| في تركيا: المعركة بين الجيش والحكومة الجيش يصرخ اولا |
| الأربعاء, 03 أغسطس 2011 16:53 |
|
لأول مرة في التاريخ الحديث لتركيا، تكون القيادة العسكرية هي التي تستقيل بسبب خلاف مع الحكومة، وليست الحكومة هي التي تزاح في وضح النهار كما حدث مع عدة حكومات منتخبة كان آخرها حكومة المرحوم نجم الدين أربكان. رئيس الاركان التركي برر إستقالته بقوله : إنه من المستحيل بالنسبة له الاستمرار في عمله لأنه غير قادر على الدفاع عن حقوق مرؤوسيه وانه يتعرض لضغوط قوية . ودون الخوض في في حقيقة كلام الرجل حيث تبين الحقائق انه سيحال لتقاعد مع نهاية اغسطس الحالي فالمهم عندنا هو قدرة حكومة تركية علي الضغط علي العسكر او حتي مجرد إستفسارهم حيث ظل العسكر في تركيا مؤسسة فوق القانون منذ تأسيس الجمهورية فميزانيتهم لاتمر عبر البرلمان ولا علاقة لهم بوزارة العدل ، ويبدو أن حزب العدالة والتنمية الحاكم كان مستعدا لمثل هذا التطور ، حيث قلل الرئيس التركي عبد الله جول من شأن تلك الاستقالات ، نافيا وجود أزمة داخل المؤسسة العسكرية . وأضاف جول أن الاستقالات خلقت وضعا غير عادي لكنه لا يرقى مع ذلك إلى أزمة وأوضح أنه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة فقد قرر تعيين قائد الدرك الجنرال نجدت أوزال قائدا جديدا للقوات البرية وكلفه برئاسة الأركان وذلك بعد اجتماع عقده مع أردوغان. . وبالنظر إلى أن العرف جرى في تركيا أن يصبح من يترأس القوات البرية قائدا للقوات المسلحة ، فقد فسر كثيرون تعيين أوزال بأنه بداية اختراق أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم للجيش الذي كان المؤسسة الأقوى التي تحمي العلمانية . دور الجيش في الحياة السياسية التركية منذ أن أسس كمال أتاتورك الجمهورية التركية العلمانية جعل الجيش محضنًا للمبادئ العلمانية وحارسًا لها، ومراقبًا لأداء النُّخب السياسية والثقافية؛ حتى يتمكن من التدخُّل في الوقت المناسب إذا رأى أن عربة العلمانية بدأت تخرج عن مسارها الذي خطه لها المؤسس أتاتورك.. هذا الدور أصاب الحياة السياسية بالشلل، وأدى إلى ضمورها بعد أن لجأ الجيش للتدخل بنفسه في مرات عديدة عبر انقلابات تنوعت ما بين الدموية والبيضاوية.. - ففي مايو 1960 دبر ضباط وطلاب عسكريون من إسطنبول وأنقرة انقلابًا للمطالبة باصطلاحات سياسية، أعدم على خلفيتها ثلاثة وزراء سابقين، من بينهم رئيس الوزراء عدنان مندريس، والذي تردَّد حينها أن خطيئة مندريس الكبرى غير المعلنة آنذاك هي سماحُه بعودة الأذان باللغة العربية بدلًا من التركية التي فرضها أتاتورك، وهو الأمر الذي نظر إليه الجيش على أنه خروج على العلمانية الأتاتوركية. - وفي عام 1971 أصدر الجيش تحذيرًا للحكومة باستعادة النظام بعد أشهر من قتال الشوارع بين اليساريين والقوميين، وعلى إثره استقال رئيس الوزراء سليمان ديميريل، وأعلنت الأحكام العرفية ولم ترفع كلية حتى سبتمبر 1973. - وفي سبتمبر 1980 دبرت القيادة العليا للجيش بقيادة الجنرال كنعان إيفرين انقلابًا سلميًّا، وجاء الانقلاب بعد تجدُّد قتال الشوارع بين اليساريين والقوميين، جرى اعتقال زعماء سياسيين وتم حل البرلمان والأحزاب السياسية والنقابات العمالية، وتم تفعيل دستور مؤقت ومنح قادة الجيش سلطات غير محدودة، وتولى على إثره الجنرال إيفرين حكم البلاد. - وفي يونيو 1997 اتهم معارضو رئيس الوزراء نجم الدين أربكان رئيس الوزراء بأنه يمثل خطرًا على النظام العلماني للبلاد، وضغط الجيش بكل ثقلِه، وأرسل رسائل لأربكان تحذِّره من مغبة الاستمرار في منصبه، فاضطرَّ أربكان إلى الاستقالة. بدأت المعركة بين حكومة العدالة والتنمية والعسكر التركي مع وصوله لسلطة لاكنها ظهرت علي سطح بشكل كبير بعد وصول الرئيس عبد الله غول سنة 2007 لسلطة ودخول زوجته المحجبة لقصر كوشكه ، في عام 2009 اعتقلت الشرطة التركية مجموعة من الضباط و المفكرين والسياسيين السابقين والصحفيين بتهمة الانتماء لمنظمة إركنكون الاطاحة بحكومة اردوغان، التي تشكل بالنسبة لهم خطرا على استمرار وجود تركيا كدولة تعتمد على مبادئ أتاتورك، ولا سيما مبدأ العلمانية المتوحشة . في عام 2010 اعتقلت الشرطة 5 جنرالات وعشرات الضباط يتزعمهم الجنرال تشتين دوغان في ماعرف بقضية المطرقة وحسب وثائق عرضتها النيابة العامة، اعتزم 'المتآمرون' المس بالمساجد والمؤسسات الدينية لاحداث استفزاز يؤدي الى استيلاء الجيش على الحكم. وفي السنوات الثلاث الماضية اعتقل مئات المشبوهين للمشاركة في القضيتين والآن يمكث في المعتقل 173 ضابطا في النظام و77 ضابطا متقاعدا بانتظار محاكمتهم . لهاذه الاسباب وغيرها بدات حكومة إردوغان بإصلاحات دستورية تبعد الجيش عن الحياة السياسية وتزيد من نفوذ المدنيين داخل مؤسساته ،رغم أن إردوغان لم يحقق أغلبية الثلثين في انتخابات يونيو الماضي لتغيير الدستور التركي ، إلا أنه أعلن مرارا أن اللباس أصبح ضيقا جدا على تركيا في إشارة إلى أن الدستور الحالي الذي أقره الجيش عام 1982 بعد انقلابه على الحكومة المدنية في 1980 لم يعد يناسب طموحاته في أن تلعب بلاده دورا إقليميا وعالميا أكبر ولذا يتوقع أن ينجح في النهاية في التحالف مع المستقلين لوضع دستور جديد بعد أن نجح في تعديل حوالي 100 من أصل 170 مادة في الدستور الحالي منذ وصوله للسلطة في عام 2002 . اليوم أجتمع مجلس الشوري العسكري بقيادة إردوغان وتم إستبدال الجنرالات المتقاعدين بآخرين مقربين من الحكومة مما يعني ان إردوغان وضع سيطرته علي الجيش وأن عملية عض الاصابع بين الجيش والحكومة قد انتهت وفي حال تحقق هذا ، فإن تركيا تكون قد حسمت نهائيا معادلة الاختيار بين مرحلة الانقلابات وتاريخها الأسود التي قادها الجنرال كنعان إيفرين عام 1980 حينما تم إعدام مئات النشطاء السياسيين وحظر الأحزاب السياسية وبين مرحلة التخلص من سيطرة النظام العسكري التي بدأها إردوغان بما يؤدي في النهاية إلى حسم الصراع الدائر منذ سنوات بين العسكر والمدنيين لصالح الحكم المدني. شيخ محمد باحث في الشأن التركي
|
