|
بقلم الأستاذ :المرتضى ولد محمد أشفق يأتون في صمت, ويعملون في صمت, يكبرون ويعظمون في صمت... ثم يرحلون في صمت... نجوم تشرق فجأة وتختفي فجأة.. والناس في غفلة وعلى أبصارهم غشاوة وفي آذانهم وقر... لكن أتربة الجحود وقتام المكابرة لا يحجبان النور المنساب في كل اتجاه لان النور أقوى من العتمة...
فكم عارض ملأ الوهاد والأنجاد واكتسح آذيه حواجز الرمل فدبت الحياة في الأرض الماحلة واغدودن النبت ونديت الخمائل وتحول المنظر الرمادي إلى خضرة آسرة, وتبدل الشحوب نضارة, كل ذلك في مفازات تيه وصحراء مذكار لا تطأها قدم الإنسان ولا أنعام الإنسان...
وكم تنفست الأزهار عبيرا زكيا في القفار بعيدا عن أنف ابن آدم المزكوم.. الظلوم.. الكفور...
ثم يخيل إلينا تارة أن للزمن قلبا راحما وعاطفة حادبة على البشر كلما رآهم في وحل التيه بين أنياب المحل والإملاق الخلقي يتردون إلى الدرك الأسفل من الانحطاط القيمي منبتين من كل أسباب الفضيلة المفقودة فيسخو ويهب وهو البخيل وهو الضنين ويرحم وهو القاسي... فيبسق من بين أجاديبه نخل له طلع نضيد... وتنبجس العيون سيولا رقراقة فيعلم كل قوم مشربهم...
ولد الندى بداية أربعينيات القرن الماضي ونشأ كما ينشأ أبناء قومه... درس القرآن والفقه وعلوم العربية... رحل مستزيدا إلى بعض المحاضر القريبة والبعيدة.. ولن نسهب في هذا الموضوع لأن الرجل ظل طول حياته متعلما باحثا متأبطا جراب التحصيل المعرفي, سالكا كل السبل السالكة والشائكة حتى لنكاد نقول إن قدميه قد وطئتا كل شبر من تراب هذا الوطن مستكشفا مستوضحا منقذا نافضا غبار النسيان والإهمال عن كنوز موريتانيا العلمية والتاريخية والثقافية والحضارية..الخ.
وفي نهاية الستينات دخل سلك المعلمين ودرس في مناطق عدة من البلاد... ليستقر أخيرا باحثا في المعهد الموريتاني للبحث العلمي, وفيه عايش عن قرب موسوعة البلاد المرحوم المختار ولد حامدن الذي اكتشف شخصية الرجل وقدره حق تقدير وظل يعبر عن ذلك بالشعر والنثر وأدرك انه المؤتمن على مواصلة درب البحث والتدوين لتاريخ موريتانيا.. وكان قبلة الدارسين والباحثين يقصدونه على اختلاف مقاصدهم وأمزجتهم وأخلاقهم لكنهم جميعا يجمعون أنهم اكتشفوا في صاحبنا ثروة لا تحد من الأخلاق والتواضع والصبر والحلم والابتسامة المتواصلة حتى لا يشعر أحد أن الندى صار يريد إنهاء اللقاء..
عرفته في أواخر الستينات عندما أرسلت إليه الوالدة رسالة تنبئه أن مسابقة لاكتتاب معلمين أعلن عنها, وحضر وشارك ونجح وعلم... كما ذكرنا... بعد ذلك توطدت صلتي به لأني وجدت فيه ما يظل الأطفال في سني يفتقدونه ممن هم في سنه: الصحبة والصداقة.. وقد نجد حالات منها بين أشخاص لا يرتبطون بآصرة دم قريبة وهي حالة معدومة بالنسبة لي وله... والمعتاد حسب العرف أن أرى فيه قسوة وتوقيفا عند الحد لأن ذلك في شرع البعض نوع من التربية الصالحة حتى لا (يخسر) الولد ويكبر على التدليل... وشيئا فشيئا أصبحت تتكشف لي بعض خصال الرجل النادرة وأصبحت أميزها وأفهمها وأدركت أنه رجل لا كالرجال... يذكرنا بما نقرؤه عن حياة الصحابة الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذين كانوا رهبانا بالليل فرسانا بالنهار... كان يعمل بنفسه, يبني كوخه ثم بيته يخلط الطين غائصة رجلاه فيه... يسقي مزرعته... لم يلبث سنتين أو ثلاثا في وظيفته حتى ضرب الجفاف البلاد وإذا أغنياء الأمس هم فقراء اليوم, وقضت السنون العجاف على النسل والنعم وإذا غول المجاعة يأكل الناس ناحلا وسمينا... فبدأ يمارس مهنة التطبيب التقليدي والمعاصر مجانا، واقتضى ذلك أن يكون بيته مأوى كثير من ضحايا الجفاف الذين قدموا إليه لا يحملون إلا اليأس والفاقة وسوء الحال والمرض فكان يبرئهم بإذن الله بطلاقة وجهه ورحمة قلبه وجود يده... كان يداويهم وينفق عليهم ويتماثلون للشفاء لكنهم لا يرحلون, ولماذا يرحلون والموت يترصدهم في كل طريق بعد أن انقلبت عليهم نوائب الدهر... وهم في الغالب أناس لا يعرفهم..
عرف مجتمعه ككل المجتمعات خلافات طائفية ساخنة وباردة حسب المناخ السياسي المخيم, لكن الندى الملتزم لهموم قومه والحمال لأثقالهم يظل دائما بعيدا عن تلك السوح النتنة يقدم دينه على دنياه غير آبه باللجاج من حوله يستحضر قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده... وكل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله... لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه..) كأنه في واد والقوم في واد ولأن مطامحه وأحلامه وأفكاره كانت أكبر وأشمل, فما كان يؤمن بالانتماءات الضيقة إلا حسب التراتب الشرعي وما يقتضيه ذلك من صلة للرحم، أما الإيمان بها مفهوما للإقصاء وإثارة للفتن فأمر لم يخطر للندى ببال، لأنها صنعة الساقطين المفلسين من أسباب الحياة الكريمة مثلهم كمثل الجراثيم لا تنمو إلا في المناطق الوسخة المتعفنة والموبوءة, فكما تقضي النظافة على الجراثيم يقتل التآخي والتحابب والتآزر ثعالب الفساد والفتنة, فاكتسب صداقة الجميع ومحبة الجميع واحترام الجميع وكان همه السعي الدؤوب لإصلاح ذات البين ما وجد إلى ذلك سبيلا... حتى في الخلافات التي عرفتها بعض مناطق البلاد بعد ظهور الطريقة التيجانية والتي تجلت في الاحتكاكات والمهاجاة والهجران... وقد عرفت منطقته التجانية في زمن الشيخ إبراهيم انياس رحمه الله وحملها إلى قوم الندى الشيخ عبد الله ولد الشيخ عبد الله رحمه الله ومن الطبيعي أن تقابل بالرفض والاستنكار شأنها شأن كل وافد جديد لا يعرفه الناس... اعتبروها من بدع آخر الزمان وأنها مروق على ما وجد عليه الآباء ومنافسة لمركزية سلطة دينية ظلت سائدة برهة غير قصيرة من الزمن.. وفيها خروج على المألوف فالطريقة القادرية في هذا المنتجع كانت طريقة النخبة فالورد لا يعطى إلا لمن يزعم أنه يقوم بحقه ومن تقدمت به السن العلمية, أما العوام فانتسابهم كان أقرب إلى الولاء والتبعية الموروثة... وإذا الطريقة التيجانية تعطى لكل من طلبها من ذكر وأنثى وعالم وجاهل وإذا ظاهرة (الجذب) تطال الكل غير مميزة طبقة عن طبقة ولا جيلا عن جيل وتهز مسلمات ظل التعامل معها بالصمت والتقبل أو الإنكار الخفي, وإذا العوام يخوضون في مبهمات حيرت فطاحلة علم الكلام.. كان إذن شيئا منكرا عند قوم ظلوا أتباع طريقة متجذرة عم إشعاعها شتى البقاع, ويستمدون من درس فقهي فروعي غيب فيه تدارس القرءان والحديث وظلا نصين تعبديين لا يسمح باللجوء إليهما لأن الناس يرون في ما دونهما من الوسائط كفاية. وذلك منذ عطل الاجتهاد وإعمال العقل والتدبر وحكم على المتأخرين بأنهم سيظلون عالة في عقولهم وعلومهم وأفهامهم واستنباطاتهم على المتقدمين المتحصنين بالعصمة والقداسة... ظهرت الطريقة التيجانية إذن في قوم الندى وهم قريبا مما صورنا, فمارسوا الإنكار الناعم ولم يتجل في فعل أو قول ناب بل سجل لهم التاريخ سابقة عظيمة في كرم الأخلاق عند زيارة الشيخ إبراهيم انياس لألاك سنة 1967 فقد جاءه وفد من غير التيجانيين بل من المتزمتين الرافضين للتيجانية, جاءوا للسلام على الشيخ إبراهيم والترحيب به وباسطهم وباسطوه... وكانت سبيل الشيخ عبد الله رحمه الله مساعدة في ذلك لأنه كان دمث الأخلاق حلو المنطق لين الجانب هادئ الطبع كيسا سمحا.. وكان من أهل الندى من أخذ هذه الطريقة التيجانية وظل الندى محافظا إن لم نقل ضاعف من صلاته ووده وحبه لذويه التيجانيين.. فافتتح قسما لتدريس النساء الفقه والسيرة والعربية وحسبك أن تعلم أن جل المنتسبات إلى هذا القسم تيجانيات دليلا على أنهن كن يكبرنه ويأتمنه... كان البعض يظن أن الندى رجلا قادريا والحق أن الندى لم ينتسب لأي طريقة صوفية, كانت له صداقات مع بعض المشايخ الدينيين تميزت بالاحترام المتبادل كان يكبرهم ويكبرونه لكنه كان حريصا على شيء واحد: ألا يسفه طريقة قوم ولا ينتقصها ولا يسمها بالانحراف والتضليل لأن رؤيته الإسلامية كانت أعمق وأرحب وأدرك لسعة هذا الدين... ورحمة رب العالمين..
كان حريصا على نشر الثقافة العربية الإسلامية في الناس, وفي بيته حيث كان لا يسامح الصغار والزوار في استعمال الكلمات الأجنبية مثلا بدل أن نقول (آرموار) يقول: قل الدولاب, وبدل "مكزين" مخزن...الخ وكان يلقن الأطفال الصغار الأربعين النووية... ومآثر الكلام والحكمة الشعرية السائرة..
الندى إذن قامة سامقة وقمة شاهقة من قامات وقمم الأخلاق الفاضلة فرعها في السماء وأصلها ثابت, أكلها دائم وظلها رغم رداءة الزمن... ظل فارسا مغوارا لا يثلم له سيف, من فرسان التواضع والحلم وحسن السمت في زمن الجبن والتخاذل وتكبر الجهال وتعاظم السفلة... في انواكشوط ظل يسكن منزلا متواضعا في الأحياء الشعبية قريبا من الأسواق والمكاتب ومن قلب المدينة, وكان الناس يأتون هذا البيت بحكم موقعه فيجدون فيه كل مستلزمات الراحة من طعام وشراب بارد وشاي ويرون محيا طلقا وابتسامة كريمة ويسمعون حديث ترحاب ألذ عند الضيف المتعب من القرى وما أحوج من أرهقه السير وراء حاجاته في العاصمة إلى محال أقصى أمنيات أصحابها أن يمسيهم الضيفان ويصبحوهم... تدخل البيت فترى الأشياء فيه مبعثرة لكثرة داخليه وفي ركن قصي يستأثر الندى بمساحة صغيرة لمكتب متواضع عليه بضعة كتب وأوراق ينقطع لها إذا هدأ الليل لأنها هي حظ رجل قدره البحث المتواصل... يصدق في هذا البيت المتواضع المبعثر المتاع البعيد عن أضواء المدينة ورخائها وزخرفها ومكيفاتها وتجهيزاتها قول الشاعر الحساني لعبد العزيز ولد الشيخ محمد المامي:
زر اكويدس ذ كال حد *** مجدوب الاعنــــدوم
وابعيد من الم غير بعد *** عند خيم معــــــلــوم
وماذا يفعل الجياع بالزرابي المبثوثة والمكيفات الهادرة والجدران المزركشة وأواني الذهب والفضة؟ كما قال قوم: لقد حقرناك يا ذهب بت في متاعنا وبتنا جياعا لم نتعش.
اشترى سيارة سميت حمالة من انقطعت به السبيل (رفادت الباكي) يخيل إلي في بعض الأحيان أنها وقف, لكثرة ما تنقل من الناس إلى أهدافهم المتباعدة, والغريب أن الرجل أثناء قيادته لها في شوارع انواكشوط يظل يجيل بصره ليرى من يحمله من المحتاجين والضعفاء, خلافا للكثير الذي يتجنب النظر حتى لا يرى من يعرف, أما الضعفاء فأنى لثيابهم المتسخة أن تمس المقاعد الوثيرة للسيارات الفاخرة؟.
الندى ظاهرة فريدة, وحادثة جميلة جاءت ورحلت سريعا والأشياء الجميلة عادة لا تعمر, قال أبو تمام من رثاء محمد بـن حميد الطوسي:
فـــــــــتى كلـــــما فاضت عيون قبيلة *** دمـــــا ضحكت عنه الأحاديث والذكر
امن بعــــــــد طــــي الحادثات محمدا *** يكون لأثواب النـــــــــــــدى أبدا نشر
إذا شجرات العـــــرف جذت أصولها *** فـــــــفي أي فرع يوجد الورق النضر
وكيف احتمالــــــــــي للغيوث صنيعة *** بإسقائها قبرا وفــــــــــــي لحده البحر
مضى طاهر الأثواب لــم تبق روضة *** غداة ثـــــــــــــوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفـــــــــــــــــــا فإنني *** رأيت الكريم الحــــــــــر ليس له عمر
الندى حالة خلقية وثقافية وعلمية واجتماعية نادرة... عرفها الوطن ولم يعترف لها.
توفي والده سيد محمد سنة 1985 وقرر الندى أن يدفنه في أغشوركيت بدل مقبرة قديمة فيها آباؤه وأجداده وأعيان عشيرته, فالناس عادة تختار المدافن لجوار الصالحين... ثم تطور الأمر حتى أصبح حتمية طبقية ترى أن العظماء لا يمكن أن يدفنوا إلا في مقابر تليق بمكانتهم وقدرهم وعلمهم... وكان ذلك ربما يخفف من صدمة المصيبة... لكن الندى يعلم أن الميت لن يجد أمامه إلا ما قدم... وأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى, و(أن أكرمكم عند الله أتقاكم) ورأى أن قرب المدفن فيه رفق بالناس وفيه مصلحة للميت وذويه حيث يتمكنون من زيارته والترحم عليه والدعاء له دون ان يتكلفوا سفرا وتعبا...فدفنه على بعد 200م غرب القرية قرب الطريق المعبد... وفاجأ الفعل الناس.. بل قال قائلهم إن مصيبة موت سيد انضافت إليها مصيبة دفنه في ذلك المكان... كان الندى ينظر بعيدا - عفوا بل قريبا لأن الموت حدث متواصل- وها هي المقبرة اليوم مدفن كبير يسرت للناس دفن موتاهم وزيارتهم وأصبحوا يدعون للندى بالخير, والندى نفسه نزيل تلك المقبرة التي سماها رياض الجنان...
وبادر كبار العلماء والشعراء إلى رثاء والده.
وسننشر بعض هذه المراثي تحت عنوان: نصوص قيلت للندى (وهي مراثي والده وزوجه) ثم في حلقة أخرى ننشر نصوصا تحت عنوان: نصوص قيلت في الندى (نصوص سمعها وأخفاها لتواضعه, ثم نصوص قيلت بعده).
ملاحظة: سنركز أولا على النصوص التي قالها شعراء ليسوا من عشيرة الندى, أما النصوص المحلية فسننشرها لاحقا إن شاء الله.
|