| باكورة الربيع |
| الأربعاء, 02 نوفمبر 2011 11:51 |
|
قبل أقل من سنة من الآن كان الكثيرون يعتبرون حركة النهضة التونسية نموذجا للحركات الإسلامية التي فشلت في قراءة الواقع وتحولت بفعل التصلب على مواقف راديكالية من نظام بن على إلى حالة هامشية أو ظاهرة صوتية تعيش في المنافي دون أن يلوح في الأفق أي أمل في عودتها للداخل التونسي لتكون شيئا مذكورا في مسار التدافع الداخلي. أما اليوم وقد توج الشعب التونسي حركة النهضة في أول انتخابات حرة في مهد ثورات الربيع، فيبدو من الملح إعادة قراءة تجربة الحركة التي تعلق عليها آمال جسام في أن تكون أيقونة نجاح جديدة في مسار الحركات الإسلامية نحو التمكين ثورة فى الفكر الإسلامي تمثل حركة النهضة حالة متفردة في تاريخ الحركات الإسلامية فهي من قاد ت الإسلاميين إلى القطيعة مع المواقف الغامضة من الديمقراطية، ودفعت بهم إلى الاقتناع الفكري والسياسي بأن النهج الديمقراطي هو الطريق الأقرب لتجسيد قيم الشوري في العصر الحديث. ويعتبر كتاب مؤسس الحركة الشيخ راشد الغنوشي عن "الحريات العامة فى الدولة الإسلامية "الأساس النظري والفكري الذي تربت عليه أجيال الإسلاميين المنخرطة حاليا في النضال من أجل إقامة " دولة العدل" في أكثر من بلد إسلامي فقد أصل الكتاب للحريات العامة وحقوق الإنسان في السياق الإسلامي وشدد على أن إقامة العدل هي الهدف الأسمي لنظام الحكم في الإسلام لقد قاد الغنوشي " ثورة فكرية " داخل التيارات الإسلامية، سمحت في النهاية بالتعايش بين الإسلام والحداثة بين الشوري والديمقراطية، وخاض في سبيل التمكين لأفكاره التجديدية معارك على جبهتين؛ تعتبره إحداهما مفرطا ومميعا، وتشكك الثانية في صدقية ما يطرح من أفكار وتصر على أنه يستخدم ازدواجية في الخطاب، لكن الرجل الذي جمع بين دراسة فلسفية عميقة، وثقافة إسلامية واسعة وتجربة سياسية ثرية خرج في النهاية متوجا بثقة شعب كان أنصار التغريب يعتبرونه حتى وقت قريب " نموذجا للحداثة المنجزة "، وكانت أجهزة الاستخبارات الغربية تقدمه مثالا لتجفيف المنابع وإلحاق الهزيمة النكراء بالمشروع الإسلامي، وإقامة نظام حكم "علماني حداثي مزدهر". جهاد مدني رائع وعلى مستوى الفعل السياسي قدمت حركة النهضة خلال ثلاثين سنة من وجودها على خريطة المشهد السياسي التونسي تجربة مميزة على أكثر من صعيد؛ ابتداء من التجربة الطلابية ومرورا بتجربة المشاركة في العمل البلدي نهاية الثمانينات وانتهاء بالعشرين سنة التي أمضاها قادة الحركة وأطرها وأنصارها موزعين بين السجون والمنافي، فقد كانت النهضة خلال هذه الفترة مثالا لجيل إسلامي مؤمن بقيمه، مستوعب لعصره، ثابت على طريقه رغم القهر والعسف والتنكيل. في داخل تونس ورغم الدولة البوليسية التي بناها بن على استمرت النهضة حاضرة في الفعل الاجتماعي والحقوقي وحتى السياسي ، مقدمة أمثلة أسطورية في الوفاء لأسر منتسبيها الذين بطشت بهم آلة بن على القمعية . وداخل سجون بن على التي غيبت على مدى عشرين سنة الآلاف من قادة وأطر الحركة سجلت النهضة تاريخا مذهلا من الصبر والجلد والتمسك بالقيم في مواجهة آلة قمعية بلغت من السادية مبلغا لم يصله حتى الصهاينة في تعاملهم مع المقاومة الفلسطينية، وتوجد بالمكتبات التونسية اليوم كتب وروايات توثق قصصا مرعبة من بطش جلادي بن على بشباب النهضة وشيوخها، وأنصارها والمتعاطفين معها. إن من أروع ما قدمته النهضة خلال مسيرتها الطويلة من أجل الحرية هو تمسكها بنهجها القوى في مقارعة الطغيان، وقد ذهلت أجهزة بن على من حالة تكررت مع عادة من قادة الحركة مكثوا فى السجون أكثر من عشر سنوات وعندما أطلق سراحهم كان أول ما يقوموم به مباشرة الاتصال بقواعد وأطر التيار الإسلامي والانخراط الفوري في صيغ عمل نضالية جماعية، ويحكي قادة الحركة قصصا مؤثرة عن " إصرارهم " على الاستمرار في النهج النهضوي رغم ما صب عليهم من عذاب في أقبية سجون بن على المفزعة، ورغم استمرار تلك الأجهزة المجرمة في مضايقة واستفزاز من أفرج عنه من قيادات النهضة خلال سنوات بن على الأخيرة. ميدان اختبار وتطوير وفي الخارج مثل المنفى " منحة إلهية " مكنت الحركة من تعميق توجهاتها المدنية ومد الجسور مع أكثر من جهة غربية ودولية، وتمكنت الحركة بفعل أصالة وتماسك رؤيتها من اقناع دوائر مهمة بصدقية توجهاتها وأهليتها للحكم، وهو أمر كان له على الراجح بالغ الأثر فى المواقف الدولية الإيجابية من نجاح الحركة اليوم ، ولعل التهنئة السريعة التي تلقتها النهضة من الاتحاد الأوربي خير دليل على ذلك. لقد وفرت البيئة الأوربية فرصة ثمينة لقيادات النهضة لتعميق توجهاتهم التجديدية، كما كان لهم بالغ الأثر في تطوير العمل الإسلامي في أوربا ونشر فكرهم التجديدي داخل المجتمعات الإسلامية في أوربا، ومن خلالها إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي فالمتابع المنصف للإرث الفكري للحركات الإسلامية يلحظ دون كبير عناء أن الشيخ راشد الغنوشي واحد من المفكرين المسلمين الأساسيين الذين بلوروا نظرية في الحكم، وفلسفة للتعاطي مع إشكالاته وتحدياته في قلب الثورة وعندما اندلعت الثورة التونسية نهاية العام الجاري كانت النهضة في قلبها ميدانيا وإعلاميا، ويشهد مراقبون تونسيون أن صمود شباب النهضة في أكثر من ميدان وبالذات أمام وزارة الداخلية يوم هروب بن على كان له الدور المفصلي في هروب الجنرال وحاشيته الطرابلسية. ويؤكد عدد من قادة الصف الثاني في حركة النهضة ممن كانوا داخل تونس عند اندلاع الثورة أن نشطاء الحركة في سيدي بوزيد هم من قاد الاحتجاج مساء السابع عشر من نوفمبر بعد وقت قليل من إحراق البوعزيزي نفسه، وقد استمرت الحركة – مع غيرها من القوى الوطنية - في تأطير الاحتجاجات في سيدي بوزيد والقصرين وتاله ومن ثم تونس العاصمة، ووصلت تقارير عن ذلك لبن على كانت من بين الأمور التي أرعبته وجعلته يدرك أن الأمور خرجت عن نطاق السيطرة، وأنها مختلفة جوهريا عما سبقها من احتجاجات عمالية ومطلبية في الحوض المنجمي وغيره من مناطق الاحتجاج. ويشهد خصوم النهضة قبل مناصريها أن ثبات عناصرها في ميادين الاحتجاج وفعالية شبابها على صفحات التفاعل الاجتماعي مثلت صمامات أمان استمرار الثورة، قبل هروب بن على وبعده أسرار النجاح نحن إذا أمام نموذج نهضوي جدير بالدرس لكل من يريد أن يكون له إسهام فعلي في الدورة الحضارية الجديدة، وأحسب من موقع المتابع لهذه التجربة الثرية أن أهم أسرار نجاح هذا النموذج ارتكازه على أمور منها : - رؤية فكرية أصيلة وتجديدية ؛ تجمع بين التمسك الصارم بثوابت الإسلام والانفتاح الشجاع على إيجابيات الحداثة الإنسانية. - الإيمان – حد التصوف – بالحرية والكرامة الإنسانية. - الاستعداد لتقديم ما يلزم من تضحيات لتجسيد الرؤية الفكرية، وتنزيل الإيمان بقيم الحربة والعدالة. - المؤسسية ؛ فرغم أن حركة النهضة ارتبطت في أذهان كثيرين بشيخها راشد الغنوشي لكن من يقترب منها يدرك أنها تعمل بشكل مؤسساتي متميز وقد قدر لي أن حضرت ذات مرة مداولات في هيئتها القيادية فرأيت نموذجا رائعا فى تدبير الاختلاف الداخلي بين قيادات متنوعة تمتلك تجربة كبيرة في الميدان الذي تدافع فيه. - الحيوية؛ فقد أثبت الحركة قدرة غير عادية على التواصل مع الشعب التونسي بعد عقود من الحرمان والحظر، فمن قدر له أن يزور مقر الحركة خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات ويرى ما يعج به من حركية شبابية سيتوقع لامحالة أن يحقق الحزب نتائج مختلفة عن تلك التي ستحققها أحزاب تقليدية أخرى تحس حين تأتيها أنك في مكاتب إدارية ولست في مقر حزب سياسي متفاعل مع قضايا الناس ومنخرط في البحث عن وسائل لحلها في أقرب الآجال وأفضل الظروف تلك بعض ملامح النموذج النهضوي الذي اختاره التونسيون في باكورة ديمقراطية الربيع العربي ، فهل ينجح النهضويون في تحديات الحكم نجاحهم في افتكاك طريق أصيل وحداثي في آن وفي التحرر من نظام الجنرال الهارب بعد عقود من الجهاد المدني الرائع..؟ ذلك ما يتمناه أنصار الفكرة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بكثير من الأمل المدفوع بهواجس الخوف من إخفاق جديد لمشروع يمثل الإضاءة الوحيدة في نفق تتلاطم فيه الكثير من الظلمات. |
