| مستبدون... لا يقرؤون و لا يفهمون! |
| الاثنين, 14 فبراير 2011 19:25 |
|
بَـيـد أن مشكلة بن علي و مبارك أنهما لم يفكرا كالحكام، بل إن قُصور النظرِ لدى كليهما جَلِي كالشمس رأد الضحى... و لنبدأ بدكتاتور تونس، فقد ظل يسوم شعبه سوء العذاب طيلة أربع و عشرين سنة، و لم يفكر يوما في أن يقرأ ما بين السطور ليكتشف الشحنة الرمزية الهائلة التي يحملها النشيد الوطني لبلاده. و قد كان "الظالم المستبد" لا يسمح بمثقال ذرة من أشكال التعبير الحر، في حين غفل تماما عن حقيقة أن النشيد الوطني يُسهب في دعوة الشعب – مستخدما ياء النداء – لحب الوطن و الموت من أجله، و يرسم للشعب خُطط الانتصار: حماة الحمى يا حماة الحمى **** هلموا هلموا لمجد الزمن و هي دعوة صريحة للتغيير و للسعي نحو الأفضل، و قد استخدِم فيها فعل الأمر مرتين، لحث الناس على عدم الخنوع و الإستكانة لقد صرخت في عروقنا الدماء **** نموت نموت و يحيا الوطن و هذا البيت يوضح أن التونسيين الأحرار وصلوا إلى مرحلة لم يعدوا معها مستعدين لقبول المزيد من العسف و هضم الحقوق، فصاروا على أتم استعداد للموت في سبيل حياة الوطن إلى عز تونس إلى مجدها **** رجال البلاد و شبانها لا حظ أن التوانسة مدعوون هنا إلى "عز" تونس، و من الغريب أن "البوعزيزي" هو من أشعل الثورة، و كأن اسمه مُشْـتَـق من العزة القعساء! ثم إن البيت يختم بدعوة شبان تونس، و هم المعول عليهم في أنجاح الثورة... فلا عاش في تونس من خانها **** و لا عاش من ليس من جندها و كأن الخطاب موجه إلى بن علي، فـيَوم تتحرر تونس لن تجد لك مكانا فيها، بل عليك الخروج صاغرا ذليلا و أخيرا يبين النشيد حتمية انتصار الشعب، حين يثور عن بكرة أبيه: إذا الشعب يوما أراد الحياة **** فلا بد أن يستجيب القدر و لا بد لليل أن ينجلي **** و لا بد للقيد أن ينكسر و هذا ليس ما يوده "الظالم المستبد" في تونس، فهو لا يود لليل أن ينجلي، فحاله كما قال الشاعر: فَـوَدَّ الليل زِيد عليه ليل **** و لم يُخلق له أبدا نهارُ! أما بخصوص مبارك، فقد فشل أيضا في قراءة الشحنة الرمزية الهائلة داخل النشيد المصري، كما أخفق في فك شفرة رموز أخرى عديدة، فالنشيد يقول: بلادي بلادي بلادي **** لكِ حبي و فؤادي الواضح هنا أن المصري سيقدم نفسه رخيصة يوم تحتاج إليه مصر، و هو إنما يدخر نفسه "ليوم كريهة و سداد ثغر". و يمضي النشيد قائلا: يا بلادي عيشي حرة **** و أسلمي رغم الأعادي و هذه دعوة واضحة إلى تحرير البلاد، ليس من نَـيْـرِ العدو الخارجي فقط، و إنما من رِبقة المستبد الداخلي كذلك، و لذلك جاءت "الأعادي" بصغة الجمع... ثم إن نظام مبارك لم يستوعب الدرس عندما صرح الشباب المصري "كلنا خالد سعيد" ، و هو ما يعني أن الشعب "خالدٌ" أي باقٍ بعد النظام، و "سعيد" أي حر طليق يَنعم بالرفاه الإجتماعي... ثم إن "فرعون" مصر لم يدرك على ما يبدو المعنى الحرفي لكلمة "القاهرة" التي طالما قهرت الجبابرة، و لا لماذا اختار الشعب الإعتصام في "ميدان التحرير" يوم النفير... و خلاصة القول إن الديكتاتورية في تونس و مصر لم "تفهما" أو "تدركا" مغزى الكثير من الرموز، فهما بامتياز من جنس العرب "الذين لا يقرؤون، و إذا قرؤوا لا يفهمون"!
إسلم ولد محمد الكبير * Isselmou10@hotmail.com *كاتب مقيم في الولايات المتحدة |
