هل بدأ الكيل يطفح؟
الخميس, 29 سبتمبر 2011 09:24

altلقد آن أوان إدراك الحقيقة البديهة، إذ لو لم تكن هناك نواقص خطيرة في إحصاء الحالة المدنية لما وقعت مظاهرات احتجاجية.. ومن عدم التبصر الاعتقاد بوجود دوافع سياسية وراء تلك المظاهرات، فلا شيء مكن ذلك على الإطلاق! هناك مواطنون شعروا بالإهانة في أنفسهم وفي وطنيتهم وفي عزتهم، وهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية داخل بلدهم. إن المشكلة التي يطرحها الإحصاء الحالي حول الحالة المدنية، قضية جدية يجب التوقف عن التعامل معها باستخفاف؛ فسياسة النعامة غير مناسبة في هذه الحالة، التي هي في غاية الحساسية لكونها تتعلق بمسألة مرتبطة بالوحدة الوطنية وبالمساواة بين المواطنين.

إن واجب الاهتمام بهذه المشكلة بغية تصحيح النواقص الموجودة في عملية الإحصاء، تقع على عاتق الدولة التي أبلغت بتلك النواقص حتى قبل بدء العملية أصلا. ولقد كان تعنتها في إدارة المسار بشكل أحادي، دون الرجوع لا إلى السكان ولا إلى الفاعلين السياسيين والمدنيين، هو ما أدى إلى حالة الانسداد الراهنة. يجب على الدولة أن تتصرف في اتجاه تهدئة الأمور قبل فوات الأوان، عبر النأي بنفسها عن أولئك الذين يحاولون تمرير فكرة أن المحتجين موجهون عن بعد من طرف قوى سياسية؛ ففي هذه الحالة يمكن الرد عليها بأن من تم تعيينهم لإعداد وتنفيذ عملية الإحصاء، يتصرفون بدافع سياسي حتى لا نقول عرقي.

كانت هناك إرادة جلية (دون علم السلطات العليا؟) للاستفزاز من ذ البداية. ولعل أوضح مثال على ذلك محاولة تقسيم البولار إلى "هالبولار" من جهة، و"فلان" من جهة أخرى؛ بينما الأمر يتعلق بنفس المجموعة. فما الغاية من تلك التوزعة الظالمة؟ وإلى أين يمكن أن تصل؟ وما تبعاتها؟

لقد تم تجاوز درجة أخرى على سلم العنف في كيهيدي، بعد نواكشوط.. فقد تحولت مظاهرة الاحتجاج التي نظمتها حركة "لا تلمس جنسيتي" يوم السبت الماضي، إلى مواجهة مع قوات حفظ النظام، مخلفة العديد من الجرحى ومسببة جملة من الاعتقالات والأضرار المادية. وتواصل الحراك يوم الأحد الموالي، رغم تعبئة الدولة للجيش والدرك ميدانيا لإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية. إنها مؤشرات واضحة على أن الوضع يزداد خطورة، والدليل على ذلك قيام احتجاجات، للمرة الأولى، في مدينة سيلبابي حيث ضجر السكان من البقاء مفعولا بهم دون ردة فعل؛ ولقد حان الوقت لكي يتم التعامل مع القضية بكل جدية، وبشكل نزيه ومسؤول؛ خاصة وأننا نعلم أن البلد لم ينته بعد من تضميد جراحه الناجمة عن سنوات الجمر. وما زال السكان متأثرين بالصدمات التي عاشوها آنذاك، ولا يريدون أن تتكرر نفس التصرفات.

إن مشكلة هذا الإحصاء تعني كافة الموريتانيين دون تمييز في العرق، وهي تستدعي ضمائر كل الوطنيين. عندما يتعرض أي موريتاني للظلم في أي مكان، يجب أن يشعر الآخرون بأنهم معنيون، ويتصرفوا بناء على ذلك.. هذا هو الأساس الذي تقوم عليه أية أمة؛ وهذه علامة لا تمحى للتضامن الوطني، لا غنى عنها من أجل الانسجام في البلد.. ومن الحماقة السعي إلى العكس.

إن موريتانيا ـ شئنا أم أبينا ـ بلد متعدد الأعراق والثقافات، ومكوناته محكوم عليها بالعيش معا حتى يوم القيامة، وليس أمامها خيار آخر؛ اللهم إلا إذا أرادت الانتحار جماعيا.

ليبس من محض الصدفة أن يأتي هذا التصعيد في المظاهرات والقمع في وقت يبدأ فيه حوار سياسي بين الأغلبية وبعض الأحزاب المنبثقة من المعارضة، يوم 17 سبتمبر الجاري، اقترب من نهايته يوم 27 من نفس الشهر إذا ما لم تتأكد الشائعات القائلة بتمديده. وهو مؤشر كاف؛ رغم التفاؤل الزائد الذي تبديه الأغلبية الحاكمة؛ على أن البلد يتجه رأسا نحو مستقبل مجهول، بسبب تراكم المشاكل.

L’EVEIL – HEBDO العدد 903 الصادر بتاريخ 26 سبتمبر

الصحراء

هل بدأ الكيل يطفح؟

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox