فوز النهضة.. من يحتاج لتطمين؟!!
الجمعة, 11 نوفمبر 2011 20:08

محمد الإمام*ما إن تكشفت أولى نتائج الانتخابات التونسية مظهرة تقدم النهضة في هذا الاستحقاق التاريخي، بل ومع ظهور المؤشرات الناتجة عن استطلاعات الرأي المؤذنة بتلك النتيجة، حتى تعالت الأصوات من كل جانب، مطالبة حركة النهضة بطمأنة أكثر من طرف، وتقديم الدلائل والضمانات على عدم الانقلاب على الديمقراطية، والمحافظة على ما سموه "المكتسبات الوطنية في مجالات الحداثة المختلفة"، حتى ُتطَمئن الحركة منافسيها المحليين، وشركاء الدولة الخارجيين، إلى أهليتها هي ونظرائها من الإسلاميين لإدارة الدول، وعدم استغلال هذا الفوز للتشبث بالسلطة بعد الوصول لها عن طريق الديمقراطية، والعودة بالدولة إلى عصر ما قبل النظم الحديثة.

إن النهضة نفسها كانت سباقة لتوجيه رسائل التطمين لمختلف الجهات، متعهدة بالالتزام بالديمقراطية واحترام الحقوق الدستورية والاجتماعية، وهي رسائل صدرت عن أقطاب عدة من الحركة، وطوال أيام الحملة الانتخابية.

هذه المطالبات للنهضة بكشف نواياها حيال الدولة والمنافسين، والواقع السياسي التونسي المستجد، تثير تساؤلاً بات ملحاً، ألا وهو: من يحتاج إلى تطمين؟ وما مدى وجاهة هذه الدعوات؟ وماذا عن مصداقية من يقفون وراءها؟....

تاريخ مرير

من يستمع لهذه الدعوات الملحاح من كل جانب، للنهضة وللإسلاميين عموماً، يخيل إليه أن الإسلاميين هم من كانوا يتحكمون طوال السنين الماضيات في مصائر هذه الشعوب المقهورة، وأنهم من أوصل الأمة إلى هذا الحضيض الذي ترسف فيه على كل المستوات، وأنهم من أشاعوا المفاسد وارتكبوا في حق كل طبقات الأمة أشنع المظالم، وليس أولائك الحكام الظالمون وأدواتهم من الأجهزة الأمنية والأبواق الإعلامية ومثقفي البلاط المتزلفين، ودعاة الحداثة المغشوشة.

بيد أن الوقت لم يطل بعد بما يحوجنا لتذكير كل هؤلاء، أن الإسلاميين هم من عانوا طوال السنين العجاف الماضية، من حيف وإجرام أنظمة القهر والتبعية والتخلف هذه. فالمستعرض لتاريخ الإقصاء والمطاردة، بل والتعذيب والتقتيل الذي تعرض له الإسلاميون، فضلا عن التشويه الإعلامي المبرمج، ليعجب من تلك الأصوات التي تطالب مهضومي الحق والمظلومين، بمراعاة هواجس خصومٍ طالما كانوا وراء كل مصائب الإسلاميين.

لن يطول الحديث هنا تذكيراً بالفظائع الفردية والجماعية التي قاساها الإسلاميون؛ قادةً، وقواعد، ومناصرين، على أيدي الحكام بأجزهزتهم المختلفة، والتجاهل بل التواطئ مع هولاء الحكام من طرف كثير من المثقفين والإعلاميين المتبجحين بالحرية والديمقراطية والتسامح.

سنحاول هنا أن نرى كيف تعامل مطالبو النهضة اليوم بتقديم ضمانات الديموقراطية والحريات العامة والفردية، مع الإسلاميين  في كل الحالات التي وصل فيها هؤلاء للحكم عبر صناديق الاقتراع النزيهة.

هل يظن المتباكون اليوم على مصير الحريات أننا نسينا تجربتهم مع الجزائر الجارة القريبة لتونس، يوم انقلب العسكر على نتائج صناديق الاقتراع وتسببوا في إدخال البلاد في حرب أهلية لا يزال جرحها نازفاً لحد الآن؟! لم نسمع من دعاة حقوق الإنسان والديمقراطية أي صوت يدعو لاحترام نتائج هذه الديمقراطية وإنصاف المضطهدين.

أما في فلسطين فالفضيحة أظهر وأشنع؛ حيث وقف كل العالم ضد خيار الشعب الذي انحاز لحماس ومشروعها المقاوم، وعلى رأس هذا العالم أمريكا والاتحاد الأوروبي المبشرون بالحريات والديمقراطية، فضلا عن رواد الحداثة الذين يدقون اليوم ناقوس الخطر على هذه القيم.

ولم يكتف كل أولئك بالانقلاب على نتائج العملية الديمقراطية، والتآمر على تلك التنائج، بل شجعوا الانقلاب على الحكومة المنبثقة عن تلك العملية، وصولاً إلى حرب مدمرة قادها الاحتلال بدعم من قوى الهيمنة العالمية ووكلائها المحليين والإقليميين.

إن هذا التعامل المخزي لأدعياء الحريات والديمقراطية مع تلك المفاهيم حين تُوصل من لا يسير في فلكهم، إنما يكشف عن مدى التحديات التي تواجه النهضة اليوم إذ تقذف بها صناديق الاقتراع في معمان عالم من المكر والتآمر للإيقاع بها وإجهاض مساعيها لتحقيق الأهداف وتجسيد البرامج خدمة لمجتمعها الذي احتفى بها، مثلما يعيد السؤال عن من يستحق أن يُطَمْأنَ على  وضعه السياسي ويعطى الفرصة لتنفيذ التفويض الذي منحه إياه الشعب؟

 

 النهضة ومنافذ القلق

من يُطمئن النهضة أنها لن تواجه الحملات الإعلامية الشرسة التي تشوه الأفعال، وتضخم الأخطاء بل وتختلقها؟ تخويفاً للشعب من القادمين الجدد، واستعداءً وتحريضاً للخارج عليهم.

وماذا عن قوي الانفلات الأمني المرتبطة ببقايا النظام المنهار؟ تلك القوى التي تشكل تهديدا حقيقياً للحكومة الجديدة بما تملكه من أدوات التخريب وزعزعة الأمن والسكينة، في وقتٍ البلادُ فيه أحوج ما تكون إلى الاستقرار والأمان؟!

هذا ولا تقل خطورة عن كل ما سبق مقاطعة قطاع المال لحركة النهضة، وهو القطاع الذي نخر فيه الفساد واحتكرت فيه الامتيازات لدائرة ضيقة، فضلاً عن احتمالات الدفع بالأموال إلى الخارج وتعريض هذا المرفق الحيوي إلى الركود، وهو ما يجعل التخوف من استخدام هذا العامل لعرقلة مشروع الحكومة الجديدة وزيادة التحديات التي تواجهها أمراً مقلقاً، بل وَمُخوِّفاً فعلاً.

أما العامل الخارجي والذي يتكئ عليه المتخوفون من فوز النهضة ويستدعونه، أملاً في إرهابها وإرباكها قبل أن تبدأ، فإنه وبحكم التجربة هو أس التحديات التي تنتظر الفائزين؛ لما له من ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي. سواء تمثل هذا العامل في أنظمة المنطقة المرعوبة من الديمقراطية عموماً أحرى إذا أتت بالإسلاميين، أوكان ذاك العامل هو الدوائر الغربية بطرفيها الأوروبي والأمريكي، التي طال ما عزلت وأربكت تجارب التحول الديمقراطي التي تتأكد أنها لا تسير في الفلك الغربي بأبعاده المختلفة، رغم تصدير شعارات الحرية والديمقراطية التي صدع بها رؤوسَ العالم هذا الغربُ الذي لا يقل امتحانه اليوم صعوبة وحرجا عن امتحان النهضة، في أن ينسجم مع ما يرفعه من شعارات وما يروجه من قيم يبشر بها العالم كله.

 فالنهضة إذن في أشد الحاجة أن يُطمئنها هذا الغرب على عدم التدخل في الشأن التونسي وعدم إجهاض تجربتها في الحكم، جرياً على عادته المشار إليها أو استجابة لتحريض الخصوم الداخليين، وتلك ضمانة يجب أن تطالب النهضة كل تلك الأطراف بالتعهد بها، لطمأنة الشعب بعدم الانقلاب على خياراته. وهي منافذ قلق حقيقية تنضاف إلى ما ينتظر النهضة من مظاهر الاستفزاز والابتزاز في امتحانها الذي بدأت مواجهته.

 

 

وللنهضة حديث

يدرك كل متابع للمتطلبات السياسة ومقتضيات استلام الحكم وخصوصا من قادمين جدد بالمرة، ضرورةَ طمأنة الشركاء السياسيين ومختلف الفاعلين الاجتماعيين ومراكز النفوذ المحلية والدولية، غير أن ذلك يجب أن لا يكون هاجساً يطارد النهضة وزعماءها، مما يشغلها عن تنفيذ برنامجها، تحقيقاً لما وعدت به الشعب، خدمةً له، ووضعاً للبلاد على مسار التحول الديمقراطي والتنموي الحقيقي، بعيدا عن حداثة "البيكيني" وحرية تعدد الأخدان التي يُشيعها اليوم طابور الانحراف الحداثي المترنح.

أما الشعب التونسي الذي بهر العالم مرتين حتى الآن، وأعاد الاعتبار لصورته الإسلامية التي طالما شوهها نظام التزييف المنحل، فهو ما زال مدعوا لحماية خياراته من السرقة والانحراف بها إلى مسالك الضياع والحيلولة دون تبخر آماله وآمال الأمة من ورائه. وعندها يكون هذا الشعب العظيم وقيادته الجديدة قدما للأمة أعظم هدية في مفتتح القرن الجديد ووضعاها في مصاف الأمم المحترمة.

وهو تحد لن يُعجز أهلَ الزيتونة والقيروان رفعُه، وأمل من الأمة فيهم لن يخيبوه.

(*) – كاتب وباحث موريتاني

 

 

 

 

 

فوز النهضة.. من يحتاج لتطمين؟!!

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox