| الإصلاحات الدستورية في المغرب بين ربيع الثورة وشتاء الطوفان |
| الأربعاء, 16 مارس 2011 18:55 |
|
الفرق ببن النجباء وبين البلداء هو أن الصنف الأول يفهم ويطبق ما فهم قبل فوات الأوان ، أما الصنف الثاني فلا يفهم - في الغالب- وإن فهم يكون الأوان قد فات. والطامة الكبرى أن يأتي الفهم متأخرا ولكن العناد والغرور يأسران صاحبه فتأخذه العزة بالإثم ..
أنزل بهذه المقدمة المجردة إلى الواقع السياسي الذي تعيشه اليوم الأمة العربية من المحيط إلى الخليج والذي تطبعه ظاهرة ذات بعدين: طوفان جارف يقتلع أعتى الأنظمة وأكثرها طغيانا وربيع ثوري غير مسبوق ، يحول الثلج والصــقيع و البرد في عز الشتاء ، إلى أزهار وفل وياسمين. البلداء من أمثال زين العابدين بن علي وحسني مبارك لم يفهموا إلا بعد فوات الأوان و البلداء من أمثال حاكمي اليمن وليبيا ، لا بد أنهم فهموا ولكنهم مازالوا يكابرون ولا شك أن مصيرهم سيكون أسوأ من مصير من أخذته العزة بالإثم(حسبنا الله ونعم الوكيل). أما النجباء الذين يفهمون قبل فوات الأوان ويوفقون إلى الإجابة الصحيحة في الامتحان فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (بإذن الله ). و في امتحان ربيع الثورات وشتاء الطوفان هذا ، أصبح ملك المغرب محمد السادس المثال الأبرز- من بين الزعماء العرب - لصنف النجباء ، بل النجباء العقلاء، حيث اختار منذ البداية أسلوبا مرنا وعقلانيا في التعامل مع حركة الشارع في المغرب عندما أتاح للشباب فرصة التعبير عن تطلعاته وتنفيس غضبه دون مضايقة وحينما فاجأ شعبه والعالم أجمع يوم 9 مارس 2011 بخطاب فصل ، جسد تطلعات المغاربة إلى إصلاح دستوري جذري يرقى إلى ثورة بكل معنى الكلمة .. بلى ! وأي ثورة أبلغ من الانتقال من عصر الملكية المطلقة إلى عصر الملكية الدستورية ؟ والحال أن الشعوب العربية بما فيها الشعب المغربي ،باتت تدرك ألا فرق بين نظام جمهوري يقوم على سلطة الفرد وبين نظام ملكي مطلق وأضحت تعي أن معيار المفاضلة الحقيقية بين نظام حكم وآخر هو بمدى تجسيد، هذا وذاك، لإرادة الشعب بصورة حقيقية واحترام الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنين. لقد ألهمت تطلعات الشعب المغربي قائده اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب فتناغمت حيوية أمة عريقة مع إرادة ملك ملهم متشبع بروح العصر وبقيم الأصالة. الخطوط العريضة لمبادرة الملك محمد السادس : المبادرة في حد ذاتها تتلخص في مشروع دستور جديد كلف العاهل المغربي لجنة من كبار رجال القانــون والسياسة بصياغته ووجهها- مع إعطائها حرية الاجتهاد البناء- بخطوط عريضة لتكون محاور لرسم ملامح النظام السياسي الذي سيقدم للمغاربة في غضون الأشهر المقبلة لنــــيل ثقتهم.وتشمل هذه الخطوط العريضة بعدين : أ- بعد جهوي يكرس نظام حكم محلي بصلاحيات موسعة ، يضمن التوازن والتضامن بين مختلف الجهات المغربية في نطاق وحدة وطنية متماسكة ومنسجمة. ب- بعد وطني يتضمن: 1- الاعتراف بالطابع التعددي للهوية المغربية وبدور المرأة ومكانتها في المجتمع. 2- ترسيخ دولة القانون والمؤسسات وتعزيز نطاق الحريات ومنظومة حقوق الإنسان. 3 - تكريس مبدأ فصل السلطات على أساس : - برلمان نابع من انتخابات حرة وشفافة و ذي مجال قانوني موسع واختصاصات واضحة تمثيلية وتشريعية ورقابية. - حكومة يشترط فيها أن تحظى بدعم غالبية مجلس النواب ، يرأسها وزير أول ذو سلطة تنفيذية فعلية ، يكرس الدستور الجديد مبدأ اختياره من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب. - سلطة قضائية مستقلة ذات صلاحيات واختصاصات معززة، تضمن سمو الدستور وسيادة القانون ومساواة الجميع أمامه. 4 - دعم دور الأحزاب السياسية في نطاق تعددية حقيقية وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني. 5 - ربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالرقابة والمحاسبة. 6 - دسترة هيآت الحكامة الجيدة وحقوق الإنسان وحماية الحريات العامة. المعاني المستخلصة: معنى هذا أن نظاما ملكيا دستوريا بالمواصفات التي حدد ملامحها الملك محمد السادس في خطابه الأسبوع الماضي لن يكون أقل شأنا - على سبيل المثال- من النظام الملكي في إسبانيا المجاورة أو في بريطانيا العظمى، سواء من حيث السلطات التي ستمنح للأقاليم المحلية أومن حيث الممارسة الديمقراطية وسمو الدستور وسيادة القانون. ومعناه أن النظام السياسي الذي يناسب المغرب هو النظام الذي انعقد عليه إجماع المغاربة وانصهرت فيه هويتهم الوطنية ووجدانهم بكل ما يحمل من شحنة دينية وتاريخية وثقافية.
ومعناه أننا إذا ما استشرفنا آفاق المستقبل بالنسبة للمغرب بعد مبادرة جلالة الملك محمد السادس الأخيرة وما تتيحه من إمكانية تحول سياسي نوعي، مقارنة بما أنجز لحد الآن في كل من تونس ومصر بعد ثورتيهما ،سوف نستخلص بسهولة أن مشروع الإصلاح والتحول السياسي في المغرب متقدم إلى درجة بعيدة. ومعناه-عودا على بدء- أن الملك محمدا السادس تميز بذكاء رفيع وحنكة بالغة وتحلى بكل الصفات الكاريزمية لقائد ملهم، حينما أنصت بتواضع وأريحية إلى نداء العقل وترجم الشعارات التي رفعها مواطنوه غداة العشرين من فبراير المنصرم إلى خيارات ستحول بصورة جذرية مجرى الحياة السياسية في المغرب الشقيق وستمكنه من ولوج عصر جديد لن يغبط فيه مواطنوه جيرانهم بالضفة التي تقابلهم شمالا، على ما ينعمون به من حرية واستقرار..
نواكشوط ، 15 مارس 2011
إكبرو ولد محمد دبلوماسي موريتاني ووزير سابق |
