قبل أن تغرق السفينة
الثلاثاء, 27 سبتمبر 2011 19:01

altأحمد ولد الوديعة

إنهم يخرقون السفينة في عمقها ويطلقون الرصاص على الربان، ويتجهون بها إلى عمق البحر حيث لا فرصة في الإنقاذ عندما تجنح السفينة بمن فيها وتنحدر إلى القاع، فإلى متى نتفرج عليهم وهم يقودوننا بسرعة جنونية إلى هذه النهاية المأساوية.. ؟

 تلك هي حقيقة ما يقوم به النظام الحالي في تعاطيه الغبي مع قضايانا الوطنية والذي يجد آخر ترجمة  له فيما يجرى في كيهيدي منذ أيام؛ حيث  تابعنا في تصرف السلطات الإدارية والأمنية فنونا من العبث بوحدة البلد ومصيره إلى الحد الذي وصلنا فيه خلال هذه الساعات إلى حافة الغرق ما لم تتداركنا رعاية  إلهية.

 أعرف أن عديدين لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن حقيقة الأسباب التي جعلت العشرات من الشباب الموريتاني يخرج في مسيرات شعبية رافعا شعار" لا تلمس جنسيتي " ويصر على مقاومة قمع الشرطة في نواكشوط وكيهيدي وروصو، وأخشى أن كثيرين مستعدون لتصديق مقولات المؤامرة التي يروج لها سدنة "خراق السفينة " كلما أراد جمع من الركاب أن يوقف عبثهم، ولكل مرة " جهتها " التي يشار إليها، و"خيوطها" التى يكشف عنها من طرف جهات أمنية يقول تاريخ عملها الأمني إنها لم تستطع يوما أن تقوم بعمل أمني مهني يؤهلها للاكتشاف؛ فتاريخ كشف الانقلابات العسكرية والعمليات العنيفة ضد أمن البلد هو تاريخ الصدف بامتياز.

 إن الحقيقة التي لا بد من الاعتراف بها هي أن الطريقة الفجة التي  يتم بها الإحصاء الحالي والجهات التي كلفت بالإشراف عليه، والطريقة التي تمت بها مواجهة المتخوفين هي السبب الحقيقي لما يجرى من صدامات في كيهيدي بين الشبان الغاضبين من التهميش والجهات الأمنية والإدارية، وهي أسباب تمكن الإشارة إلى نماذج منها فيما يلي:

    - أحاطت السلطات الإحصاء الحالي بالكثير من الغموض في مراحله التأسيسية، رغم مطالبات برلمانيين من بينهم جميل ولد منصور وكادجتا مالك جلو بإزالة ذلك الغموض وتشكيل الجهاز المشرف عليه بطريقة  " تطمئن " كل القوى الوطنية والاجتماعية، وكعادتهم أصر الحكام العسكريون على " الهروب إلى الأمام" فتأسست الهيئة المشرفة على الإحصاء على الشك والريبة من أول يوم، وقد تمت ملاحظة ذلك أول مرة ليس من قبل شباب زنوج كما يحب " هواة التفجير العرقي " توصيف الأمور وإنما من قبل برلمانين ينتمون لتيارات معروفة بوطنيتها وبعدها عن النزعات التفريقية.

  - عندما حاولت شخصيات وطنية مرجعية لفت انتباه السلطات العمومية إلى ضرورة مراجعة الإحصاء وشرحه وطمأنة الناس بشأنه وطلبت لقاء مع وزير الداخلية والطاقم المشرف جاء الرد عنيفا من الشخصية المدللة المشرفة على تحديد هويات الناس أعني السيد امربيه رب الذى خاطب السيدة لاله عيشة سي وهي شخصية مرموقة من المجتمع المدني الموريتاني قائلا  " ما يحرككم ليس الحرص على الوطن وهدفكم ليس أن نوضح نحن ما نقوم به بل ما يحرككم هو أنك أنت لست موريتانية و السيد ماسيرا  الذى هو أمين عام وزارة الداخلية وهو العضو الزنجي الوحيد فى اللجنة ليس موريتانيا " ولم يستطع وزير الداخلية المسكين أن يوقف امربيه عند حده فانتهت الجلسة قبل أن تبدأ برد من لالة عيشة على امربيه قالت فيه ".. حسنا يبدو أننا لم نكن نفهم الأمر والآن فهمنا وعلى كل نحن مستعدون  لتطبيق المعايير التي تشير إليها علما أنها ستقصى الكثير من العائلات المنحدرة من أصول فرنسية ولبنانية، وهي عائلات تربطها فى الغالب صلات قوية بهرم السلطة ولا تبدو فى متناول مرمى نيران امربيه ومن يأتمر بأمرهم".

 - وفي تكرار مكشوف لسيناريو التعاطي الأمني مع ملفات أحداث الجامعة والحراك الشبابي تدس الجهات الأمنية عناصر منها في كل مسيرة ينظمها   شباب  " لا تلمس جنسيتي " لممارسة البلطجة على المارة ولتحويل الحراك من احتجاج مدني سلمي يقوده مواطنون ضد الإدارة العمومية إلى مشكل عرقي بين مكونات اجتماعية تعاني كلها – وإن تفاوتت النسب – من الظلم والقهر والتهميش، وتسود – أغلبها – حالة من السخط المتنامي على نظام استنفد في وقت وجيز رصيده من الوعود  التي كان آخرها وعد قرب نزول المطر حسب المعلومات الرئاسية.

 - تحاول بعض الجهات صرف النظر عن المخاوف المشروعة التى يعبر عنها البعض من الاحصاء المثير بالقول إن نشطاء لا تلمس جنسيتي هم جزء من تنظيم متطرف وأن هناك أجندات خارجية تحركهم، وبما أنني من المواكبين عن قرب لهذا الحراك منذ انطلاقته في شهر فبراير حتى الآن أستطيع  الجزم أنه ليس مكونا من فصيل سياسي واحد بل إن الغالب على الناشطين فيه هو عدم التسيس؛ فهم شباب يحسون الغبن والظلم والتهميش في وطنهم ويتنفسون عبير  ربيع الحرية القادم  من الشمال والجنوب، ويقولون لعزيز كما يقول أطفال حماة السورية لبشار إن " أبناء ضحايا المجازر قد كبروا.. إن زمن الخوف قد ولى ".

  - وفي كيهيدي هناك عشرات المؤشرات على أن الجهات الأمنية والإدارية تعبث بأمن المواطنين هناك وتجتهد في صب الزيت على النار  من خلال حزمة من الخطوات التفجيرية التي أسرد بعض الأمثلة عليها:

     -  تعاملت الشرطة والحرس والدرك منذ اليوم الأول مع المظاهرات بعنف شديد رغم أن عدد المتظاهرين كان قليلا وأن شعاراتهم كانت سلمية فقد اعتقل خلال اليوم الأول أكثر من عشرين شابا، وجرح عدد آخر من الشباب، وتضررت ممتلكات عمومية وخصوصية عديدة.

 - في صبيحة اليوم الثاني من الاحتجاجات اجتمع حاكم المدينة بعدد من تجار المدينة وكان فحوى الرسالة الإدارية التي نقل إليهم " عليكم بحماية أنفسكم وممتلكاتكم، من عنده سلاح فليستخدمه ومن لا سلاح لديه نحن جاهزون لنوفر له السلاح " وفضلا عما تعنيه هذه الرسالة من تخلي الدولة عن دورها في حماية الناس فإنها تعني أيضا تشجيعا مباشرا على الفتنة فأغلبية تجار المدينة كما هو معروف من " البيظان " وغالبية المحتجين من الزنوج.. هل سمعتم ما هو أخطر وأوقح من هذه الرسالة التى لا شك أن السيد الحاكم لم يخترعها من نفسه وإنما نقلها عن الجهات التى تراقب كل شيئ فى البلد.

  - بينما  كان عمدة المدينة ومنتخبون محليون يحاولون " تهدئة الأمور " ويوشكون على التوصل لاتفاق مع الشباب الذين يقودون الاحتجاجات دخل المدير الجهوي للأمن مبنى البلدية ومعه عناصر من الشرطة  مستهدفين  الشاب باتيلي بالضرب المبرح  وهو أحد العناصر القيادية في الحراك الشبابي ، وقد تم الاعتداء أمام أعين العمدة والمنتخبين والشباب المفاوضين.

  - عندما توصل وجهاء في مدينة كيهيدي مساء الإثنين إلى اتفاق مع الوالي يقضي بوقف الاحتجاجات صبيحة الثلثاء وإطلاق سراح الشباب المعتقلين قبل نهاية الدوام، ورغم أن الهدوء قد ساد كيهيدي صباح الثلثاء جاءت الأخبار السيئة من مقامة عن إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين وسقوط   الشاب لامين أنغام شهيدا لتدخل بذلك الأزمة ومعها البلد  منعطفا خطيرا.

 إن ما يجرى في كيهيدي ومقامه هذه الأيام يمثل  في الواقع واحدة من الجرائم الكبرى التي ارتكبها حكم العسكر في موريتانيا ضد وحدة الشعب الموريتاني على مدى الثلاثين سنة الماضية، وهي جريمة تتطلب من القوى السياسية الوطنية ما هو أبعد من الشجب والإدانة، وإنه لأمر مؤسف حتى الآن أن أغلب هذه القوى تبدو عاجزة عن  فعل أي  شيئ أمام الخروقات المتكررة لسفينة وحدتنا الوطنية الجانحة للغرق  فأقل شيئ ينبغى القيام به حاليا هو تبني المطالب المشروعة لحركة " لا تلمس جنسيتي " والانخراط معها في حراك شبابي متنوع  يرغم النظام على توقيف الإحصاء والجلوس مع الجميع على طاولة واحدة لتحديد معايير شفافة لإحصاء وطني شامل، وتحديد أسس سليمة لتعايش وطني راق بين مكونات مجتمعنا المسلم.. بذلك وحده نحفظ سفيتنا من الغرق في بحر الفتنة الآسن، ومن يدرى ربما نخرج من هذه المصيدة بجسم وطني أكثر تماسكا وأكثر قدرة على الإبحار بشجاعة نحو مستقبل نفرض فيه معا تحرير موريتانيا من حكم العسكر ونبنيها دولة جديدة حقا على أسس العدل والأخوة الإسلامية الرائعة.

 قبل أن تغرق السفينة

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox