إدارة الصراع العربي الإسرائيلي في عصر الثورات العربية
الاثنين, 28 مارس 2011 12:57

الطابع العام للثورات العربية الحالية هو تركيزها بشكل واضح على الشأن المحلي أو القطري مع اختفاء شبه كامل للشعارات القومية أو الإيديولوجية عموما..

 

فقد كانت مطالب الشباب إضافة إلى إسقاط النظام ذات طابع اجتماعي واقتصادي وأمني فغابت الشعارات المتعلقة بفلسطين والاحتلال الإسرائيلي وقضية العلاقة مع أمريكا والغرب عموما.. ولم يغب هذا الأمر عن بعض المراقبين الغربيين فقد لاحظ الكاتب الأمريكي إبان بوروما في مقال له تحت عنوان "أوباما يحسن صنعا" أن  الخطاب المناهض  للولايات المتحدة في الانتفاضات العربية حتى  هذا الوقت كان خافتا - كما يرى .

والواقع أن مسألة غياب الشعارات مسألة مفهومة إلى حد كبير لأن هذه الأنظمة الاستبدادية أذلت الناس في أرزاقهم وأمنهم وكرامتهم فقطعتهم عن هموم الأمة الكبرى وفي مقدمتها فلسطين خصوصا أن هذه الأنظمة استخدمت قضايا الأمة مطية لإسكات الشعوب وتكميم الأفواه بهدف ترسيخ أركان الحكم ..

ولكن الواقع يقول إن النجاح الحقيقي لهذه الثورات لا يمكن ضمانه دون الاهتمام بقضايا الأمة الكبرى وفي مقدمتها فلسطين..

وقد أثبتت عقود الصراع الماضية الحاجة إلى إعادة صياغة طريقة التعاطي مع الصراع وإدارة المعركة بأسلوب مغاير تماما..

فمسلسل الهزائم والانتكاسات وخيانات الحكام المستبدين أفرغت الصراع العربي الإسرائيلي من مضمونه ، فلم تعد المسألة مسألة احتلال واستيطان وإنما أصبحت مسالة تطبيع ومكافحة إرهاب وتحريك عملية السلام.

والحديث هنا ليس عن إشعال الحروب وضرب إسرائيل وتهديدها برميها في البحر فالمطلوب هو إدارة هذا الصراع بشكل واقعي وجاد واعتباره صراعا بين طرفين.

فما يسمى عملية السلام أقل ما يقال عنها إنها عرجاء ومختلة ، فالطرف العربي التزم وبطريقة مجانية بهذا السلام المزعوم .. فمهمته تتمثل بإلقاء السلاح والهرولة نحو التطبيع وتجريم المقاومة وذلك للحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك من أمريكا و إسرائيل..

قدم العرب  مبادرة مجانية للسلام وأعلنوا أن "السلام خيارهم الاستراتيجي"  .. واقسموا بأيمان مغلظة أن أي عمل للمقاومة إنما يقصد به تشويه نيتهم الصادقة في السلام وأعلنوا توبتهم  من الحروب الماضية ومن مناصبتهم العداء لإسرائيل..

ووصل من ضياع بوصلة هذا الصراع أن أصبحت مصر (مبارك) التي هي أكبر دولة عربية وهي مركز الثقل في الصراع وسيطا بين الفلسطينيين والإسرائيليين بل أصبحت إسرائيل تعلن الحرب على غزة من مصر (مبارك وأبي الغيط) ..

وأكثر من ذلك تآمرت مصر  (غير المبارك) على الفلسطينيين فخنقوا غزة بحصار قاتل لكنهم مقابل ذلك زودوا إسرائيل بالغاز المصري وبثمن بخس..

أما إسرائيل فيحق لها – وهي "طرف في السلام"-  أن تمتلك كافة أنواع الأسلحة وان تضرب في أي بلد عربي وتعلن الحرب على هذا البلد أو ذاك أو تغتال هنا أو هناك.

ولتصحيح هذا الخلل في طريقة إدارة الصراع لا بد من اتخاذ جملة إجراءات على النحو التالي :

أولا : العلاقة مع إسرائيل

-         رفع الحصار عن غزة

-         تصفير عداد التنازلات العربية

-         سحب جثة مبادرة السلام

-         الكف عن السلام بالتقسيط فالمسالة ليست تجميد المستوطنات أو الاتفاق على الحدود أو القضايا النهائية أو غير النهائية..

-         وقف المفاوضات مع عدم الحديث عن السلام إلا بعد الالتزام بشروطه من جميع الأطراف بمن فيهم الولايات المتحدة ومن أهمها إعلان هدنة شاملة تقتضي إطلاق كافة الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال والكف عن الاغتيالات والاعتقالات والتوقف عن استباحة الأراضي والأجواء العربية .

-         توقيف التطبيع بأشكاله المختلفة وسحب سفراء الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل..

-         الإعلان عن الاستعداد لدعم خيار المقاومة

-         فتح ملفات قانونية لمحاكمة قادة العدو الذين فتكوا بالفلسطينيين واللبنانيين وارتكبوا المجازر بحقهم وملف  الأسرى الفلسطينيين والمصريين واللبنانيين وغيرهم من العرب وإلزام الإسرائيليين بدفع التعويضات .

نحن في مرحلة لا معنى للكلام فيها لا عن السلام ولا عن الحرب فلا بد من معرفة طبيعة العلاقة مع إسرائيل هل هي سلم وسلام أم حرب وصدام فإذا كان غنم السلام للجميع فيجب أن يكون غرم الحرب أيضا على الجميع غير أن الصورة الحالية هي أن إسرائيل تأخذ مغنم السلام عكس العرب الذين ليس لهم سوى الغرم..

ثانيا : العلاقة مع أمريكا والغرب

-         التعامل مع الأمريكان على أنهم طرف وليسوا وسيطا ما لم يعدلوا موقفهم، فتركيزهم على الالتزام بأمن إسرائيل يعني بالضرورة عداوتهم وزعزعتهم لأمن العرب..فأمريكا ملتزمة جهارا نهارا ، قولا وفعلا بأمن إسرائيل وتقدم لها في سبيل ذلك كافة أشكال الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي ولم نسمع يوما مسؤولا أمريكيا قال إن أمريكا تلتزم بأمن الفلسطينيين بل إنها تريد من العرب أن يلتزموا بأمن إسرائيل ويهملوا أمنهم ويفرطوا فيه.. وهذا ما كان يحصل فعلا ..

-         إفهامها أن العرب لن يقبلوا منها الحديث عن السلام أو الوساطة ما لم تقف على الحياد - وإن كان هذا من سابع المستحيلات – وتنسحب من العراق وتعمل على تسوية ملفه بأبعاده المختلفة القانونية والسياسية والاقتصادية وهو ملف ضخم يجب أن لا يمر مرور الكرام فهذا بلد احتل في وضح النار وتم تدميره وقتل أبناؤه وشردوا..

-         عدم قبول أي تدخل أمريكي في الشؤون الداخلية العربية أو بعبارة أخرى إيجاد أرضية للتعامل بالندية.

-         الكف عن تكرار اسطوانة حقوق الإنسان والديمقراطية ، فالولايات المتحدة بحكم سلوكها وتاريخها في الحروب والعدوان وانتهاك حقوق الإنسان ،هي آخر من يمكنه أن  يتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية..

ولعل الطريقة التي استقبل بها شباب الثورة في مصر وتونس كلنتون خلال زيارتها الأخيرة للبلدين توضح للأمريكان الأفق العام للمرحلة الجديدة.

ويدخل في هذا السياق أيضا تحذير وزير الخارجية المصري لإسرائيل من العدوان على غزة ،هذا بعد أن كان التحذير يوجه في عصر أبي الغيط إلى أهل غزة...!

وبهذه الصورة يرسل العرب رسالة لأمريكا مفادها أن العرب لا يناصبون آمريكا العداء، وإنما يريدون علاقات متوازنة ومتكافئة ... يحترم فيها كل طرف مصالح الطرف الآخر .. وأن العرب يعانون معاناة واضحة وظلما صارخا من تحالف أمريكا مع إسرائيل.. ومنطق الأشياء يقول إن صديق العدو عدو فكيف بكفيله ومن يتبناه ويدافع عنه..

وإذا صحح الخلل في العلاقة العربية مع أمريكا فذلك سينسحب بالضرورة على العلاقة مع الدول الغربية الأخرى ومع الأمم المتحدة التي أثبتت عجزها في التعاطي مع قضية احتلال فلسطين بسبب الولايات المتحدة .

وإذا لم تغير الأمم المتحدة سلوكها فلدى العرب سلاح تجميد العضوية أو سحبها وإذا نفذوا هذه الخطوة فلن تبقى الأمم المتحدة كما كانت..

أما الرباعية ومبادرات ميتشل وغير ذلك من المسرحيات سيئة الإخراج فستصبح أثرا بعد عين في عصر يأخذ فيه العرب زمام المبادرة..

إن تغييرا بهذا الحجم لا يمكن أن يتم إلا بتكاتف كل الثورات العربية وفي مقدمتها الثورة المصرية التي يقع عليها العبء الأكبر في استرداد كرامة الأمة وعزتها وتصحيح علاقتها مع الأعداء والأصدقاء..

ومن أهم مظاهر تصحيح الخلل في العلاقات الأمريكية العربية والمصرية تحديدا  التعفف عن الرشوة الأمريكية لمصر واستبدالها بدعم سخي عربي لاقتصاد مصر..

ويقتضي ذلك كله إصلاح الجامعة العربية التي يجب أن تعكس إرادة الشعوب العربية ما بعد عصر هذه الثورات .

فكما شكل المصريون والتونسيون هيئات شبابية لحماية الثورة وتأمين تحقيق أهدافها فينبغي كذلك تشكيل جهاز شبابي عربي يمثل فيه الشباب العربي الثائر من كافة الدول العربية تنصب مهمته على التأكد من أن الجامعة العربية تتناغم في أدائها مع متطلبات عهد الثورات العربية ويتاح لهم حضور القمم العربية واجتماعات الوزراء العرب...ليذكروا المسؤولين العرب بأهداف الجماهير من هذه الثورات من قبيل :

الشعب يريد إصلاح اختلال إدارة الصراع

الشعب يريد تحرير الأسرى وتحرير الأرض

الشعب يريد وقف الاغتيالات ضد الفلسطينيين

الشعب يريد توحيد الأمة

الشعب يريد إنهاء الاستسلام

الشعب يريد إنهاء الذل والفرقة والهوان

الشعب يريد العزة والكرامة....

بهذا التوجه يمكن للعرب أن يستردوا كرامتهم ويفرضوا على عدوهم إرادتهم دون الحاجة للدخول في حرب إلا إذا فرضت عليهم عندها يجب أن تكون هي خيارهم الاستراتيجي وعندها سيعرفون أيضا أن العدو ليس بتلك القوة التي كان يصورها بعض الحكام العرب ونتائج المعارك بين حزب الله وإسرائيل سنة 2006 م تعد من أوضح الأمثلة في هذا السياق وكذلك العدوان على غزة 2008-2009م..

فالشعوب التي أطاحت بأكبر طواغيت وفراعنة القرن العشرين قادرة بإذن الله على استرداد كرامة الأمة وعزتها وسابق مجدها

إدارة الصراع العربي الإسرائيلي  في عصر الثورات العربية

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox