| لا إصلاح سياسي دون تعديلات على الدستور وقوانين الانتخابات |
| الثلاثاء, 05 يوليو 2011 11:56 |
|
بسم الله الرحمن الرحيم تكثر في هذه الأيام النقاشات المتعلقة بدور البرلمان الموريتاني في الساحة السياسية، ومدى تمثيل البرلمان والمجالس المحلية للشعب، وتجسيدها لمطالبه؛ وهذا يعيدنا إلى النقاشات التي تطرح من حين لآخر حول شراء الأصوات، واستغلال المال السياسي في الانتخابات ، خاصة في ظل رفع شعارات من قبيل محاربة الفساد.
وفي حقيقة الأمر فإن محاربة الفساد تبدأ بمحاربة الفساد السياسي، الذي تكرسه بعض مواد الدستور، والقوانين الانتخابية الحالية، والتي جعلت أغلب المواطنين ينظر بسلبية إلى الهيئات المنتخبة ا، وهذا ما يحتم على الفاعلين السياسيين ـ وهناك بشائر الحوار فيما بينهم ـ التفكير في تعديل بعض مواد الدستور والقوانين الانتخابية التي تساعد على الفساد السياسي، وذلك بطريقة تقضي على شراء الأصوات، وتجعل المؤسسات التشريعية والبلدية تمثل الشعب تمثيلا حقيقيا عادلا. تعديل الدستور... لا لمجلس الشيوخ تعد موريتانيا من أول الدول العربية والإفريقية استنساخا لدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، وهو استنساخ لم يراع مترجمو الدستور اختلاف البئتين الفرنسية والموريتانية، ولا اختلاف نسبة الوعي السياسي، ولا التباين الكبير بين عدد السكان في البلدين. فكاد الدستور الموريتاني أن يكون ترجمة للدستور الفرنسي. وأوضح مثال على هذا هو وجود غرفة الشيوخ ضمن البرلمان الموريتاني، وهي غرفة لا توجد في عدد من الدول الديمقراطية العريقة، ولا داعي لها في مجتمع صغير كالمجتمع الموريتاني. بل إن هذه الغرفة ـ كما أثبتت التجربةـ لا تمثل الشعب تمثيلا صادقا، ذلك أن محدودية الهيئة الانتخابية لهذا المجلس تجعل الفوز بمقاعده خاضعا للإغراء، رغما عن قواعد المستشارين البلديين وأحزابهم. لهذا فإن من الضروري تعديل المواد الدستورية المتعلقة بهذا المجلس، لتكون هناك غرفة برلمانية واحدة هي الجمعية الوطنية، والنص على أن منصب رئيس الجمهورية بالإنابة يكون من نصيب الوزير الأول، أو رئيس الجمعية الوطنية. نحو برلمان أكثر تمثيلا: أما بخصوص تعديل القوانين الانتخابية فإن التعديلات ينبغي أن تنصب ـ بعد إلغاء مجلس الشيوخ ـ على إقامة جمعية وطنية ينتخب نوابها دفعة واحدة بكيفية تجمع بين محاسن التمثيل النسبي، ونظام الدوائر الفردية. ففي الجانب الأول يتم انتخاب مائة نائب عبر اللائحة الوطنية، وفي الجانب الثاني يتم انتخاب نائب واحد عن كل مقاطعة. وتكون المنافسة على اللائحة الوطنية خاصة بقوائم الأحزاب والتحالفات الحزبية، في حين يسمح للأحزاب والمستقلين بالتقدم للمقاعد المخصصة للمقاطعات. وينتخب نواب اللائحة الوطنية في الشوط العادي، أما نواب المقاطعات فيتم حسمها بالطريقة المتبعة حاليا، والتي تؤدي إلى إجراء شوط ثان عند الاقتضاء. إن هذه الطريقة تسمح بتمثيل عادل لمختلف أبناء موريتانيا، وتجعل البرلمان أكثر تعددية من خلال توسيع مجال النسبية؛ وفي الوقت نفسه تجعل كل مقاطعات الوطن موجودة في البرلمان من خلال نواب المقاطعات. وبخصوص المكاسب التي تحققت للمرأة خلال الفترة الانتقالية 2005 ـ 2007 يتم الحفاظ على نسبة 20 % التي تحظى بها المرأة من خلال اشتراط أن تضم كل لائحة مترشحة للدائرة الوطنية هذه النسبة، وحجز مقاعد بعينها للمرأة (المقعد 2 ،5 مثلا). أما الموريتانيون في الخارج فينبغي تمثيلهم في الجمعية الوطنية من خلال 3 نواب، ينتخبهم الموريتانيون في الخارج وفق الطريقة التي ينتخب بها نواب المقاطعات، وذلك تعويضا عن المقاعد المحسوبة عليهم في مجلس الشيوخ حاليا. نحو مجالس بلدية أكثر تمثيلا من جهة أخرى يجب إعادة النظر في كيفية انتخاب العمد والمستشارين البلديين بطريقة تجعل العمدة يعبر عن اختيار شعبي حقيقي، مع ضمان تمثيل قوي لمختلف القوى السياسية والشعبية في المجالس البلدية. وفي هذا الصدد فإن الرأي عندي يتمثل في الحفاظ من النظام الحالي على ضمان تمثيل مختلف اللوائح في المجلس البلدي من خلال شوط واحد؛ مع تعديل المواد المتعلقة بالعمدة، الذي ينبغي أن يكون رأس اللائحة التي أحرزت 50 % في الانتخابات، وفي حال عدم تمكن أي لائحة من الحصول على هذه النسبة يتم إجراء شوط خاص بالعمدة، يتقدم إليه رأسا اللائحتين الحاصلتين على أكبر قدر من الأصوات، يحسم فيه الناخبون منصب العمدة. ذلك أن القانون الحالي أدى إلى مفاسد كبيرة، حيث صار منصب العمدة كمنصب عضو الشيوخ، يستغل فيه المال السياسي، وأدى إلى انقلابات انتخابية، علما أن الناخبين في البلديات ـ وخاصة الريفية ـ يصوتون للائحة بناء على موقفهم من رأس اللائحة، ومن الظلم لهم أن يتم الالتفاف على خيارهم، وأحيانا من اللائحة نفسها، وكثيرا ما يكون الناخب لا يعرف من اللائحة سوى رأسها. وفضلا عن هذه الإصلاحات من الضروري أيضا الحفاظ على المكتسبات الأخرى؛ كالبطاقة الموحدة للانتخابات، وإحياء اللجنة المستقلة للانتخابات، وتوسيع مجال عملها، وتوسيع مجال الحريات السياسية والإعلامية، والتعامل الإيجابي مع المطالب الاجتماعية المشروعة للنقابات والحراك الشبابي. والخلاصة أن هذه الإصلاحات هي الحد الأدنى الذي لا غنى عنه للحد من الفساد السياسي، ولضمان تمثيل حقيقي للشعب. ودونها لا قيمة لأي إصلاح دستوري وقانوني، ولا جدوى من الحفاظ على النظام شبه الرئاسي، ولا من الانتقال عنه إلى النظام الرئاسي الكامل، أو النظام النيابي. فكلها أنظمة شكلية لا تحل المشكل. د.عبد الله السالم بن محمد يحيي
|
