|
د. عبد الغني عماد
هل يستطيع فريق سياسي ان يحكم في لبنان مستبعداً فريقاً آخر؟ أو بالأحرى بمعزل عن فريق آخر وفق صيغة فريق يحكم وآخر يعارض؟
في الواقع هذا النوع من الأنظمة السياسية ثبت أنه يمكن أن يكون فعالاً في مجتمعات ديموقراطية سليمة لا يتقاطع فيها السياسي مع الطائفي والمذهبي والعشائري. فهو يضمن تداول السلطة، ويؤمن المساءلة والمحاسبة لعمل السلطة التنفيذية.
مع ذلك ليس الأمر بهذا التبسيط، ، فقد دلت الخبرة السياسية المتحصلة من الممارسة في الحقل اللبناني أن الإنقسام السياسي القائم فيه ليس سطحياً، بل هو يطال مسائل جوهرية تتعلق بطبيعة النظام اللبناني وهويته وعلاقاته وخياراته العربية بل وحتى الإقتصادية.
وهو ليس في كل الأحوال إنقساماً سياسياً بحتاً، بل هو إنقسام معقد يتمفصل على وقائع الإجتماع الطائفي والمذهبي والعائلي والمناطقي ، ويتقاطع فيه الداخلي والخارجي،ويتماهى مع توازنات من يمتلك نصاب القوة على الارض ، لكل هذه الأسباب وجد اللبنانيون أنفسهم، في كل مرة حاول فيها فريق سياسي تحقيق غلبة ما على فريق آخر،أمام أزمة تهدد سلمهم الأهلي. ولهذه الأسباب نفسها ايضا يجد الفريق الحاكم نفسه أمام إستعصاء الحكم من جهة وفي مواجهة معارضة شرسة تستخدم كل أنواع الأسلحة السياسية لتعطيله وأسقاطه.
ألم يحدث هذا حين إنسحب الوزراء الشيعة من حكومة الرئيس السنيورة وخاض حزب الله معارضة لا هوادة فيها لاسقاطها ؟ النتيجة كانت 7 ايار واتفاق الدوحة وما بينهما ؟
في ذلك الحين هطلت علينا نظريات في الديموقراطية التوافقية كالمطر من أطراف المعارضة، التي أصبحت اليوم أغلبية حاكمة. وأطلق حزب الله في وثيقته السياسية الأهم منذ تأسيسه عام 2009 ، شعارا يرفض فيه "معادلات الأغلبية والأقلية " بانتظار ان يصبح "المواطن قيمة بحد ذاته"، لذلك رأيناه يقرر في وثيقته بوضوح أنه: "طالما النظام السياسي يقوم على أسس طائفية فإن الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان، لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور ولجوهر ميثاق العيش المشترك". جاء ذلك في تطابق حرفي بين الحزب والتيار الوطني الحر (وثيقة6 شباط 2006) وهو ما تم ترجمته عملياً بمطالبة حثيثة من قبلهما بما سمي بالثلث الضامن أو المعطل والذي أعتبر حقاً طبيعياً للمعارضة ، ايا كانت هذه المعارضة ، هذه الصيغة النظرية المهرطقة التي أبدعها العقل اللبناني المأزوم في ذلك الحين.
في المحصلة ان قوى 14 اذار ورغم فوزها في بالاغلبية في انتخابات 2009 التزمت بمنطق خصومها فشكلت حكومة توافقية برئاسة سعد الحريري منحت فيها الثلث المعطل للاقلية الذي سمح بتعطيلها وإسقاطها في نهاية المطاف ؟؟
كل هذا الكلام تبخرّ اليوم، فلا توافقية ولا من يحزنون، بل إن البعض تجرأ على الشاشات رافعاً شارات النصر بيد و كؤوس الشمبانيا بيد اخرى والتي يبدو ان مفعولها أفقده توازنه ونسي ماكان يقوله بالامس عن المشاركة والاقصاء والاستئثار.
لست من أنصار الديموقراطية التوافقية ولا من مؤيديها، فهي عندي الاسم الرمزي لنظام التحاصص الطائفي والمذهبي البغيض، هي القناع الذي يستخدمه السياسيون الطائفيون وهم يرجمون الطائفي ويطالبون بحصة فيه.
انها الشعار الزائف لتقاسم الغنيمة وتوزيع الاسلاب والمغانم والمناصب. لكن هذا لا يعني ان حكومات الغالب والمغلوب هي الحل في ظل الإنقسام الحاصل في لبنان وفي ظل التأزم الإقليمي والإنسداد الإصلاحي في النظام السوري.
حسنا فعلت الاغلبية الجديدة في الانقلاب على خطابها السابق وتنكرها لشعاراتها التوافقية ، لكنها اليوم امام امتحان الانجاز، فهل تتمكن من تحقيق ما عجزت عنه الحكومات التوافقية ؟ اما الاهم من كل ذلك هو ان تقبل نهائيا والى الابد بقواعد اللعبة الديموقراطية بدون 7 ايار وقمصان سود في المستقبل اذا ما انقلبت التوازنات فهل هذا ممكن ؟؟؟
|