تواصليون.. أم إسلاميون..
الأحد, 05 يونيو 2011 10:16

بقلم : محمد ولد عبد الرحمن
حصل الإسلاميون على حزب سياسي.. وحق لهم ذلك، فهم أهل مشروع وأصحاب قضية ونضالهم تواصل بكفاءة حتى حصلوا على رخصة "تواصل" .
 حزب سياسي يقوده الإسلاميون وليس خاصا بهم .


 دخل هذا الحزب الساحة السياسية وقد كان يحسب له حسابه، واكبته حملة إعلامية قد كان لها أهلا وكان بها جديرا، انتشر أنصاره وأنخرط فيمن أنخرط في صفوفه كثير من الأئمة والدعاة وحملة الفكرة الإسلامية والمتعاطفين معها، واصلت الآلة الدعائية لهذا الحزب إضفاء الألقاب على قادته ومرشحيه ولم تخل تلك الألقاب المبالغ فيها أحيانا من أوصاف وردت في الذكر الحكيم ومحكم التنزيل ، خطاب إسلامي استقطب سائر العامة وبعض الخاصة حتى أصبحت عبارة "التواصليون" تفهم على أنها "الإسلاميون".. خلط غير واع بين المفهومين وفهم غير عميق لعلاقة الخصوص والعموم أو الأصل والفرع بين الطرفين.
 

فالإسلاميون الموريتانيون أو من يحملون راية أسلمة المجتمع أو تجديد الدين على رأس المائة هم جماعة بدأت نشاطها التربوي والدعوي منذ سبعينات القرن الماضي وكان الفكر الإصلاحي يحدوهم في جميع مجالات الحياة ولم تكن السياسة إلا مجالا واحدا من مجالات كثيرة يعنون بها. فلم هذه الغلبة السياسية؟ ولماذا يرتفع صوت السياسة فوق كل صوت؟ وفي مجالها تخترق المراحل ..ومن أجلها تخلو مرابع الدعوة والتعليم والتربية أو تكاد، فيتسلل الناس إليها سرا أو يعلنونها مدوية-وإن بلسان الحال-أنهم ساسة قبل أن يكونوا دعاة وأن العمل السياسي هو خارطة الطريق الحقيقية للوصول بالعمل الإسلامي إلى أعلى عليين، أو هو الضمان الأكيد ليمارس الإسلاميون بقية أنشطتهم بكل يسر وسهولة، لقد غلب منطق "تواصل" وعم.. وتراجع منطق "الحركة الأم" حتى أصبح كل من يتحدث عن الإسلام أو يحمل شعارا من شعاراته هو في نظر العامة وبعض الخاصة هو من أهل "تواصل" حتى وإن كانت الحقيقة هي أبعد ما تكون عن ذلك.

عرفت أقواما يشنون هجوما لاذعا على رموز "تواصل" وهم من طيف إسلامي آخر ومع ذلك يوصفون في مكانهم بأنهم تواصليون. وعرفت آخرين ومن الإخوان المسلمين أنفسهم ينتقدون بعض أساليب أهل "تواصل" في الحملات الانتخابية خاصة منها ما يتعلق بوصف "القوى الأمين" التي جاءت  وصفا لنبي الله موسى عليه السلام والتي أطلقوها على مرشحهم، وخاصة أيضا منها ما يتعلق  بتلك الملايين التي صرفت على الصور المكبرة والمصغرة لـ "لقوي الأمين" ووضعت على الصدور وفوق الرؤوس أثناء الحملة  وتبرء من كلمة "تواصل" على هذا الأساس، ومع ذلك ظل "تواصليا" في نظر ذويه، ومثل هؤلاء من تخلى عن "بزته" التواصلية  غداة شارك الحزب  في حكومة تطبيعية يسيطر عليها رموز فساد أضاعوا البلاد والعباد.

صورة نمطية حرمت الدعاة من مجرد حقوقهم وهو تسميتهم بما يحبون من الأسماء الدعوية الأصيلة  قد كرسها الاستغلال المفرط للأئمة والدعاة أثناء الحملات الانتخابية، فقد رأيت بأم عيني إماما وقورا قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا وقد أقام خياما للحملة غير بعيد من جامعه وبتكليف من الحزب، رأيت الغبار المنبعث من يوم عاصف يخلل لحيته وهو يكاد يسقط في محاولة يائسة لتهدئة الخيام في مهب عواصف عاتية وشاهد الناس هذه الصورة وغيرها من صور الدعاة وأئمة مستميتين في تفاصيل هذه الحملة فرسخت الصورة النمطية.
فلم لا يترك هذا الإمام لحلقته العلمية ولكرسي التدريس لديه؟ أليس المسجد  هو ميدان الوحي ومنطلق الهداية؟ ويستغل غيره في مصارعة خيام الحملة الدعائية، أخطاء أرتكبها بعض الإسلاميين في حق أهل الدعوة وتضررت منها حركة الإسلام الواسعة.

وفي ظل تكريس متواصل  لهذه الأخطاء قد تعجز عروق الدعوة عن النبض وتتوقف أنهارها عن الجريان، وجراء ذلك يلاحظ الكثيرون أنه ومنذ بعض الوقت لم يظهر في الساحة شباب مميزون سطعوا في سماء الدعوة ولا وجد تأطير ولا تطوير لوسائل نشر للدعوة من كتاب أو شريط أو إقامة ندوات أو مخيمات وما إلى ذلك..


بل على العكس من ذلك لاحظوا أن من كان يحي المنابر انشغل بغيرها ولم يورث من يخلفه وأن  خريجي العلوم الشرعية أصبحوا  يتنكرون-في الزي والخطاب- للرسالة التي حملوها وللمعارف التي تعلموها لا لشيء إلا لأن مجال الدعوة مهجور والانشغال بها غير مشجع ولا مطلوب .. رأوا الراكضين في الساحة السياسية وبأقل تكلفة يتألقون في المركب والملبس ويروحون جيئة وذهابا في الداخل والخارج ويشاهدون أهل الدعوة شبه منسيين، شبه حفاة وشبه عراة إلا من بقية أخلاق وشيء من التقوى.. وضعية يتولى مسؤوليتها من يرسم ملامح أجندة الإسلاميين ومن يقوم بتوزيع الأدوار الاختصاصية عليهم.

 فهل حان الأوان لتشخيص هذه الوضعية وإصلاح ما أفسده الزمن الغابر ؟ لعل المرحلة الحالية، مرحلة ما بعد الموالاة والمغازلة للسلطة الحاكمة تكون فرصة سانحة للإسلاميين كي يعيدوا القوس إلى باريها والمياه إلى مجاريها خاصة وأن حزبهم "تواصل" قد ركن إلى منسقية المعارضة وصار أمل ركاب (الدرجة السياحية ) للحزب  ضعيفا في التقارب مع الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز، إنها فرصة لرسم إستراتيجية جديدة تعطي للساحة الدعوية حقها ومستحقها ولا تجرد السياسة من مكتسباتها ومعظم أسباب قوتها.
 إنه من الضرورة بمكان أن يعطى للدعوة أهلها وعصب حياتها نعم ويمد الحزب بما كان ضروريا من ذلك ويضرب بين الاثنين بسور فيه الرحمة من كل جانب. ولم تكن العملية أمرا سهلا رغم بساطتها الإجرائية، فالناس على مشارف انتخابات، يعلق البعض عليها آمالا جسيمة لكن على الإسلاميين أن يستوعبوا الدرس ويستلهموا العبر، فلم يفلح من ألقي بهم في أتون الحلبة السياسية الوطنية ولا من عينوا في مناصب إدارية ولا حتى من اختيرا كوزيرين في زمن سيد ولد الشيخ عبد الله فلم يفلح هؤلاء جميعا في أن يكونوا صوتا أمينا ولا فعلا مؤثرا لصالح الإسلاميين اللهم إذا تعلق الأمر ببعض النواب تحت قبة البرلمان، بل لم يحاول هؤلاء أن يمكنوا للحركة تمكينا أو يدفعوا بجزء من عناصرها في بعض أجهزة الدولة المختلفة.


إذن .. كان الحصاد محدودا وكانت الغنيمة خاصة، ولعله من المفارقة بمكان أن استقالة المدير الإداري والمالي لبعض الوزارات وهو إسلامي معروف كانت أندى صوتا وأبلغ أثرا وأقوم تصرفا من ترقية من رقوا وتعيين من عينوا و..و..


إن تعامل الإسلاميين مع الساحة السياسية يحتاج إلي مقاربة من نوع خاص.. مقاربة تضع في كل اعتباراتها المصلحة العامة وتجعل من تجاربها السابقة تاريخا ينير لها تاريخ الحاضر والمستقبل، ولن تجدي هذه المقاربة نفعا ما لم ننطلق من حقيقة واحدة هي أن الدعوة بالتي هي أحسن بالقرآن وبالسنة هي سر الوجود ونقطة الارتكاز وحجر الزاوية في أي بناء إسلامي متكامل. فهل نحن واعون؟
moabka@maktoob.com                                                    

تواصليون.. أم إسلاميون..

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox