| الجيش يريد إسقاط الثورة |
| السبت, 19 فبراير 2011 17:00 |
سيد أحمد الخضر *
إنه لمن المفارقات أن ننعت قادة دول المنطقة بالعمالة والاستبداد واللصوصية في ذات الوقت الذي نحمد فيه الجيوش بما لم تفعل ونقول زورا وبهتانا إنها سند للمواطنين وعون لهم ومن الطبيعي أن تنحاز لخياراتهم في الأوقات العصيبة.. وكأننا نسينا أن الرؤساء أغلبهم إن لم يكونوا كلهم استولوا على السلطة بقوة الجيش ثم أعانهم على البقاء فيها عقودا من الزمن وفي بعض الحالات ضمن انتقالها منهم لأبنائهم.. كيف يتناسى الذين يعزفون موسيقى الجيش حاليا أن الضباط الكبار يملكون من الثروات أكثر مما يملكه رجال الأعمال، وبدل الإعداد للحروب يستثمر الجنرالات في الاتصالات ويشترون الأسهم في البورصات العالمية.إن جيوش المنطقة العربية مثل شرطتها وصحافتها وأحزابها لا تتقن إلا مهمة واحدة هي خدمة الاستبداد والتمكين للطغاة في رقاب العباد ومقدرات البلاد، وليس من الإنصاف أن نتغنى بجيوش لم تجلب على مدى تاريخها الطويل إلا العار ونرفض توبة الشرطة التي يتظاهر ضباطها يوميا للإعراب عن ندمهم على ما فات.يكفي أن تعود للأحداث الأخيرة لتكتشف أن الجيوش العربية ليست سوى نصير للحكام الفاسدين وفي اللحظات التي يتهاوى فيها جهاز الشرطة تصمد الجيوش حتى توفر للرؤساء الملاذ الآمن وتمنحهم الفرصة لتحويل ما سرقوه من ذهب وفضة. هذه بطولات الجيوش التي يتحدثون عنها.. في تونس التي شهدت أول ثورة في تاريخ العرب وأعظم ثورة في التاريخ الحديث لم يحرك الجيش ساكنا عندما أثخنت شرطة بن علي في الشعب فقتلت المئات في أسبوع واحد، وعندما يئس المخلصون من إنقاذ النظام من شباب الثورة المجيدة وجد الجيش نفسه معنياً بتهريب الطاغية وعشيرته. ثم خرجوا علينا ليقولوا إن الجيش كان حاميا للثورة ولم يقتل المواطنين! أرأيتم هذه السخافات.لكن الدعاية للجيش كانت أكثر وقاحة في مصر منها في تونس حيث اختار المثقفون والإعلاميون التطبيل والتزمير للجيش دون أن يتخذ موقفا واحدا يستحق الذكر أحرى عن التخليد. قالوا إن الجيش اختار مؤازرة الشارع فمكّن للثورة إيماناً منه بخدمة الوطن والمواطنين. كبرت كلمة تخرج من أفواههم، فقد تابعنا الأحداث لحظة بلحظة ولم يكن الجيش إلا خادما لحسني مبارك حتى الرمق الأخير. كان ذلك جليا في موقعة الجمل حيث عاثت عصابات الحزب الوطني فسادا في ميدان التحرير وقتلت العشرات من أبطال مصر الحقيقيين أمام أعين الجيش ودبابات الجيش، وحتى بعد أن تأكد الضباط من رحيل سيدهم تمسكوا بالولاء له فأكد البيان الثاني للقوات المسلحة أنها ستضمن تنفيذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس محمد حسني مبارك! وفي اللحظة التي انتظرها الجميع اختار الجيش أن يُهين المصريين وملايين الأحرار الذين وقفوا إلى جانبهم، فقال سليمان إن الرئيس قرر التنحي وكلف القوات المسلحة بإدارة البلاد! من هو الرئيس حتى يقرر أو يكلف؟ لقد انحازت القوات المسلحة لكبرياء مبارك على حساب شعب مصر العظيم فبخلت عليه حتى بتعبير لائق.. لقد كان المناسب هو القول إن القوات المسلحة استجابت لمطالب الشعب فقررت خلع الرئيس، وإن كنا نعرف أن الشعب هو من خلعه وليس الضباط المدجّنون. ولعل هذا أهون ما في الأمر فالمصيبة هي أن الجيش يريد إسقاط الثورة من خلال الإصغاء للخارج فقط وتجاهل مطالب المصريين الذين لا يرضون بأقل من ملاحقة مبارك وإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق سراح السجناء السياسيين.
sidhadee@hotmail.com*كاتب موريتاني في جريدة العرب القطرية |
