| هل يمكن أن تختفي العبودية في موريتانيا ؟ |
| الخميس, 06 أكتوبر 2011 10:47 |
|
محمدمحمودولدابريهمات العبودية داء عضال تجرعت ألمه كل المجتمعات ومرض قديم متأصل في الإنسان وعمل ممجوج تأباه الفطرة السليمة والمنطق القويم ,ولكن الكثير من النفوس المريضة الضعيفة مولعة به ولا تلقي بالا لحرية ولا عدل ولا مساواة وهي قيم بدونها يتعرض المجتمع لفوضى واهتزازات ومضاعفات تعرض حياته للخطر . "والواقع أن الاهتمام الشامل بحقوق الإنسان ليس دليلا على ازدهار هذه الحقوق بل نتيجة لأزمة الحرية "وبالتالي فإن الخوض في قضية الاستعباد ليس ترفا فكريا بقدر ما هو مساهمة في رفع ظلم وإحقاق حق بإماطة اللثام عن ممارسات لا إنسانية يكتوي بنارها أبرياء ومساعدتهم على استرجاع كرامتهم ففي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داوود بإسناد حسن (ما من امرئ مسلم يخذل مسلما في موطن في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته ).ولما يطبع الموضوع من الحساسية فإن التطرق إليه يتطلب الموضوعية والجرأة في الطرح والتصور والقدرة على مقارعة الآراء الفجة وعدم الاستجابة للحق والتثاقل إلى الأرض والدوران حول المصلحة والذات والعبث بالقيم وهوس الظهور الذي يطبع القوى البربرية الرجعية المعادية للاستنارة والتعقل والتي تعتبر كل فعل لا يوافق أمزجتها ضربا من الشطط وسيرا في طريق الوحل والجنون وخروجا على المألوف وتجاوزا لحدود اللباقة والأدب وانتهاكا للمحرم المقدسوكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيمخاصة أن الموضوع وثيق الصلة بثقافة المجتمع العالمة وبعقيدته الدينية حيث أعطي بعدا روحيا لتبرير ممارسته على الأحياء والأموات والأفراد والجماعات "وأصبح الإنسان رقما زائدا أو ناقصا لا فرق حيث يموت هذا الإنسان مجانا وبالصدفة الغاشمة ويتحول القاتل ضحية والظلم عدلا والواقع وهما " وهو ما دفعنا إلى الحفر والنبش في الذاكرة الجمعية عن الأسباب الحقيقية التي تحول دون اختفاء هذه الظاهرة المقيتة " ولأن حرية الفرد لا تتخذ شكلا واضحا إلا بوجودها الاجتماعي " ولأنه ما لم يتح للبشر البحث عن الحقيقة فإن المجتمع يتجمد والتقدم يتوقف " كما يقول موريس كرانستونونرجو أن تكون هذه المحاولة مما ينفع الناس وكلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ومن أهم أسباب عدم اختفاء العبودية في المجتمع الموريتاني :1-الفهم الخاطئ للإسلام سبب لتكريس العبودية"الإسلام دين الله الخالد جاء بأسمى التشريعات التي رفعت من قيمة الإنسان بغض النظر عن لونه ومعتقده ...ولم تعرف البشرية في السابق واللاحق ولن تعرف في المستقبل نظاما على هذا المستوى من الاعتراف بالكرامة الإنسانية "وقد تأسس الإسلام على العدالة والرحمة فلا يفتخر حر على عبد لأن الإسلام رفع الكل إلى مستوى واحد وليس الفضل في اختلاف الألوان الظاهرة وإنما الفضل في التقوى وقد نص القرآن العظيم على وحدة أصل ومنشأ الإنسان قال تعالى (وبدأ خلق الإنسان من طين ) وقال ( فإنا خلقناكم من تراب ) وقال ( الذي خلقكم من نفس واحدة ) . كما نص على كرامة الإنسان وعلى عدم التمييز في تلك الكرامة بين إنسان وآخر على أي أساس قال تعالى ( ولقد كرمنا بني آدم ...) وسوى بين البشر من حيث إنسانيتهم أولا ودينهم ثانيا قال صلى الله عليه وسلم (الناس سواسية كأسنان المشط ) ويقول عمر رضي الله عنه "إن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته والناس شريفهم و وضيعهم في ذات الله سواء"وقد كرس الإسلام احترام الإنسان فالنبي صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة فقام لها واقفا فقيل له إنها جنازة يهودي فقال ( أليست نفسا ) وماتت أم الحارث وهي نصرانية فشيعها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ,ولكن التعامل المجزوء والانتقائي مع النصوص الشرعية تسبب في اضطراب الفهم وأصاب عدة بوصلات بالعطب بحيث أصبح الشرق غربا والجنوب شمالا .أما العبودية في الإسلام فليست هدفا ولا غاية ولا سببا لانتقاص كرامة الإنسان كما يتوهم أصحاب الحسابات الخاطئة بل شفقة على الإنسان وإخراجه من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ويأتي استرقاق الأسرى كواحد من خمسة خيارات هي : القتل –الاسترقاق –المن –الفدية –الجزية وليس لولي الأمر فعل أحدها بهواه ويجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين وأكد ابن تيمية أن هذا التخيير "ليس تخيير شهوة بل تخيير رأي ومصلحة فعليه أن يختار الأصلح"فإذا فكر واستوعب فكره في وجوه المصالح ووجد بعد ذلك مصلحة هي أرجح للمسلمين وجب عليه فعلها وتحتمت عليه ويأثم بتركها " لكن الإفتاء السياسي المعاصر يتجاوز هذا التخيير لأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي العام ومواثيق الأمم المتحدة وغيرها حرمت الاسترقاق " كما أن الاسلام لم ينظر إلى العبودية نظرة عابرة وليست ذات أهمية بل نظر إليها باعتبارها مشكلا حقيقيا يتهدد كيان المسلمين وسببا لكيل التهم للإسلام ومحاصرة أهله من هذا المنطلق ترك مساحة واسعة للخروج من نير العبودية و كان سباقا إلى تحرير الأرقاء وتشجيع العتق والترغيب فيه والاستيصاء بهم خيرا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم ...)وقال( أوصيكم بالصلاة واتقوا الله في ما ملكت أيمانكم ) وقد نهى الإسلام عن تعمد جرح شعور الآخرين بتحطيمهم ونقص قيمتهم وتكدير أمزجتهم كما عادة الكثير من الهمج الرعاع الذين لا يهدأ لأحدهم بال حتى يعير إنسانا بأنه عبد أو أمة ليرفع من قيمة نفسه وليظهر كأنه صاحب أبهة وفضل وهو في الحقيقة أس الخلق وأرذله وأبعده عن الأخلاق والدين فالله تعالى يقول ( وقولوا للناس حسنا )والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ...والكلمة الطيبة صدقة ...)وقال لصحابي عير آخر بسواد أمه (إنك امرؤ فيك جاهلية ).إن الجهل بتعاليم الإسلام السمحة ولي أعناق النصوص وفق مقاسات معينة وتقديم المصالح على أوامر الشرع ومحاولة التحايل على الله وتعطيل العمل بالقرآن والسنة اللذين أعطيا وظيفة رمزية (التبرك ) والأخذ مكانهما بمنظومة فقهية لم تخضع للمراجعة والنقد كان وراء الشقاء الذي حل المجتمع حيث تم "إبعاد تعاليمه عن مسرح الحياة وتوارت مبادئه السامية خلف ركام الأطماع والتقاليد " والفهوم الغبشة فضاعت حقوق في مجتمع أرخص شيء فيه كرامة الإنسان .إن تحصين المجتمع من التداعيات الخطيرة لهذه الظاهرة التي استوطنت القلوب والبيوت يتطلب من الجميع المساهمة في إزالة اللبس الحاصل في فهم النصوص الشرعية2- إصرار الفقهاءالعلم حياة الإسلام وعماد الأيمان .والعلماء ورثة الأنبياء وهم نبراس المجتمع وشعلته التي يحتاج إليها كل وقت لإنارة الطريق والفصل في قضايا الحياة المستجدة فينبغي أن يكونوا عند حسن الظن ويتحملوا المسؤولية التاريخية العظيمة لقيادة المجتمع وتوجيهه إلى ما فيه خير الدنيا وصلاح الآخرة والابتعاد عن الشطط واستغلال الدين للمصالح وقليل من علمائنا وفقهائنا من فقه في دين الله ونفعه ما بعث به محمد صلى اله عليه وسلم فعلمه وعلمه فحاز قصب السبق ونال الخير الذي بشر به محمد صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يفقهه في الين) ورفع رأسه شامخا وحنجرته صادحة بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم ولا ذهاب دنيا و لا ضياع جاه ولكن طائفة أخرى لم يرفعوا رأسا ولم يهتدوا بهدى الله الذي أرسل به رسوله واستحبوا العمى عل الهدى واتبعوا أهواءهم فكانوا أجادب لا تمسك ماء ولا تنبت كل صخرة صماء تتحطم عليها الآمال وأداروا ظهورهم للحق مائة وثمانيين درجة وأصروا على تكريس الاستعباد في ذهن السيد والعبد على السواء باعتباره حقا شرعا مما أتاح للاستعباديين التمكن من رقاب العبيد واستهتار بحقوقهم استنادا على فتوى من شيخ نعثل مخالفة لشرع جمع لها من الأقوال المتردية والنطيحة و ما أكل السبع فضل وأضل وقطع ما أمر الله به أن يوصل نزولا عند رغبة فلان أو علان وأحدثوا بذلك ثغرة في جدار الوحدة الاجتماعية وارتكبوا خطأ كبيرا سيحاسبهم التاريخ (فبئس ما سولت لهم أنفسهم )((أن بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار )) سيفضح أمرهم وتدك حصونهم وتسقط أقنعتهم تحت أقدام الخيرين المدافعين عن الكرامة الإنسانية ونقول لهم إن العبيد لن يظلوا عبيدا ولن يستمر الأسياد في امتصاص دمائهم وستنتصر العدالة في كل مكان وتبقى القافلة تسير والكلاب تنبح3- صمت المثقفين:كثير من المثقفين بل كلهم التزم صمتا مطبقا وجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وتغاضوا عن ممارسات الاستعباد المشينة التي تشكل خطرا داهما على حاضر المجتمع ومستقبله وعائقا في وجه التنمية فلا تنمية ولا تقدم في ظل الاحتقان وعدم الاستقرار كما تحاشوا الخوض فيها فلا محاضرات ولا ندوات ولا مقالات تنبه إلى ضرورة التخلي عن هذه الممارسة وحجتهم أن المجتمع أقوى منهم وأنهم لا يستطيعون أن يسبحوا ضد تيار عارم وفضلوا العودة إلى قطعانهم والتأقلم معها والسير في فلكها .إن دور المثقف هو حمل الهموم والنزول من البرج العاجي إلى الشارع والواقع والاحتكاك بالجماهير ليفضح تلك الأكذوبة التي طالما خجل البعض عن مجرد ذكر اسمها "ويكابد على مدار الساعة محروما من النوم للدفاع عن ما تبقى من ملكوت لم يتسرب إليها العسس والمتسللين ...لهذا المثقف تشرق شمس الغد إذا أشرقت ...فهو الشرارة الهاجعة في الصوان وشفق الكون الأبدي ...واللقاح في زمن الوباء وآخر دفاع عن خجل الإنسان فأين هو؟4-البداوة والقبليةولعل من أكبر التي تضعف النسيج الاجتماعي وتحول دون قيام مجتمع متجانس تلك العقليات المرتبطة ببداوة مستحكمة وغير صالحة لأي تقدم جدي ومغروسة حتى النخاع في مخيلة مجتمع لا يؤمن بالدولة وما يتطلبه قيامها من تشابك سواعد أبنائها وتترسخ فيه الأمية الحضارية وعادات البدو المبنية على السذاجة وجفاء الطبع والاعتداد بالذات ففي الحديث الصحيح (الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر ودولة حسب هذه العقلية الرعناء وجدت لحماية مصالحهم والحفاظ على مكانتهم لتحقيق مآربهم الضيقة وهنا تبرز حقيقة غير مريحة أن المجتمع بفعل سيادة المنطق المتعجرف يسير ببطء نحو التوحد والمساواة مما قد يستدعى إحضار المشارط لأجراء عملية قيصرية لميلاد مجتمع متمدن ومتحضر يشعر بنفس الحقوق والواجبات ويتخلى عن مبدأ الحرية لي وليست لك التي تتغنى بها الدهماء وكبراؤها من حملة الفكر الرجعى الظلامى المصابين بجنون العظمة أو عظمة الجنون فليذرفوا دموعهم على زمن الأبهة والعظمة ولوث العمائم على رؤوس الذي ولى إلى غير رجعة 0وتساهم القبيلة في تكريس ممارسة الاستعباد بما تفرضه من تراتبية تجعل العبيد في أسفل الهرم القبلي وتبيح تسخيرهم من طرف جميع الشرائح حتى تلك المسحوقة والمغلوبة على أمرها وتحرمهم من الاستفادة من أملاكها بوصفهم أعضاء غير استحقاقيين ولا تعترف بتضحياتهم وعطائهم المتميز داخل المنظومة القبلية التي يتعين أن تكون وعاء تنظيميا وأداة للتكافل والتراحم واحتضان الضعفاء والإحسان إليهم وإشعارهم بأهمية وجودهم داخل الجماعة 0لقد انحرفت القبيلة عن الغاية من وجودها وأصبحت صعيدا زلقا وقاعدة خلفية يمارس بها الأقوياء والمتنفذون سلطة الضغط والترويع والاستفزاز 0ولم تقدم سوى الشعارات البراقة والمواثيق الخادعة والهيئات التي ليس لها من الإنسانية غير أسمها أما فعلها فتكريس الانقسام وتأييد الطغيان وتسويق القهر والظلم و الحرمان )إنها تقف وراء الكثير من المعاناة والظلم والتهميش الذي لا يبدوا في القريب المنظور مؤشرات لتغييره مما يشل حركة المجتمع نحو التقدم والنماء ولأن الأمور كما يقول المؤلف المسرحى –آرتولد برخت "قد أصبحت على ما هي عليه فإن الأمور لن تبقى على ما هي عليه." 5- ضعف الإدارة وعدم جاهزيتها إن غياب إرادة قوية لتطبيق القانون وفرض سيادة الإدارة يجعل الحديث عن الحريات مجرد هراء لأننا نكون ضمن دولة استبدادية أو دولة بوليسية حيث لا يلتزم الحكام بقواعد القانون لأن الدستور وحده لا يكفى لتحقيق الحرية (إذ يتعين أن تتحقق سيادة القانون واقعا وفعلا وذلك باحترامه وهو ما تفقده إدارتنا التي تغنى خارج السرب وتسبح عكس التيار و يطبع مسئوليها الحرص على المناصب والمنافع وعدم الثقة بالنفس وانفصام الشخصية فكانوا أداة طيعة في يد أشخاص وقبائل مما أدى إلى التساهل في التعاطي مع قضايا الاستعباد وانتهاج سياسة اللف والدوران و دس الرؤوس في الرمال وهو ما سمح للمتطاولين و المتعنتين بخرق القانون والدستور وكل الأعراف والمواثيق التي صادقت عليها دول العالم لقطع دابر الاستعباديين والقضاء على هذه الظاهرة التي تنهش جسم المجتمع وتلقى بظلال قاتمة على علاقاته وتساهم في التوتر والتشنج وازدياد الشقة والهوة وتولد النقمة لدى الأجيال القادمة من أبناء المحرومين الذين سيشهدون مأساة ستدفعهم إلى ردة فعل عنيفة وقاتلة تشعل نارا تلتهم الجميع خاصة أن الكيانات سواء دولا أو مجتمعات تعصف بها ظاهرة الإرهاب العابرة للحدود التي تتخذ من الظلم والتناقضات الاجتماعية مبررا لتضرب في صميم المجتمعات المنهارة فتحولها أثرا بعد عين.6-غياب قضاء عادلالقضاء ميزان العدالة وبيده إحقاق الحق وهو السلطة المؤهلة والمخولة للفصل في النزاعات بين الناس وتتولى تفسير القانون وتطبيقه والعدالة لا تكون إلا بوجود قضاء نزيه ومتجرد عن أي نفوذ سياسيا كان أو دينيا أو اجتماعيا حيث لا يسمع القاضي إلا صوت القانون وضميره والمنطق السليم "لأن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة ويجب أن يكون واحدا للجميع في حالتي الحماية والعقاب ".ويصطدم قضاؤنا بصعوبات تحد من فاعليته وتسمح لبعض الأطراف أن تؤثر فيه مما يجعل تجرد القضاة أمرا مستحيلا وينزع عن العدل الصبغة العقائدية التعبدية " التي تجعله من العمق بحيث طلبه هو غاية المحكوم عليه ذاته "ومادام سدنة القضاء (القضاة ) من الاستعباديين فلا نتوقع أن يقدموا شيئا ذا قيمة سوى حماية أمثالهم بإصدار الأحكام لصالحهم ويحمون بذلك أنفسهم وقبائلهم من متابعة القانون فلا غرابة إذن أن تبقى قضايا الاستعباد معلقة في المحاكم دون أن تجد حلا والتعامل معها ببطء مما يصيب بالصدمة ويولد خيبة الأمل وينفر الضحايا من عدالة لا تقدم أبسط الضمانات لتسوية مشاكلهم والنظر إليها بعين الاعتبار فمن "العدل أن تنظر للناس على أنهم سواء لا فضل لغنيهم على فقيرهم ولا لوجيههم على ضيعهم ولا لأبيضهم على أسودهم فتلك قيم جاهلية "هذا الحس العدلي هو ما يغيب لدى قضائنا الذي أصبح كما يقول الفقيه الإنجليزي ابلاكستون "في يد قضاة متحكمين وأحكامهم لا رقيب عليها إلا بآرائهم ولا تخضع لمبادئ القانون الأساسية ".7-الفقر والجهلمن النتائج المأساوية لعقود من الممارسات اللاإنسانية حرم العبيد خلالها من حقوقهم في الكسب والتعلم بشكل مقنن وممنهج بغية إبقائهم تحت السيطرة --لأن المستوى الاقتصادي يشكل كفة الثقل لميزان القوى في المجتمع والتقدم الفردي مرتبط ارتباطا وثيقا بالرفاهية العامة – فصودرت أموالهم وحرموا مكن الميراث تحت طائلة مال العبد لسيده ومنعوا من النفقة والكسوة التي رتب لهم الشارع ولم يستفيدوا من الزكاة التي هي وسيلة شرعية لتخفيف الفقر لأنهم ليسوا أهلا لها مع أن ذلك يتنافى مع ما ثبت في الشريف (وفي كل كبد رطبة أجر ) لكن المنطق السائد هو تسخير العبيد وإهانتهم وتحميلهم ما لا يطيقون استئناسا بمقولة " أيها العبيد أطيعوا سادتكم في كل شيء ..."مهملين الشق الثاني للمقولة نفسها الذي ينص على وجوب الإحسان إلى العبيد " أيها السادة أدوا إلى عبيدكم ما عدل وإنصاف لأن لكم أنتم سيدا في السماء "ويضاف إلى الحرمان من حق التملك الحرمان من حق التعلم ليبقى العبيد فريسة للجهل ليسهل انقيادهم وتبعيتهم وهو ما لا يقره الشرع فقد ثبت في السنة أن لما أسلم وهب ابن عمير قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن ) فمن خصائص شريعة الإسلام توسيع الآفاق الفكرية للإنسان وتثقيف عقله "فليس هناك أساس أقوى من التعلم للمحافظة على الحرية فالتعليم يكفل الحياة الآمنة للأفراد بحيث يصبحون الحراس على حريتهم كما يجعلهم يعرفون أنفسهم وعن طريقه يعي الإنسان حريته ويفهم واقعه وواقع عصره ويفهم القيم واحترامها وهكذا يستطيع أن يؤثر ويتأثر بشكل أفضل أما طغيان الجهل فيجعل الإنسان غير مهيأ للحرية ولا يعي حقوقه ويسوده إحساس بالتبعية والخضوع " ويشكل عقبة دون تحرره النهائي واندماجه الفعال في النسيج الاجتماعي .ويرتبط بالجهل والفقر التمييز ضد العبيد إذ لا يوثق في علمهم ويطعن في ثقتهم وتملكهم كما يشكل سواد اللون عائقا يراه الكثيرون سببا لازدراء الإنسان واحتقاره والحقيقة أن الألوان آية من آيات الله ولا دخل للإنسان فيها قال تعالى (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ) كما لا ينبني عليها عقل ولا جدارة وليست حاجزا أمام التفوق والظهور كما لا ينبغي أن تكون سببا للتنحي والخجل والانزواء وعدم المشاركة فرب ضارة نافعة يقول وليام جايمس " عاهاتنا تساعدنا إلى حد غير متوقع ولو لم يعش دوستوفسكي وتولستوي حياة أليمة لما استطاعا أن يكتبا رواياتهما الخالدة فاليتم والعمى والغربة والفقر قد تكون سببا للنبوغ والإنجاز والتقدم والعطاء "قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم8-مسار النضال ضد الاستعبادالنضال عمل مشروع لكل إنسان يريد الحصول على حريته والدفاع عن كرامته وهو خيار غير سهل وعمل محفوف بالمخاطر والمعوقات التي قد تدفع الإنسان إلى الاستسلام في وسط الطريق وتحدد طبيعة كل مجتمع طبيعة النضال ومساره .وقد اتخذ مسار النضال ضد العبودية خطا سلميا في جميع مراحله ومستوياته وتجلياته على حركة الحر التي حازت قصب السبق والريادة في مجال النضال المستمر ضد العبودية وامتهان البشر وهو يذكر فيشكر لهؤلاء المناضلين المتشبثين بالوطن والحريصين على أن يبقى الكيان الاجتماعي قائما يعالج قضاياه بطرق سلمية وفق رؤية وطنية شاملة تقوم على الاحترام المتبادل والحوار والإقناع ومنطق ( اللهم اغفر فإنهم لا يعلمون ).هذا المسار الهادئ غير العنيف مخالف لسنة النضال في جميع المجتمعات عبر التاريخ فلا بد لأي حركة نضالية من جناح عسكري متشدد يجعل من القوة وسيلة للضغط والتوازن فالقوة ما يقول الدكتور ملحم قربان "هي منطق الحياة وعصبها ومحرك التاريخ فهي الفعل والحركة في الكون ولولاها لكان الشلل والسكون "وهي " طاقة من الفعالية ذات تأثير على محيطها "ولأنه "بالقوة يمكن أن نخلق من اللاشرعي أمرا شرعيا ".لكن خيار القوة قد لا يكون مستبعدا عند الكثير من المتحمسين المتعطشين إلى إنهاء عقود من الظلم والتهميش خاصة في ظل ظروف دولية مساعدة حيث أصبح تمويل الجماعات المسلحة مسألة وقت من أجل الفتك بكيانات الدول وإحداث فتنة قد تخرج على السيطرة وتدمر المجتمع تدميرا مريعا. |
