تاريخ ما بعد سقوط مبارك
الأحد, 13 فبراير 2011 11:03

كتبه:الشيخ سعد بوه بن محمد الهادي

خلال عقدين من الزمن (العقد السابق والذي قبله) شهد العالم أحداثا جسيمة كان لها الأثر في توجيه بوصلة قطار التاريخ السائر على سكة الأحداث المتغيرة .

بدأ ً بأحداث سقوط "جدار برلين" مرورا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر  وليس انتهاء  بأحداث سقوط الهرم المصري الكبير (حسني مبارك).

ذلك أنه لم يكن أحد وخلال العقد قبل الماضي يتصور ـ لا من الألمان ولا من غيرهم ـ أن جدار برلين  الفاصل ما بين الألمانيتين وما يحمله من دلالات  قابل للإهتزاز فضلا عن كونه قابلا للسقوط .

ولكن عندما سقط الجدار بالفعل في العام 1991 أدرك الألمان حينها ومن بعدهم بقية العالم أنه لا يوجد شيء عصي على "السقوط" وأن وجه التاريخ متلون دائما وليست له ملامح ثابتة ، وأن سياسة الأقطاب المتعددة قابلة للزوال ، و أن ألمانيا الجديدة لم تعد كما كانت في السابق (محل تنازع) بين قطبين .

فقد غير ذلك الحدث التاريخي  أشياء كثيرة ـ ليس بالنسبة لألمانيا المعنية الأولى بالحدث فحسب ـ  بل بالنسبة للعالم أجمع..

لقد غيرت حادثة "السقوط" تلك ، كل شيء في العالم حتى قواميسه اللغوية التي لم تعد  تحتوي على مصطلحات من مثل "ألمانيا الشرقية" و "ألمانيا الغربية"..

نعم غير حدث "سقوط" جدار برلين العالم بأسره ، وأرَّخ لمرحلة جديدة  في تاريخ العالم الحديث ،  ليس  فقط  لأنه وحد ألمانيا الشرقية بأختها الغربية ، ولا لأنه كان السبب في استغلال دول واحتلال أخرى  ، فضلا عن مساهمته  في تغيير سياسات دول  وإرغامه أخرى على مراجعة مواقفها ، ولكن لأنه جعل العالم يفيق على  نفسه وهو يسير في جنازة قطب "متجمد" كثيرا ما اعتقد أنه ملكي لا يموت  وأن صورته الوردية  تظل ثابتة لا تغيب  ، وأن آياته العلي ستظل تتلى على العالم  بكرة وعشيا ..!

ما يجعلنا نتساءل ـ ولو من باب الفضول ـ عن ماهية  جدار برلين هذا الذي بسقوطه تغيرت سياسات العالم وأزيحت دول عظمى من على خشبة المسرح العالمي مفسحة  المجال أمام أخرى  للصعود ؟؟

بعد سقوط ألمانيا النازية عام 1945 وتقسيم برلين إلى أربعة أقسام، (القسم الانجليزي والقسم الأمريكي  والقسم الفرنسي والقسم السوفيتي.

ظهرت عام 1949 على الخارطة السياسية دولتان جديدتان هما جمهورية ألمانيا الديمقراطية وجمهورية ألمانيا الاتحادية ، وأعلنت برلين الشرقية عاصمة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية عندها بدأ الألوف من الناس يغادرون جمهورية ألمانيا الشرقية في اتجاه جارتها الغربية  .

ولأجل الحيلولة دون وقوع هجرة جماعية قرر السوفييت إنشاء ما بات يعرف لاحقا  "بجدار برلين .

وفي الواقع لا يعدو جدار برلين عن كونه عبارة عن  سور مصنوع من الخرسانة المسلحة المحيطة بالأسلاك الشائكة والأسلاك التي يمر بها التيار الكهربائي ، ويبلغ طول الجدار 106 كيلومتر  تضم 300 مركزا للمراقبة و 22 مخبأ. ويقطع  الجدار 97 شارعا في المدينة و6 فروع لمترو الانفاق وعشرة أحياء سكنية.

ولكن هذا ليس هو ما جعل سقوطه يغير العالم ،  بل إن الرمزية التي كان يحملها جدار برلين هي التي جعلت لسقوطه  أهمية خاصة .

ففي القديم كان الناس في الغرب يرددون مقولة " "أن التاريخ يعيد نفسه"" و" أن الشعوب هي التي تصنع التاريخ" ولعهم محقون في ذلك ، فما يقرأ الآن بين سطور الأحداث الحالية يوحي بذلك .

حيث إن سقوط "الرئيس مبارك" لا يعدو كونه إعادة للحظة من التاريخ شبيهة إلى حد ما بلحظة سقوط جدار برلين.

ذلك أن الرئيس "مبارك" ليس كما يصوره الإعلام  ( رجل  حكم شعبه  بالحديد والنار ، عبر تزوير الانتخابات وكبتِ الحريات ومصادرة الآراء.. ثم كانت عاقبته "السقوط" كعاقبة أي دكتاتور..) !

الأمر في نظري أكبر من ذلك بكثير، فسقوط  مبارك ابن الثمانين جاء بعد مضيه ثلاثين سنة في الحكم ، وهو ما يساوي  نفس المدة التي قضاها جدار برلين واقفا بين الألمانيتين قبل أن يسقط في العام 1991م

كما أن سقوط مبارك لا يشبه سقوط أي دكتاتوري في العالم ،  ذلك أن لهذا السقوط  دلالة ورمزية خاصتين ، قد لا تقلان أهمية عن  الدلالات التي كان يحملها سقوط جدار برلين  على الأقل من حيث التوقيت والأبعاد  ..

لقد جاء سقوط مبارك في لحظة دقيقة تحاول فيها  الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها من حلفائها أن تسل أقدامها من وحَل حربين استنزافيتين بالنسبة لها  ولحلفائها.

ما يذكرنا بالأيام القريبة من سقوط جدار برلين حينما كانت القوات الروسية تحاول سحب ما تبقى من أرتالها  من ميدان المعركة في أفغانستان أواخر العام 1989م

كما يأتي سقوط "مبارك" المدوي في وقت يشهد فيه العالم العربي أُُفُول نجم ما يعرف "بمحور الاعتدال" ، وذلك بعد ما نجحت المعارضة اللبنانية (المنتمية إلى محور الممانعة) ـ وقبل أسابيع فقط من سقوط مبارك ـ في تأمين غالبة لها في أعضاء البرلمان ، كما نجح الشعب التونسي في قلب الكفة الثانية من نفس الميزان  (الرئيس زين العابدين) وإرغامه على الفرار نهارا جهارا.

ما يعني أن "تاريخ ما بعد الحادي عشر من فبراير" سيكون مختلفا ـ لا محالة ـ عن تاريخ ما قبل سقوط مبارك .

لقد سقط جدار برلين في العام 1991 وبسقوط جدار برلين سقطت الانبراطورية الروسية المتمثلة في الإتحاد السوفيتي  ، أما اليوم وقد سقط "الهرم المصري" فهذا يعني أن امبراطوية قد بدأت تنهار  ، وأن لحظة تشييع جثمان ما يعرف "بمحور الإعتدال" قد بدأت بالفعل ما يعني حتمية تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة وإعطاء القوس لباريها الأصلي (الشعب العربي) الأمر الذي سيلقي بظلاله لا محالة على ملامح الأوجه القادمة لحضور القمة العربية.

تاريخ ما بعد سقوط مبارك

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox