقة الماحقة عام 1967 تحتشد لها جماهير للهتاف بحياة من تسببوا في الهزيمة. وكان النقص في السلع أمراً نادر الوقوع فصار القاعدة. وكانت العلاقات مع البلاد العربية والإسلامية تتسم بالمودة وتبادل المنافع فصارت القطيعة والعداوة هي الصفات السائدة. وكانت حقوق الإنسان مكفولة بالدستور والقوانين فإذا بها تصبح تعطفاً متعالياً من الحاكم على المحكومين.

وكان الاقتصاد يقوم على أسس راسخة وأرقام صادقة وإذا به يصبح أرقاماً بهلوانية يتلاعب بها وزراء لا علم عندهم ولا ضمير يقدمون موازنات زائفة مما أدى بالاقتصاد إلى الإفلاس وتكاثر الديون وانهيار العملة انهياراً متواصلاً.

وكان الإسكان ميسورا في كل مكان وإذا بالملايين لا يجدون مساكن لهم. وكان لكل مواطن الحق في أن يغادر وطنه طلباً للرزق أو للعلم وإذا بالوطن يتحول إلى سجن كبير. وكانت أدوات الثقافة تتدفق في حرية تامة وإذا بها تمنع تدريجياً حتى فقدت الاتصال بمصادر الفكر العالمي)

لكن  الاستبداد ليس بدعة في التاريخ العربي المعاصر فهو قديم قدم تاريخ هذه الأمة وإن كان ظهر في هذا العصر بشكل يكاد يكون لا نظير له في التاريخ فالاستبداد جزء من الثقافة "السلطانية" العربية مع اختلاف المسميات وأساليب التغطية عليها

ولعل هذا ما  جعل  مونتسكيو ( 1689 – 1755 ) يستخلص  أن الاستبداد نظام طبيعي بالنسبة للشرق وهي نفسها الفكرة الأرسطية القديمة , حيث يقول : " للشرق أنظمة سياسية خاصة , لا تصلح إلا له وهي بطبيعتها استبدادية , يعامل فيها الحاكم رعاياه كالحيوانات أو كالعبيد , وللغرب أنظمة سياسية خاصة تجعل تطبيق الاستبداد يهدد شرعية النظام "

ومع أن الإسلام أكّد أن العبادة هي لله فقط رب السموات والأرض , نجد أن الشعوب العربية والإسلامية  , قد قدست بعض خلفائها وجلعتهم في مراتب الآلهة , أو إنهم يحكمون الناس يتفويض إلهي ، كما تتبع ذلك أحد الباحثين , فها هو الشاعر الأموي " جرير " يقول في عبد الملك بن مروان مؤكداً بأن الله حباه الخلافة لأنه أحق بها وأجدر :

ولله قدر أن تكون خليفة خير البرية وارتضاك المرتضي

وتجاوز الأمر عند العباسيين و الفاطميين بأن رفعوا خلفائهم من مرتبة القداسة إلى مرتبة الألوهية , إذ يقول ابن هانئ الأندلسي بدون حرج في الخليفة الفاطمي المعز لدين الله :

ما شئت ما لا شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

وكأنما أنت البني محمد وكأنما أنصارك الأنصار

ندعوه منتقماً عزيزاً قادراً غفار موبقة الذنوب صفوحا

أقسمت لو لا دعيت خليفة لدعيت من بعد المسيح مسيحا

إذن فالعلاقة مع السلطان في الثقافة العربية اختلط فيه الدين بعلم الاجتماع والترغيب والترهيب  فنتج عن ذلك أحقية الرئيس المطلقة في التحكم في رقاب الناس بحجج ومبررات مختلفة فإن عاقب فلأن الناس خرجت على سلطانه الذي لا يجوز لأحد مهما كان أن يعارضه  ولو كان مطالبا بحق مشروع وإن عفا وأصفح فذلك كرم منه وتسامح وإن منح فهي أعطيات وكرم ...

فلا عمل مؤسسي ولا شورى ولا ثقافة إشراك في الرأي..

وهكذا شاركت الشعوب العربية في التواضع مع الحكام على نظام سلمت بموجبه رقابها له بناء على ثقافة إرهاب سياسي واجتماعي، تنسب للدين غالبا...

ولعل رجال الدين أو ما اصطلح على تسميتهم بفقهاء السلطان يتحملون نصيبا وافرا من المسؤولية عندما لبسوا على العوام وأفهموهم أن طاعة ولي الأمر تصل لحد التسليم بكل ما يفعل دون إمكانية الاعتراض باعتبار ذلك يعد خروجا عليه بل وخروجا على الدين نفسه وهو الفتنة بعينها...

وغاب عن هؤلاء جوهر الرسالة ومقاصدها التي تدعو لتحرير الإنسان وعدم استعباده أي كانت طبيعة ذلك الاستعباد  حرصا على كرامته وحريته وسعادته  (ولقد كرمنا بني آدم)..

وهكذا غيب هؤلاء الفقهاء المعاني السامية لهذا الدين وأغفلوا مقاصده العظيمة في الحرية وكرامة الإنسان والعدل ومحاربة الظلم... وأصبح الكلام في هذه الأبواب من باب الإستثناء ومن هنا يتجلى تميز العلامة المقاصدي الشيخ  محمد بن عاشور الذي طرق أبوابا لم تعهد عند أضرابه من الفقهاء فقد تحدث عن الحرية  التي يرى أن من شروطها  أن يأخذ المرء بكل حقوقه وأن يفي بجميع حقوق غيره وأن يصدع بآرائه، كما أشار  إلى الصلة بين حقوق الإنسان، وبين الحرية ... .

وابن عاشور يرى أن هناك علاقة طردية بين تمدد السلطة وحريات الناس.

يقول ابن عاشور: «إن السلطة تحرص على الدوام أن تتوسع وتفرض المزيد من نفوذها، وسبيلها في ذلك تضييق الحريات أو خنقها ووأدها، والناس مدعوون للشكاية والضجيج لإيقاف زحف السلطة والحدّ من سطوتها التي لا تكون إلا على حساب حرياتهم».

نتائج الاستبداد

بعد عقود من رحيل الاستعمار  فإن لسان حال الشعوب العربية يقول ليته لم يرحل ليس حبا فيه وإنما لأن الاستعمار الداخلي الذي حل محله كان أسوأ منه بكثير..

ضاعت فلسطين ورهنت سيادة البلاد العربية لقوى غربية وتراجع التعليم حيث يوجد في البلاد العربية اليوم حوالي 70مليون أمي  وتجد في البلاد أكثر بؤر الفقر والجهل وانتشر المرض وتراجعت الخدمات التعليمية والصحية وأصبح معظم البلدان العربية مرهونة للدائنين الخارجيين أما الحريات السياسية والصحفية فحدث ولا حرج فلا حرية سياسية ولا حرية فكرية ولا حرية تعبير .. وانتشر الفشل على كل المستويات الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتكنلوجي والتصنيعي والأمني واستبيحت بلاد وقسمت أخرى ، ضاعت العراق بعد فلسطين وضاعت بينهما الصومال وانفصل جنوب السودان وانتشرت القلاقل والاضطرابات في بلدان عربية أخرى...

ازدهرت ماليزيا اقتصاديا وأصبحت في مصاف الدول المتقدمة ... ونجحت باكستان في بناء قنبلتها النووية وعرفت تركيا تحولا سياسيا نموذجيا وتصالح الشعب مع دولته التي تعد اليوم إحدى أكبر القوى الاقتصادية الإقليمية .. أما إيران فهي كذلك قوى إقليمية يحسب لها حساب..

أما العرب فلا محل لهم من الإعراب على الرغم من إمكاناتهم الاقتصادية والبشرية .. فذلك حصاد الاستبداد بكافة أشكالها وخاصة السياسي..وغياب الحريات والنتيجة كما يرى خير الدين التونسي 1812ــ 1889 "في حال غياب الحرية في أية دولة، تفقد تلك الدولة الاستقرار، ويغيب عنها الغنى، ويستبد بأهلها الفقر، وتؤثر بالتالي على معنويات البشر"..

فأصبح حال العرب كما يقول بعض المفكرين الغربيين :"هناك شعوب لو اندثرت لن يشعر العالم بخسارة لفقدهم"..

الحصاد والخيبة

لم يكتف الاستبداد السياسي العرب باستخراب الدول العربية من الداخل فالحالة العامة في معظم الدول العربية تتميز بتصحر ثقافي وجفاف فكري وتخلف اقتصادي وفساد سياسي وأكمل الاستبداد بتهيئة الظروف المواتية لهجرة العقول فقد قالت منظمة العمل العربية في تقرير أصدرته قبل سنوات قليلة ان العلماء يشكلون نصف المهاجرين إلي الدول الغربية في حين أكد تقرير المنظمة حول هذا الموضوع أن الاستبداد السياسي والتدخل الحكومي في شؤون الجامعات بالدول العربية وانعدام حرية البحث العلمي تشكل الدوافع الأساسية للهجرة.

وجاء في دراسة لمركز الخليج للدراسات الاستراتيجية صدرت في مايو/ايار 2004 أن الدول الغربية الرأسمالية، استقطبت ما لا يقل عن 450 ألف من العقول العربية، وأن الوطن العربي يسهم بـ31% من هجرة الكفاءات من الدول النامية إلى الغرب الرأسمالي بنحو 50% من الأطباء و23 من المهندسين و5% من العلماء من العالم الثالث.

مصر الخاسر الأكبر

ويؤكد تقرير مركز دراسات الدول النامية بجامعة القاهرة الصادر في 2006 أن الاستبداد السياسي ونظم التعليم الفاشلة وراء هجرة العقول وأن عدد الكفاءات المصرية المهاجرة للخارج بلغ 824 ألفا حتي عام 2003 ويكشف هذا الرقم الخطير المأساة التي تواجهها مصر والكارثة المحدقة بتطورها نتيجة هجرة عقولها المتميزة للخارج حيث أن عددها الكبير في أهم التخصصات الحيوية والاستراتيجية.

شكرا للبوعزيزي ولأسماء محفوظ

لم يترك الاستبداد السياسي في تونس كما هو الحال في معظم "الجمركيات" العربية للبوعزيزي من أفق للحياة الكريمة سوى  البنزين واللهيب الحارق، فالفقر أغرقه والبطالة قيدته والاستبداد الأمني أغلق كل الأبواب أمامه، فاغتالوا كرامته  بعد أن سرقوا قوته..فانطلقت الشرارة نارا وزيتا  وانهار النظام البوليسي ولم تنفعه شرطته ولا استخباراته ولا حرسه ..وضاقت عليه الأرض بما رحبت..

وهكذا انتظم شباب مصر الأبطال الذين عانوا مما عانى منه البوعزيزي واستجابوا لرسائل أسماء محفوظ ومبادرته الثورية ...فانهارت الدولة البوليسية في يوم أو يومين  واتضح للجميع أن الظلم لا يركن إليه.

واتضح في النهاية أن المسألة صراع إرادات بين شعوب تريد الحرية والكرامة وبين رؤساء مستبدين يريدون الكرسي والنجاة بجلودهم مهما كان الثمن وليكن أنهارا من دماء أهل تونس أو مصر... كان شعار الحكام : أنا والطوفان من بعدي..

نهاية الطغاة

هرب الأول وتلاه فرعون مصر بعد أن حاول بكل ما أوتي من وسائل التمثيل أن يراوغ .. استجدى وذكر شعب مصر ببطولاته الزائفة وإن صحت فقد محاها بالعمالة .. رهن مصر وكرامتها وعزتها للأمريكان واليهود وخنق أهل فلسطين وأرهب أهل فلسطين وشارك في تدمير العراق..

فشكرا للبوعزيزي إذ بدأ كتابة تاريخ عربي جديد  ... إنك فعلا صاحب عزة وكرامة

وشكرا لشعب تونس وجيش تونس ...

وتحية لأسماء محفوظ تلك الطالبة المصرية الرائدة التي فتحت سماء الحرية و أبدعت في تحريك الثورة المصرية..

وشكرا لشباب مصر ورجال مصر ونساء مصر جيش مصر .. شكرا لهم إذ أعادوا لمصر مكانتها وريادتها ... مصر الحضارة ... مصر الريادة والقيادة .. مصر قائدة الأمة وملهمتها ..

مع تحية خاصة لشهداء الثورتين في تونس ومصر.. رحمهم الله جميعا ورضي عنهم وأرضاهم..

إنه تاريخ يتخلق ... تاريخ عزة الأمة وكرامتها...إنه عصر ميادين الحريات..

كلمة إلى باقي رؤساء "الجمركيات "

نصيحتي لكم أن تقولوا شكرا للبوعزيزي ولشباب ورجال ونساء وجيش تونس وقولها كذلك لأسماء محفوظ ولشباب ورجال ونساء وجيش مصر فقد منحوكم فرصا ذهبية للتصالح مع شعوبكم ولعل المطلوب أصبح واضحا لا يحتاج إلى توضيح واللبيب من يفهم بالإشارة..

صفات الإمام العادل

وبهذه المناسبة واختصارا للطريق أهديكم صفات الإمام العادل كما حددها خبير , وجل صادق, سريرته كعلانيته لا يقول إلا ما يفعل ,إنه الإمام الزاهد ,أحد سادة التابعين سيدنا الحسن البصري , ينقل هذه الصفات لمن يعرف أنه أكثر حرصا عليها , ينقلها للخليفة الخامس أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حفيد أمير المؤمنين الفاروق .

يقول الحسن معرفا بالإمام العادل : " الإمام العدل ,يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على أولاده يسعى لهم صغارا ويعلمهم كبارا يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته , والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها , حملته كرها ووضعته كرها , وربته طفلا , تسهر بسهره وتسكن بسكونه , ترضعه تارة وتفطمه أخرى , وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته...

ويزيد الحسن البصري في تبيان  صفات الإمام العدل : " ... والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وعباده, يسمع كلام الله ويسمعهم , وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم . . . " .

فلا ناصر لكم أيها الحكام ،بعد رب العالمين ، إلا العدل والإحسان إلى الرعية وخدمتها وهذا واجب عليكم وليس منة أو تكرما منكم..

يقول الإمام الحضرمي المرادي في كتابه الذي سماه "الإشارة في تدبير الإمارة" الذي أراده منهجا سياسيا لدولة المرابطين: فوصف فيه العدل بأنه " أنصر من الرجال وصاحبه له فضائل أربع : الأجر والثناء والنصر والبقاء" ويضيف المرادي مكملا مزايا العدل : " إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة فليبشر ساكنها بالعز والعمارة".

أما إذا نطق الظلم فلن تجد الطائرة أين تحط هذا إن هي أقلعت أصلا ، فهل من معتبر  قبل فوات الأوان؟

بين خاتمتين ...

تأملوا ، أيها الرؤساء ، في مآل ابن علي وقد عرفتم حاله ونهاية فرعون مصر وقد حصد ثمار عمالته.. وبين حال عبد الرحمن سوار الذهب الذي يعيش معززا مكرما في بلده وقد كسب احترام الشعوب العربية ويسافر حيثما شاء دون وجل أو خوف من مذكرة توقيف أو متابعات قضائية أو قانونية ..

أما مهاتير محمد فتلك مدرسة نجاح متكاملة لمن أراد أن يستفيد منها : نجاح سياسي واقتصادي واجتماعي وفكري وخروج مشرف من السلطة .

يقول الدكتور محمد السيد سليم معبرا عن انطباعه عن جوانب التألق في شخصية مهاتير محمد في السطور التالية:

"لم يعد هناك خلاف في الفكر العربي حول أن مهاتير محمد هو أحد عظماء آسيا في القرن العشرين بالنظر إلى ما حققته تجربته التنموية في ماليزيا خلال ربع القرن الأخير، وقد كان مشهد خروجه من السلطة بإرادته رغم أنه كان زعيم حزب الأغلبية في البرلمان الماليزي، هو أحد المشاهد التي صدمت المثقفين العرب. فقد خرج الرجل من السلطة برغبته وبكل وقار واحترام، وأصبح مهاتير محمد اليوم الحكيم الذي يرجع إليه قادة بلاده ويستنير بآرائه كثير من قادة الرأي في آسيا وأفريقيا. "ويضيف الدكتور محمد سليم : بيت مهاتير بلا ماء ولا كهرباء

“.... هناك تكمن عظمة الرجل، فهو لم يستفد من السلطة رغم جذوره الفقيرة، بل بالغة الفقر، وقد زرت البيت الذي ولد فيه في آلوستار والذي يفتقد كل مقومات الحياة المدنية الحديثة بما في ذلك الماء والكهرباء. "

ويذكر الدكتور سليم انه حضر مؤتمرا نظم حول فكر مهاتير محمد، تحدث فيه مرتجلا، فكان مرتب الأفكار، حاضر الذهن رغم أنه قد وصل إلى سن الثمانين، ... وفي نهاية كلمته عبر عن أسفه لعدم التمكن من الاستمرار في الحفل ، إذ انه على موعد للسفر إلى اليابان في الصباح الباكر لإلقاء محاضرة في أحد المنتديات اليابانية. ... هكذا يكون الزعيم السياسي وإلا فلا."

فأيهما أفضل منهج الطغاة الذين يحصدون الخيبة والهوان والذل والضياع أم الناجحون الذين جاؤوا للسلطة  لتقديم ما في وسعهم لبناء مجتمعاتهم  ثم الخروج بصورة مشرفة..

فالاستبداد مرتع وخيم عاقبته بلطجيات وانهيار غير سلس للنظام وذل في الدنيا وخسران في الآخرة...

 

من عصر الاستبداد ..إلى عصر البوعزيزي وأسماء المحفوظ

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox