عندما يستشري الفساد في الإدارة
الخميس, 18 أغسطس 2011 11:31

 

 منذ توليه زمام الأمور أعلن فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز حربا لا هوادة فيها على الفساد والمفسدين وشرع  فخامته في تطبيق سياسة محاربة الفساد بملاحقة كل المفسدين وتقديمهم للقضاء سبيلا لبناء دولة الحق والقانون وإرساء المؤسسات الديمقراطية وجعل الإدارة كجهاز موضوع رهن إشارة الحكومة يساهم في الحفاظ على حقوق المواطنيين والمرتفقين، ويعمل على تقديم خدمات فيها مواصفات الجودة والإستمرارية والملائمة لصالح المواطنين بدون تمييز وبتكافؤ بين جميع الجهات تطبيقا لمبدأ تقريب الإدارة من المواطنين، أوبعبارة أخرى إعادة بناء العلاقة بين الإدارة والمرتفقين.

       لكن من المؤسف بل من المشين أن بعض إدارتنا اليوم لازالت تشوبها بعض الممارسات والتصرفات غير اللائقة، والتي لاتنم عن الإدارة المواطنة، وما من شك أن مثل هذه الأعمال والتصرفات من شأنها أن تجهض مشروع وجهود محاربة الفساد مادامت هي السائدة بالإدارة العمومية الموريتانية، وبالتالي فإن سياسة محاربة الفساد تكون مآلا للفشل والإحباط نتيجة لمثل تلك الظواهر السيئة في ظل تدني مستوى الرقابة على أعمال الإدارة.

      فمن مظاهر الفساد المؤسساتي بالإدارت العمومية ما يلي: (سيادة قيم الشخصانية، سوء توزيع الموظفين، تعقيد الإجراءات والمساطر الإدارية...)، هذا بالإضافة إلى مظاهر ومساوئ  ناجمة عن البيرو قراطية و أخرى مرتبطة بالبناء الإجتماعي للإدارة من قبيل:(القرابة، الزبونية،القبلية...).

      كل هذه الأمور هي مثبطات تميز الإدارة العمومية الموريتانية إضافة إلى ضعف الجانب الأخلاقي لدى العديد من الموظفين، وكذا عدم استفادة الإدارة العمومية من تجربة القطاع الخاص في مجال تدبير الموارد البشرية خاصة في ظل نجاح باهر لبعض مؤسسات هذا القطاع.

       إن الإرتقاء بالإدارة العمومية إلى الفعالية والإنتاجية العالية وتعزيز قدراتها التكنولوجية أصبح أمرا حتميا يفرض ضرورة وضع استراتيجيات مناسبة ترمي إلى تكييف الهياكل الاقتصادية والإجتماعية حتى تتوفر لديها في نفس الوقت ما يكفي من القوة لمسايرة تطور الأمور  ومجابهة ما يطرحه من تحديات.                   

      كما أن الإدارة العمومية الموريتانية أضحت مطالبة –  في ظل ظرفية تتميز بتفاقم المصاعب والتحديات الاقتصادية والاجتماعية – بإحداث قطيعة مع العشوائية والزبونية والمحسوبية، التي تعتبر من معوقات التدبير العمومي، وآن الأوان لتلعب الإدارة العمومية الأدوار المحورية  لإنعاش التنمية الشاملة وعقلنة تدبير الشأن العام المحلي ليشكل قاطرة أساسية لتأهيل الإدارة للعولمة والعصرنة والتحديث.

      ويتطلب الأمر هنا المسك بزمام التحديث بدءا بجمع المعطيات وتقوية العزيمة وصولا إلى التنفيذ الفعلي الذي يتطلب إعداد ووضع أرضية خصبة لإتاحة ونشر جو من الحوار والتشاور والاندماج.

     إن معظم المظاهر السابقة التي تم ذكرها على ضوء تشخيص الإدارة العمومية الموريتانية  هي معوقات ومساوئ لا زالت للأسف تنخر جسم بعض المصالح الإدارية بالمديرية العامة للوظيفة العمومية، وذلك من قبيل سوء الإستقبال والتماطل بالمرتفق – المواطن–  لدى بعض هذه المصالح الإدارية كإدارة تسيير موظفي الدولة على سبيل المثال لا للحصر.

       فالاستقبال يعتبر أول خطوة  في علاقة  الإدارة  بالمرتفق، حيث يعتبر أول تواصل مباشر بين المرتفق والعاملين بالإدارة، فمنه يتكون لدى المرتفق انطباع أول حول طبيعة الاستقبال الذي يتأرجح بين الإيجابي والسلبي، فإذا كان الانطباع إيجابيا فهذا يدل على انفتاح الإدارة وإنسانيتها، وإن هو سلبي كان العكس.

       والاستقبال كذلك هوعبارة  عن المرآة العاكسة لوجه الإدارة، وواجهتها الأمامية التي على أساسها يبني المرتفق موقفه منها، ذلك أن انطباع المرتفق  عن الإدارة وخدماتها مرتبط في ذهنه  بجودة الاستقبال الذي تخصصه له، الشيء الذي جعل استرجاع المصداقية والثقة لعلاقة الإدارة بالمرتفقين، يتوقف على وجود وحدات إدارية متخصصة في استقبال المواطنين والإنصات إلى مشاكلهم وطلباتهم، وإرشادهم ومساعدتهم.

      وهذا للأسف هو عكس مايقع بالمصالح المذكورة، فما إن تطرق باب الإدارة مستفسرا حتي يقابلك العون العمومي المكلف بتوجية وإرشاد المرتفقين، أو ما يسمى بالسكرتاريا بوجه عبوس ومقطب الجبين يجبيك ببعض المصطلحات التي ألفتها آذاننا وأصبحت مرتبطة بذاكرته الإدارية قائلا: المدير: غير موجود..، مشغول حاليا..، في اجتماع..، أخبرني أن لا يدخل اليوم عليه أحد...، قال لي أن أعدك بلقاءه في وقت قريب... وغير ذلك من مثل هذه المصطلحات.

      وكأنك تريد أن تأخذ من بين يديه كنزا أو يخافك من أن تجرده من منصبه، أو في حالة أخرى يعتقد أن تلك الإدارة ورثها من أبويه، هذا من دون أن يستشعربمبدأ "الإدارة في خدمة المواطن"، فما هكذا إذن تكون الإدارة.

فالإدارة هي نشاط وعمل متواصل يهدف إلى تلبية حاجات ورغبات المجتمع تحقيقا للمصلحة العامة، والاستقبال المتخصص بالإدارة من شأنه أن يساهم في التخفيف من حدة القلق والتوتر التي يعيشها المرتفق، كأن يحس بالاطمئنان وقرب الإدارة منه وتوجيهه توجيها سليما، دون استعمال أساليب المحاباة أو الابتزاز، ودون التمييز بين المرتفقين على أساس القرابة، أو المحسوبية... فهذا لا يكون إلا عندما يستشري الفساد بالإدارة

 

                                                                                  الحسين ولد محمد ولد جنجين 

 

 باحث في مجال القانون والعلوم الإدارية

 

 

 

 

 

 

عندما يستشري الفساد في الإدارة

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox