| رحم الله ديمى رائدة الفن الأصيل والوطنية الصادقة . بقلم د. محمد الحسن اعبيدى |
| الأحد, 05 يونيو 2011 23:05 |
|
عزاؤنا فيك يا فنانتنا الراحلة أنك كنت عظيمة بكل بما يحمله المفهوم الدلالي لمقاييس العظمة ، إنسانية بأرقى قيم الإنسانية ، متميزة فى مجالك وفى أدائك الذى تربعت به على عرش الموسيقى الموريتانية بلا منازع قديمها وحديثها شرقيها وغربيها . فقد كنت الصوت المشترك الذى يطرب له الجميع ويأنس له الصغير والكبير والمهموم والجذل والفقير والغني لأنهم يجدون الراحة والصفو إلا حين يسمعون تغريدك الشجي منبعثا من آلات التسجيل بأشعار البصري أو وَله ابن الفارض الصوفي ( ما بين ضال المنحى وظلاله ضل المتيم و اهتدى بضلاله ، وبذلكَ الشِّعبُ اليَمانِيُّ مُنية ٌ لِلصّبِّ، قد بَعُدَتْ على آمالِهِ يا صاحِبي، هذا العقيقُ، فقِفْ بهِ متوالهاً إنْ كنتَ لستَ بوالهِ و انظرهُ عنِّي إنَّ طرفي عاقني إرسالُ دَمعي فيهِ عن إرسالِهِ واسْألْ غزالَ كِناسِهِ:هل عندَهُ علمٌ بقلبي في هواهُ وحالهِ) أو غزل فارس حمدان حين يطلب البكاء فتضن عليه عيناه بالدمع لشرف نفسه
( أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر ) .
وكنت أنت بحق عصية على كل محاولات التهميش و الإقصاء والعيش تحت الفتات ، حاضرة فى كل المحافل الدولية ، تصنعين المعجزات حين تقفين على خشبة المسرح فتغنين للوطن وقضاياه و للعربي وهمومه ( موريتان يا وطنى هي محل ميلاد ) وأبت همتك إلا أن يودع ثراها الطاهر جسدك المغفور له بإذن الله وكان للقضية العربية من صوتك حظ وافر حين أطربت الجماهير العربية بشدوك ( فى الجماهير تكمن المعجزات ومن الظلم تولد الحريات ).
فأنت مطربة الجماهير ومعلمتها وبلسم جراح الشعوب الكادحة حين يجلسون في أكواخهم واليأس يعتصر قلوبهم لما هم فيه من شغف العيش وقلة الوسائل فلا يجد أحدهم وسيلة للخروج من قلقه غير إدارة زر آلة التسجيل المثبت على صوت الفنانة ديمى والاسترخاء فى نوم هادئ ليبدأ يومه الجديد أكثر حيوية ونشاطا. ومع أن الموسيقى عند هؤلاء البسطاء وسيلة ترفيه فإن أداء الفنانة ديمى كان وسيلة تعليم وتثقيف دفعت البعض إلى حفظ الأشعار التى تترنم بها والبحث عن مصادرها والتمثل بها عند الحاجة وأذكر مرة أنى وجدت صاحب محل لغسل الثياب يقتنى ديوان نزار قباني فسألته عن السبب فأخبرنى أنه استعذب أشعاره عند ديمى فسعى لتعلم القراءة ليتمكن من قراءة الأشعار بنفسه و فهم معانيها وأينا لا يذكر الحملات التثقيفية التى تنظمها الدولة وتكون ديمى وسيلتها بصوتها الندي كحملة التطعيم . يحسب للفنانة الراحلة حافظتها القوية للتراث الموريتاني وحرصها على تقديمه فى ثوب جديد يناسب إيقاع الجياة المتسارع ويجمع بين أذواق متلقى الموسيقى الموريتانية بمدارسها المختلفة فوقفت على أجبال تكانت مع ولد الكصري مستذكرة أطلاله ا ( حد أصيل افتكانت شام نافده لاك عنه عام واعمل بلياليه اوليام )
وتوجعت مع ولد اكليب على أطلال الجنوب مكتوية بميسم الشوق ( طرحت تكماطين وطرحت علب احمدين موسم فى البال امتين ونولك واعلاب شت فيهم مسكين البال اعل باب غرس فيه الليعات=زهزاوه فتراب هاذ هوم طرحات=مولان وعلاب). وندبت الزمن وغدر أهله حين وقفت على رسم دار أهل أي وشاهدت الحطاب يحرق أشجار غابتها غافلا عن الدلالة الرمزية لتلك الأشجار التى كانت مأوي لطلاب المحظرة ذات يوم فأخذت تغردين بإيقاع حزين " هذا الدر اتف بيه مارت عن غدار مارت ما تور فيه حلاوه ما تمرار خظت اليوم اعل دار أهل أي يالقيوم اجبرت أكوم التدوم لمسهو كان الدار محروك أعاد احموم سبحانك يالقهار معود حراك أكوم ماه فاهم لخبار"
لقد اتخذت الفنانة الراحلة من الفن رسالة لحفظ التراث وتأصيله وعصرنته ولزرع قيم النبل والفضيلة فى نفوس المتلقين لفنها وبعث روح التضحية للدفاع عن الوطن وقضيا الإنسانية العادلة ولقد شهد المواطن الموريتاني دموع العتاب على وطن بذلت من أجله الكثير ولم يقدم لها شيئا فكانت الدموع هي رسالتها فى آخر إطلالة لها فى عيد استقلال كان والدها أول من لحن نشيد احتفاليته الأولى وغنت هي فى ذكراه كثيرا( يا موريتان اعليك امبارك الاستقلال) أمام وطنيين صادقين لا أدعياء قاصرين . فرحمك الله يا فنانتنا العظيمة لقد اختار الله لك الرحيل عن وطن يعيش مرحلة ضياع حقيقي وجعل سكن روحك الأخير عصفورا صداحا من عصافير جنات عدن متنقلا بين رياضها وبساتينها العذبة قاطفا من ثمارها كل ما لذ وطاب فقد كانت دمعتك صادقة فحال موريتانيا اليوم يدعو للشفقة " فلا الناس ناسى ولا الجيران جيرانى ". وسيظل صوتك مغردا فى كل بيت وستظل دمعتك برهانا على وطنيتك فى زمن النفاق والتزلف . |
