| إلى نادي المخلوعين... من السابقين واللاحقين |
| الأحد, 13 مارس 2011 12:37 |
|
الثورة ظاهرة صحية لها أسبابها الموضوعية على مرّ العصور وغالبا ما تكون هذه الأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية تدخل كلها تحت عباءة الظلم، اسم من ثلاثة أحرف إذا كان نكرة يعظم كما تعظم أسماء حروفها ثلاثة كجنة ونار وعلم وشرك وأرض وبحر وجهل وإنس وجن... فما أحسن وأصدق ما ذهب إليه الشاعر الموريتاني الحكيم أحمدو ولد عبد القادر في قوله:
في الجماهير تكمن المعجزات ومن الظلم تولد الحريات لقد شهد العالم ثورات قامت بها شعوب وأمم على فترات من الزمن كلما ضاقت ذرعا بحاكم مستبد وبطانته الفاسدة، وقد تكون هذه الفترة مفعمة بالثورات والانتفاضات الشعبية في منطقتنا العربية خاصة بعد ما ثبت أن الأنظمة هي نسخ طبق الأصل من بعضها وأن معاناة الشعوب هي ذاتها القواسم المشتركة بينها، فالزواج بين السلطة والمال مفسوخ، قرار اتخذته الشعوب الثائرة لوحدها شاء من شاء من أهل السلطة وأبى من أبى من أهل المال والوعود لم تعد مهدئا كما الحلول المرتجلة الظرفية لم تعد مسكنا والعروش بدأت تنهار أمام طوفان شعوبها فالويل كل الويل لمن لم يعتبر بما جرى في تونس ومصر من بعدها ولم يعي وينزجر وكل يعمل على شاكلته فعمله يعتقه أو يوبقه. وإن بدت دماء المسلمين عامة والعرب خاصة رخيصة عند أعداء الأمتين من اليهود وحكام النصارى الحاقدين فقد بدت كذلك عند بعض حكامنا الذين بدأوا يدفعون نصيبهم من الفاتورة المتأخرة الثقيلة بخسارة كراسيهم وود شعوبهم من جهة كما تخلت عنهم بطاناتهم وحولفاؤهم في أوربا وأمريكا وإسرائيل الذين كانوا يمدونهم بالمال والعتاد لقمع شعوبهم من جهة أخرى ويغضون عنهم الطرف ويصفونهم بالاعتدال فخذلوهم في اللحظة الأخيرة الحاسمة ومنعوهم حق اللجوء السياسي ولو لاعتبارات إنسانية وتلك عاقبة الظالمين. لقد رفضت الولايات المتحدة استضافة شاه إيران محمد رضا بهلاوي على أراضيها واختارت أن تشفع له عند بلدان أخرى كما رحلت الأب "جان برتران آرستيد" رئيس هايتي الأسبق بعدما استضافته على أراضيها سبعة أشهر لتعيده إلى السلطة بالقوة وامتنعت فرنسا عن استضافة الرئيس التونسي المخلوع بن علي وبدا واضحا أن الأمريكان والإسرائليين لم يفتحوا أذرعهم لمبارك ولم يعرضوا عليه إيواءه ولو من باب المجاملة. لقد صرح رئيس هايتي المخلوع الأب آرستيد في أول ظهور إعلامي له بعيد وصوله إلى منفاه في أدغال إفريقيا أن الأمريكان خدعوه وفي مزبلة التاريخ أودعوه وكذلك يفعلون خاصة إن تيقنوا إفلاس الرئيس ونظامه في وطنه وبين شعبه بل إن الأمر تطور إلى أكثر من ذلك فالحسابات السرية في البنوك السويسرية والغربية عموما لم تعد مالاذا آمنا لأموال الشعوب المنهوبة والأدهى أنها أضحت تجمد للنظر في إعادتها إن توافرت الأدلة على أنها من حق الشعب وفي المستقبل القريب سينظر في شرعية الحصول على هذه الأموال قبل أن تقبل كودائع في هذه البنوك ففي عالم السياسة لا تقاس قيمة رجالها بأموالهم ونفوذهم ومناصبهم بقدر ما تكون المواطنة والجد والصدق والإخلاص هي المعايير الحقيقية حيث ثقة الشعب فيهم ودعمه لهم أولى وأنفع لهم أما المصالح الضيقة الآنية فلا مكان لها أمام تحديات جسيمة تختزل في خدمة شعب ووطن، فشتان ما بين من صنعوا التاريخ ومن ذهبوا إلى مزبلته. وفي عالم الاقتصاد ظهر رجال سطروا أسماءهم بحروف من ذهب في سجل التاريخ اتخذوا الجد والمسؤولية سبيلا إلى خدمة شعوبهم وأوطانهم في وقد كان آخرون يسرقون وينهبون ويتآمرون في صفقات مشبوهة ومشاريع إن نفذت على الأرض لا تساوي واحدا بالمائة من الأموال المرصودة لها يعرفهم العامة والخاصة فهل يتحايلون على سؤال في القبر: "وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.." عندها سيندمون. أما على الصعيد الاجتماعي فإن التعيينات الجديدة أصبحت تستل المعينين من محيطهم في الأحياء الشعبية إلى فضاء الأحياء الراقية حيث تنزوي السلطة والمال والأعمال فتكون القطيعة مع الماضي وما يمثله والانتماء إلى الواقع الجديد وما يمثله فلا يحس من يتجشأ اللذيذ والطيب ويبيت على الحرير ما يحسه المحروم الذي يفترش الأرض ويلتحف السماء ولو كان الواقع الاجتماعي على ما يرام لكانت الأمور أكثر وضوحا واستقرارا فلا مناص من الإصلاح أو التغيير أو هما معا فعلى ولاة الأمور وبطاناتهم أن يبادروا بالتوبة والإصلاح ويكفروا عن ماضيهم ويخدموا شعوبهم وأوطانهم قبل أن يلحقوا بركب المخلوعين كرها وعلى المخلوعين أن يتوبوا ويكفروا عن أخطائهم ويعتذروا لشعوبهم ويستسمحوهم ويردوا ما نهبوا من غير حق قبل أن تبلغ الحلقوم وتقوم ساعتهم والساعة أدهى وأمر أم أنهم لا يحبون الناصحين أم على قلوب أقفالها فما من شعب إلا هو أبقى من حاكمه وأقوى. فإذا كانت ثلاثة وعشرون يوما وضعت حدا لثلاث وعشرين سنة في حكم طاغية تونس فإن ثمانية عشر يوما وضعت نهاية لثلاثين سنة من حكم طاغية مصر وإذا كان الكذب أنجا فالحق أنجا وأنجا. الجيوش حسمت موقفها أكدت أنهما من الشعب وفي خدمة الشعب مصيرها رهين بمصيره لا تزول بزوال حاكم ولا تبقى ببقائه والأمن أيقن أنه مهما توحش وتنكر لمبادئه ومسؤولياته لن يصمد طويلا أمام جحافل شعبه وإن كانت إسرائيل وأمريكا تمدانه وقد يكون كبش فداء لسلطانه والإعلام الكاذب المحابي مدنس الثورات يدوسه الشعب تحت نعاله، والعملاء من أصحاب المصالح والحاجات والمجرمين يبوحون بأسماء من دفعوا بهم إلى ساحة معركة يخسرها الجميع إلا الشعب الذي هو حجر الزاوية في مثلث الدولة والسلطة بوجوده قد يوجد الجميع وبانتفائه لا يوجد شيء. وبما أن الظلم ظلمات فقد أحسن من قال: إذا ما الظلوم استوطأ الظلم مركبا ولجّ عتوّا في قبيح اكتسابه فكله إلى صرف الزمان وعدله سيبدو له ما لم يكن في حسابه. وقال آخر: فخفِ القصاص غدا إذا وفيت ما كسبت يداك اليوم بالقسطاسِ في موقف ما فيه إلا شاخص أو مهطع أو مقنع للراسِ أعضاؤهم فيه الشهود وسجنهم نار وحاكمهم شديد الباسِ "إن تمطل اليوم الحقوق مع الغنى فغدا تؤديها مع الإفلاسِ" قيل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- اتق الله فقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا ولا خير فينا إن لم نسمعها منكم. واللافت أن الحقوقيين يطاردون الجميع والمحاكم الدولية تروع الجميع والجرائم والانتهاكات لا تسقط بالتقادم حتى أن بوش الابن آثر السلامة على أن يشارك في عمل خيري في دولة أوربية صديقة حتى لا يحرجها أو تصطاده الندامة، وقادة إسرائيل لا يتحركون إلا بضمانات يحسبون ألف حساب لكل خطوة حتى لا تزل قدم في عالم كانوا بالأمس القريب يصولون فيه ويجولون على مزاجهم فهل يضر حكامنا أن يصلحوا ويثبتوا أنهم الأجدر والأقدر على الإصلاح، وهل يضر بطاناتهم ومن لهم بهم صلة أن يكونوا مرآة تعكس لهم حقائق الشعب وواقعه ومطالبه بكل صدق ومسؤولية ناصحين لهم ولأنفسهم ولشعبهم وبذلك يتجنبون ماأزق بطانتي بن علي ومبارك الذين كان منهم أكباش فداء وهاربون ومطاردون ومسخوط عليهم وآخرون يتكيفون مع الطوارئ والمستجدات مستفيدين من خبراتهم في النفاق لأنهم ببساطة كانوا مرآة زائفة، وبما أن الرئاسة تكليف لا تشريف فإن الشعب والوطن أمانة في عنق من ابتلي بها. ويبدو جليا أن الظفرة الإعلامية والمعلوماتية أضافت نكهة جديدة للثورة إذ لم يعد بالإمكان التعتيم على مسرح الأحداث وإن غابت كاميرا الصحافة وبما أن الأحداث تسارعت واجتاحت بلدانا عربية شقيقة وسقط قتلى وجرحى واعتقل كثيرون وفقد آخرون ووقعت نفس الأخطاء الأمنية والسياسية والإعلامية كما في تونس ومصر فقد أخبرتنا الأيام الماضية عن المخلوعين السابقين... ترى فمن هم المخلوعون اللاحقون؟ بقلم: محمد بن سيد محمد |
