| أوراق سيف القذافي الفاسدة |
| الاثنين, 21 فبراير 2011 13:29 |
أحمد ولد الوديعة
نحن في زمن جديد بالمرة يعجز الحكام المعتوهون ، وأبناؤهم المغررون عن مجرد " فهم " مفرداته فتتحول محاولاتهم للتعاطي معه إلى مادة رائعة للتسلية تتبادلها الأجيال الجديدة التى تقودالثورة اليوم على الهواتف المحمولة وعلى صفحات الفيس بوك كجزء من " المادة الترفيهية" التى يخفف بها الشباب الثوار عن أنفسهم في مواجهة ديناصورات الاستبداد. ومن هذه المواد التسلوية النادرة الكلمة الخائرة التي ألقاها نجل الدكتاتور المعمر مساء أمس،تلك الكلمة التي يستحق فى الحقيقة عليها تقديرا خاصا منا معاشر المناضلين ضد الاستبداد لكونها تعتبر وثيقة نادرة عن الطريقة التي يفكر بها الجيل الأكثر حداثة من المستبدين في عالمنا الإسلامي، هذا الجيل الذى انفق الكثير من الأموال فى الدعاية خلال السنوات الأخيرة ليظهر نفسه على أنه جيل التحديث والتنوير والتنمية والتطوير ،فالقذافي الابن الذي يشار إليه باعتباره مهندسا ومصلحا حداثيا ظهر في كلمته محاولا اللعب على مجموعة من الأوراق المهترئة الفاسدة التي تفضح طريقة هؤلاء فى التفكير، وتؤكد أن الثورة على هؤلاء هي بالفعل فرض عين لتحرير الأمة من خبلهم واستهتارهم، كما أفتى بذلك شيخ التحريرين ومجدد العصر الشيخ يوسف القرضاوي - فالقذافي الإبن الذى كان يراد له أن يكون قائد "الجماهيرية الثانية" ظهر فى" خطابه الأول" زعيم عصابة بامتياز يهدد شعبه ويقول إما أني وأبي وإما الفوضى إما أن تقبلونا دولة بينكم، أو فاستعدوا لأربعين سنة أخرى من الذل والفوضى، وبلغت بالمستبد الصغير الوقاحة درجة مساومة الناس على أرزاقهم حين قال إنكم لن تجدوا خبزا ولاماء عندما تخلعوننا ولن يكون بإمكانكم حتى الاستفادة من النفط بل سترجعون فقراء كما كنتم، وسيعود لكم الاستعمار، وسيغزوكم العرب والأفارقة، وستخلدون مشتتين وسنقاتلكم أنا وأبي وزمرتنا حتى آخر رمق، إن ابي الآن يقود المعركة ضدكم ونحن قبائل ولدينا السلاح.. أنتم بإختصار أمام خيارين إما أنا وإما الطوفان لم يشبع هذا المستبد بالوراثة من أربعين سنة من الدوس على الشعب الليبي وحكمه بالفوضى والاستهتار ومنطق اللامنطق، وجعله مختبرا للتجارب والنظريات المراهقة والشاذة، بل إنه يحاول عبثا أن يبث الرعب فى صفوف هذا الشعب فى محاولة يائسة للوقوف فى وجه مفاعيل الثورة بطريقة بلطجية غبية تماما كما حاول سلفه " اللامبارك" أن يوقف الثورة بالحمير والبغال والبعران في ميدان التحرير، والأكيد أنه كما سقطت غزوة البعير أمام صمود الشعب المصري، ستسقط غزوات سيف القذافي وسفاحيه ومرتزقيه.
- ولأنه في سبيل بقاء حكم العائلة كل شيئ مباح لم يكن لدى القذافي الإبن أي مانع أن يلعب بورقة الوحدة الوطنية فيحرض أهل الغرب على أهل الشرق، ويبدو غير متحسر على انفصال جزء من الوطن ما دام أنه لايوجد فيه نفط ولاثروة،وأن يظهر أيضا سخيا في وعوده "بلامركزية كبيرة تكون فيها كل الصلاحيات للولايات والمحافظات أو ما شئتم المهم هو أن تقبلوني أنا أو أبوي حكاما عليكم، ونحن جاهزون لنغير لكم كل شيئ اسم البلاد وعلمها ودستورها وربما حتى دينها وهويتها وسنطعمكم من جوع ونأمنكم من خوف، وسندفع القروض الميسرة للشباب". يحيلنا انكشاف الخطط التفريقية لنجل العقيد الليبي بما تكشف فى مصر خلال وقائع الثورة المصرية من تورط النظام المصري فى تفجير كنيسة القديسين، ويفتح الأمران أعين من كان يحتاج لذلك على حقيقة أن هذه الأنظمة المستبدة الحاكمة فى بلادنا ليست فقط خطرا على الحريات والحقوق الأساسية بل إنها أيضا خطر على الوحدة ليس من منظور أنها تدفع بعض سكان الهوامش على التمرد بل لأن هذه الأنظمة – حتى منها تلك التى ترفع شعار الوحدة العربية أو الإفريقية – ضالعة فى تغذية عوامل التفرقة باعتبار ها واحدة من ورقات التوت التى تجعل الشعوب قانعة بأنه ليس لها من خيار أن لاتقبل بحكمهم الأبدي لأن البديل سيكون انفصال و الجنوب أو الشرق أو الشمال، أو البربر أو الأقباط أو الأكراد أو الزنج. لقد سقطت كل الشعارات التى رفعتها هذه الأنظمة ونالت بها جزء من المصداقية، ضاعت الأرض ، وديس العرض ومزقت الوحدة ونهبث الثروة،وقمعت الحريات، فلم يبق إلا أن تأخذ الشعوب الأمور بيدها وتضع أسس دول جديدة الشعب فيها حاكم، والحاكم أجير ورقة خاسرة ثالثة حاول نجل القذافي اللعب بها على الطريقة التقليدية لسلفية بن على وحسنى امبارك، وهي الورقة الإسلامية حين حاول أن يقول للعالم وخاصة جيران المتوسط إما " خيمتنا نحن" أو ستقوم لكم الإمارات الإسلامية على بعد كذا دقيقة من القاعدة الأمريكية وكذا ساعة من الشواطئ الإيطالية، وإضافة إلى ما يحمله اللعب بهذه الورقة من تناقض مع الروح الوطنية والثورية التى ظهرت في فقرات أخرى من الخطاب حيث إنها تظهر أن " الثائر القذافي" يستجدى الأمريكيين والطليان لحمايته من شعبه، ويحرك لهم الفزاعة الإسلامية ، إضافة إلى ذلك فقد أصبحت هذه الورقة فاسدة من أكثر من وجه فهي فاسدة لأن الثورة الحاصلة الآن فى البلدان الإسلامية ليست ثورة حركات إسلامية وغن كانت هذه الحركات جزء أساسي منها بل إنها فى البدء والمنتهى ثورة شعوب قررت أن تنفك من ربقة الاستعباد. وهي فاسدة لأن الحركات الإسلامية بلغت مرحلة من النضج جعلها تدرك أنه ينبغى تفويت الفرصة على هذه الفزاعات من خلال التأكيد على شعار الحرية والديمقراطية، وتكريس النضال على إقامة دول العقل والقانون فى أوطاننا الإسلامية، وقد قدمت الحركتان الإسلاميتان فى تونس ومصر نماذج رائعة من هذا التحول الواعي فى الخطاب السياسي للحركات الإسلامية، بما كان له دور أساسي فى بلوغ الثورة فى البلدين مداها، ولاشك أن الحركة الإسلامية فى ليبيا سائرة على نفس الخط . وهي فاسدة ثالثا لأن الغرب الذى كانت تسوق له هذه البضاعة لم يعد هو الفاعل الأساسي فيما يجري فى منطقتنا بل إن حركة الشعوب تجاوزته وحولت قادته واجهزة مخابراته ومراكزدراساته لأول مرة إلى موقع ردة الفعل، وقد تابعنا جميعا كيف لهث الفرنسيون وراء الثورة التونسية، ولهث الأمريكيون وراء الثورة المصرية، ونحن نتابع اليوم كيف يلهث العجوز الإيطالي الضليل وراء ثورة أحفاد عمر المختار. الحقيقة التى يعجز الحكام العرب عن فهمها أو يفهمونها بصعوبة بعد أن يفوت الآوان هي أن زمنا قديما انتهى وزمنا جديدا أطل، وكل خفافيش ذاك الزمان.. إلى ضوء هذا الزمان الأجل أتت لتموت جميعا جميعا.. ويبقى الرجال رجال إنه زمن الثورة ومفاعيلها العاتية لايجدي معها التهديد ولا الوعيدولا الترغيب، ولا الترقيع ولاالتصليح حتى ثمة فعل واحد يفيد في مواجهتها إنه فعل الرحيل أو إن تعذر ربما يمكن اللجوء إلى بديل عنه هو " الترحيل. |
