| فكر القذافي... تغيير في الأسماء وابتداع في الدين وتزييف للتاريخ |
| السبت, 26 فبراير 2011 11:23 |
|
بعد أن سقط مبارك وابن علي ، هاهي الدائرة تدور على العقيد القذافي الذي حكم ليبيا أكثر من أربعين عاما. وهي في الطريق لتدور على العقيد صالح حاكم اليمن. يمتاز القذافي بين هؤلاء الحكام بأنه يعاني جنون العظمة، الذي خيل إليه أنه مفكر عالمي، رغم أنه لا يمتلك أي مؤهلات علمية. ولما كان كذلك فإنه يعوض عن عجزه عن الإبداع يلجأ إلى سرقة أفكار الآخرين، وتغيير أسمائها، وإلى الابتداع في الدين .فعلى سبيل المثال أعلن "المفكر العالمي" معمر القذافي عن "النظرية العالمية الثالثة" التي حلت مشكلة السلطة في رأيه، والتي ضمنها كتابه "الأخضر. وأعلن من خلالها عن إيجاد ما سماه بالنظام الجماهيري الذي يحل محل النظامين الملكي والجمهوري، وفيه يستلم الشعب مباشرة السلطة والثروة عبر المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، لأن التمثيل تدجيل. غير أن هذا النظام في حد ذاته ليس جديدا، ولا يحمل أي إبداع. فهو مجرد استنساخ لنظام الحزب الواحد المعروف في العالم الثالث، وهو صورة من نظام مجالس السوفيات الذي سبقه إليه لينين. فمؤتمر الشعب العام هو مجرد مؤتمر للحزب الواحد يسميه بغير اسمه، وليست المؤتمرات الشعبية الأساسية سوى فروع للحزب الحاكم، وهي أشبه ما تكون بلجان "هياكل تهذيب الجماهير" سيئة الصيت. أما الديمقراطية المباشرة فلا تحمل من مفهومها سوى الاسم، لأن الشعب في المحصلة لا يتولى السلطة مباشرة، وإنما يتم تمثيله ـ شكليا ـ عبر المؤتمرات الشعبية، في حين أن الديمقراطية المباشرة تعني ـ في جانبها الطوباوي ـ حضور الشعب بكامله في ساحات عامة لاتخاذ القرارات، وهي في شكلها الواقعي تعتمد على نظام الاستفتاء الشعبي على القوانين كما في سويسرا. وفي النهاية وقع القذافي في التمثيل الذي وصفه بأنه تدجيل. لعبة إبداع الأسماء وصلت إلى الوزارات، حيث ظن القذافي أن تسمية الوزارة ب "اللجنة الشعبية"، والوزير ب "أمين اللجنة الشعبية" ستدخله ضمن قائمة المفكرين العالميين. سرقة أفكار الآخرين، وتغليفها بأسماء لم تسلم منها القضايا القومية. فمثلا هلل القذافي وأبواق دعايته لمشروع "إسراطين"، على أنه حل "لم يسبق إليه"، كفيل بحل قضية فلسطين. في حين أنه لا جديد فيه، فهو يقوم على قيام دولة واحدة في فلسطين التاريخية، تضم العرب واليهود، بعد عودة اللاجئين الفلسطينيين. وهذا لا جديد فيه غير التسمية المريبة التي تنزع الهوية العربية الفلسطينية وتضفي طابعا شرعيا على الاستيطان الصهيوني. أما غير ذلك فلا يعدو "مشروع الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي تجمع العرب واليهود"، التي بشرت بها منظمة التحرير الفلسطينية قبل اتفاق أوسلو، وهو المشروع الذي تلقفته إيران باسم "النموذج الجنوب أفريقي لحل قضية فلسطين". القذافي وصل به جنون العظمة أن نعت نفسه بـ" الثائر المسلم"، وتصور نفسه زعيما للأمة الإسلامية، حيث ادعى أنه "رئس القيادة الشعبية الإسلامية". وجعل نفسه "إماما مجتهدا" في الدين، يخرق إجماع الأمة، ويطعن في ثوابتها. فبعد أن طعن القذافي ، وهو"متكئ على أريكته" في السنة النبوية، بدأ يطرح أفكارا هي أقرب إلى الشعوذة منها إلى الفكر الإصلاحي التجديدي؛ فطعن في التاريخ الهجري الذي أقره المفكر العبقري العظيم حقا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وخلافا للقذافي فإن عمر ـ وهو أعقل وأعظم مفكر عرفته البشرية بعد استثناء الأنبياء طبعاـ لم يتخذ القرار إلا بعد أن جمع الصحابة وأهل الرأي، ودرسوا عدة خيارات للتاريخ الإسلامي دراسة متأنية، فوجدوا أفضلها وأعمقها دلالة هو الهجرة النبوية. في حين أن القذافي استنادا لمزاجه اختار وفاة الرسول عليه السلام التي كادت تؤدي إلى القضاء على الإسلام، لولا تصدي الصديق ـ رضي الله عنه ـ للمرتدين؛ ولم يدرك القذافي أن حدث وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن غائبا عن عمر ورفاقه حين وضعوا التاريخ، لكنهم استبعدوه، كما استبعدوا مولده وبعثته. تغيير التاريخ لم يقف عند الهجري. بل لجأ القذافي في "إبداعه" إلى "إبداع " أسماء سخيفة للأشهر الشمسية، متناسيا أن الأسماء الرومانية لهذه الأشهر "يناير، فبراير، مارس..."، والأسماء السامية ـ والعربية لغة سامية ـ "كانون، شباط، آذار..." استعملها العرب منذ ما قبل الإسلام. ولو كان القذافي صادقا في "تعريب" هذه الأشهر لوجد في التراث العربي أسماء عربية خالصة لها " عادل، رنة، مؤتمر، ناجر..."، وهي أسماء كانت مستعملة في الجاهلية، لكن العرب ـ وخاصة في ظل الإسلام ـ فضلوا عليها الأسماء السامية، وحتى الرومانية، لأن اهتمامهم كان بالتقويم الهجري القمري. والغريب في "تعريب" القذافي لأسماء الأشهر أنه سمى بعضها تسمية أعجمية، حين اختار "هانيبال"، وهو "حنبعل" اسما لأحدها، علما بأن "هانيبال" أو "حنبعل" علم على قائد قرطاجي، وهي كلمة من اللغة البونيقية تعني "عبد بعل"، و"بعل" عند القرطاجيين والساميين إله يعبد من دون الله، وقد ورد ذكره في القرآن، وهو يعرف عند الكلدان باسم "عشتار"، وعند عرب الجاهلية باسم "العزى" . وبلغ بالقذافي الأمر أن سمى أحد بنيه " حنبعل"، وهي تساوي "عبد العزى". تجاوز القذافي كل الحدود في "الزندقة" التي هي تهمة يرمي بها من لم يقبل بسخافاته من باب "رمتني بدائها وانسلت"، ووصل به الأمر إلى بدع غريبة كصلاة المولد النبوي، التي نأسف لمشاركة بعض قادة الفكر الإسلامي فيها. يصل الشذوذ عند الرجل حد التغني بأمجاد زائفة. فهو تغنى كثيرا بالقومية العربية، والوحدة العربية. وبينما نحن ننتظر منه نموذجا عربيا يقتدى به، جاءنا ب "الدولة الفاطمية" نموذجا لمشروعه القومي المهترئ. وتناسى أن الدولة الفاطمية هي أسوأ نموذج عرفه التاريخ العربي الإسلامي، تلك الدولة التي عمقت انقسام الأمة، وفرضت نظاما قمعيا طائفيا، وهي التي سلمت فلسطين للصليبيين، وكان نظام الحكم فيها نظاما ملكيا وراثيا، ومع أن النظام الملكي لا عيب فيه ـ من وجهة نظرناـ في بعض نماذجه التاريخية ، وفي نموذجه الدستوري العصري؛ إلا أن الدعاية له يناقض ما عرف عن القذافي و"جماهيريته" من عداء للملكية، ولو كانت دستورية. فهل تنتهي جماهيرية القذافي بنا إلى ملكية الفاطميين. كما تجاهل القذافي أن الحكام الفاطميين هم نتاج مشروع صهيوني تبنته الأسرة التي سمت نفسها فاطمية، والمؤرخون يعرفون أصولها الحقيقية. ويبدو أن معرفة القذافي المحدودة بالتاريخ الإسلامي جعلته لا يعرف منه غير النموذج الفاطمي، وكأنه لم يسمع شيئا عن الخلفاء الراشدين، وعن عصر الفتوحات الأموية، وعصر الحضارة العباسية، ومنجزات الأمويين بالأندلس، وبطولات صلاح الدين الأيوبي، وأمجاد الأغالبة والمرابطين... التناقض أمر غير غريب على القذافي، الذي تحول من "أخطر رجل في العالم" على حد تعبير الرئيس الأمريكي السابق "ريغن" إلى رجل سلام حليف لأمريكا، سلم إليها مخزونه من أسلحة الدمار الشامل، دون قرار دولي يلزمه ذلك. وهو الذي تحول من القومية العربية إلى الولايات المتحدة الإفريقية. وهو الذي أعلن رفض حضور قمة الدار البيضاء عام 1989 العربية بحجة دعوة مصر لحضورها بعد قطيعة عربية لها بسبب "كامب ديفيد" ، لكنه لم يلبث أن فاجأ الناس بالذهاب إلى القمة، ليعانق رئيس النظام المصري حسني مبارك، ويتحول إلى صديق كبير له، بعد أن كان يعيره بـ "اسطبل داود"، ويصمه بالعمالة، ويسمي عاصمة بلده بـ "المقهورة". وقد استمرت صداقة القذافي لمبارك حتى سقوط هذا الأخير، رغم أن مبارك لم يتغير ، بل إنه صار أكثر ارتباطا بالمشروع الأمريكي الصهيوني، وما حصار غزة منا ببعيد. الغريب أن بعض الناس لا يزال يدافع عن القذافي رغم أن زيف مشروعاته السريالية أصبح واضحا للعيان. ولا يزال في بلادنا من يعتبر القذافي أمينا على القومية العربية، استنادا إلى تصريح من عبد الناصر، أدلى به عام 1969 ، متجاهلين تنكر القذافي لهذه القومية،ومتجاهلين أن الأحزاب الناصرية في مصر ـ وهي أعلم بمقاصد عبد الناصر ـ تبرأت من القذافي منذ زمن بعيد، ولو كان عبد الناصر حيا لتبرأ منه . عبد الله السالم بن محمد يحيى |
