رجال الغيث
الجمعة, 18 نوفمبر 2011 18:20

 

لايقصد بالرجل فى هذا المصطلح الشعبي " رجال الغيث "  الإنسان لمجرد جنسه  بل لردة فعله فى الشدائد قولا وفعلا ولا تخفى أهمية الغيث على أبناء الصحراء فبالغيث تحيا الارض وينبت الزرع  وتمتلئ الابار وتسيل الوديان 

لذلك يطلب أهل الصحراء رجال الغيث فى الشدائد فيعطونهم ثقتهم ويؤمنونهم على مستقبلهم  ويشترطون  عليهم تلبية مطالبهم فى حياة كريمة بلا معاناة

أي أن رجال الغيث بالمصطلح العلمي هم القادة وقد انجبت هذه الأرض عبر تاريخها قادة كبار ربما كانت فكرة أحدهم بذرة أمل لأمة بكاملها لعقود أوحتى لقرون من الزمن

وحتى لانتحول إلى تدارس التاريخ يكفينا ذكر رجل غيث ومؤسس الدولة الموريتانية المختار ولد داداه رحمه الله ونحن نرى اليوم تساقط رؤساء ورؤساء حكومات من عرب وروم عجزوا عن مواكبة التحولات والتغييرات التى تنشدها شعوبهم على خلاف المرحوم المختار ولد داداه

فقد كان أول من حمل فى الخمسينات من القرن الماضي شعار "فالنبني معا  الوطن الموريتاني" وعمل فى الستينات والسبعينات على تطبيق هذا الشعار مع الآباء المؤسسين للدولة الموريتانية على الصعيدين الخارجي والداخلي رغم الصعوبات الإستعمارية والرجعية والمناخية

فكانت  رؤيته الإستراتيجية والتي انطلقت من الحالة العدمية  إ لى تحقيق الأهداف المشروعة فى تأسيس دولة عصرية لهذا الشعب ومايترتب عليها من حياة كريمة فى القرن العشرين

فكان طريق النضال والبناء الصعب من أجل الإستقلال

فتم تشييد مدن ببيوتها وأمنها وطرقها وموانئها ومطاراتها وشبكة مياهها وصرف صحي لها وكهربائها ومستشفياتها ومدارسها ومنشئاتها الرياضية

كل هذا البناء  فى

 غفار الصحراء ولم يكن توسعة أوترميما وكان بالتوازي مع إنشاء نظام سياسي  حديث يتضاد مع الجهوية والقبيلية ومايتطلبه من ديناميكية التحولات حدث هذا بدفع إقتصادي وطني وليد إستطاع بعد العقد الأول من الإستقلال من تأميم شركات المعادن والصيد والمالية وتم ذلك في ظل منظومة عسكرية وأمنية وطنية حديثة تم إشراكها في عملية التنمية الإقتصادية بصفة مباشرة وبقرار من حزب الشعب في مؤتمره فى مدينة تجكجة سنة 1970 ليتولى بعد ذلك ضباط مسؤوليات فى مختلف القطاعات الحكومية وكان من ضمنها شركات حكومية ذات طابع تجاري وكان معيار الكفاءة معتمدا فى إختيارهم

وعلى ذكر مؤتمرات حزب الشعب فإن مؤتمره الطارئ سنة 1971 الذي حددفيه ثلاثة أهداف إستراتيجية كانت هي مطالب الشبيبة الموريتانية المناضلة وهي الإستقلال الثقافي  والإستقلال الإقتصادي والديموقراطية

وخلال ثلاثة سنوات عملت حكومة المختار على تحقيق  تلك الأهداف ففي سنة 1972 تم إلغاء إتفاقية 1961 مع الفرنسيين من الجانب الموريتاني والتي كانت تحكم العلاقات بين البلدين وذلك لطابعها الإستعماري

كما تم إعتماد سياسة تعليم تنطلق من واقع ضرورة الإزدواجية فى التعليم من أجل أن تأخذ اللغة العربية فى النهاية مكانتها  وتنهض باللغات الوطنية والتى اعتمدت الأبجدية العربية لكتابتها هذا كان من أجل تشكيل شخصية ثقافية وطنية مستقلة

أما مطالب الإستقلال الإقتصادي فقد اقتضت وضع سياسة تنموية شاملة ففي القطاع المالي خرجت بلادنا من منطقة الفرنك الإفريقي وتم سك  عملة وطنية وماتطلبته من إنشاء نظام مصرفي وطني وكان على رأس هذا النظام المصرفي البنك المركزي وتبعته مصارف متخصصة مثل  البنك العربي الإفريقي والبنك الموريتاني للتنمية والتجارة والمصرف العربي الليبي الموريتاني للتجارة الخارجية والتنمية إمتلكت الدولة غالبية الأسهم فى هذه البنوك  كما تم إنشاء الشركة الموريتانية للتأمين وإعادة التأمين

وقد تم دعم القطاع المالي بقرارات تاريخية  فتم سنة 1973تأميم شركة الحديد ميفرما وخلفتها الشركة الوطنية للصناعة والمعادن اسنيم  وتم تأميم شركة النحاس صوميما سنة 1975 والتى لم تكن الحكومة الموريتانية تمتلك سوى%22 من أسهمها

ومابين هذين التأميمين لم تقف الحكومة متفرجة بل قامت سنة 1974 بإستغلال منجم الجبس فى نواكشوط من طرف شركة وطنية تم إنشاؤها لهذا الغرض كما تم الإنتهاء من دراسة مشروع مصفاة البترول والبدأ فى إنشائها والتي تم تشغيلها سنة 1977 فى مدينة نواذيبو

ولم يكن قطاع الصيد بمنأى عن التحولات الجذرية فى البلاد ففي سنة 1972 تم رسم سياسة وطنية للصيد البحري فتم تحديث المنشئات وتكثيف الرقابة ضد القراصنة وانشئت شركات مختلطة مع بعض الدول الشقيقة والصديقة  فى مجال الصيد ليكون قطاع الصيد مع تصدير الحديد من أهم دعائم الإقتصاد الوطني من حيث التشغيل وعائدات العملة الصعبة

ودعما لعملية الإستقلال الإقتصادي تم التوقيع مع جمهورية الصين الشعبية على إنشاء ميناء فى المياه العميقة ميناء الصداقة  وإتفاقية تعاون فى القطاع الزراعي بإنشاء مزرعة امبوري  وعلى ذكر قطاع الزراعة تم إستصلاح منطقة الضفة فى غورغول حيث بدأ إستغلال أربعة آلاف هكتاروكانت هذه الخطة الأولى فى عملية الإكتفاء الزراعي والتى كانت ستكتمل بعد الإنتهاء من  بناء سدي ادياما وماننتالي بالتعاون مع السنغال ومالي فى إطار منظمة إستثمار نهر السنغال التى أنشئت فى مارس 1972

هذا ليس سردا لإنجدازات المؤسس المختار  وإلا لتحدثت عنها بإسهاب وأضفت إليها المشاريع الكبرى من مستشفيات فى العاصمة وجميع عواصم الولايات وطريق الأمل وطريق نواكشوط روصو وطريق أطار نواكشوط وشركة سوكوجيم والشركة الوطنية للبتروكيماويت  ودراسة جدوائية مشروع آفطوط الساحلي  ومدارس تكوين المعلمين والأساتذة ومشاريع التعليم الأساسي والثانوي والعالي والمعهد الوطني للتعليم والدراسات السياسية وكانت مهمته تكوين جميع الأطر السياسيين من خلال ورشات ومؤتمرات وندوات

 بل إن الحديث كان عن إصلاحات طالب بها الشباب الموريتاني المناضل والتى تم تطبيقها مابعد سنة 1971 وقبل سنة 1975 أي فتترة ثلاثة سنوات لقد كانت معجزة عندما تناغمت الإرادة السياسية مع تطلعات وآمال الشباب الموريتاني المناضل  لكن إذاعرف السبب بطل العجب  فشعار المرحوم المختار ولد داداه كان" موريتانيا لن تكون إلا كمايريها شبابها " هذالم يكن شعارا إستهلاكيا بل كانت سياسة واضحة استمعت إلى المطالب أولا وطبقت التوجهات العامة ثانيا لتتحول هذه القوى الشبابية المعارضة إلى قوة خلاقة بدأ هذا فى مهرجان الشباب سنة 1974 وتم تتويجه فى الإندماج فى حزب الشعب سنة 1975 حيث أكد الرئيس المختار فى المؤتمر" أنه لن يخيب آمال الشباب والذي يجب إشراكه بصفة فعالة وكاملة من غير تحفظ أوتردد فى عملية البناء الوطني من أجل موريتانيا موحدة ومزدهرة وسعيدة".

هذه كانت إستراتيجية وأهذاف المؤسس غير أنها تغلبت عليها قوة وإرادة الطبيعة المتجسدة فى موجة الجفاف التى إجتاحت البلاد فقد فشلت جميع السياسات والبرامج فى التغلب عليها فلا إنشاء شركة صونادير ولابرامج التدخل السريع والتى بدأت ببرنامج التدخل السريع بملياري أوقية أي مايعادل أربعين مليون دولار وقوتها الشرائية آنذاك

ويترجمة ظاهرة الجفاف إقتصاديا فإنها إنهيار الإقتصاد الريفي الذي يستوعب %80 من المواطنين والمنحصر فى قطاعين هما التنمية والزراعة القروية

هذا هوسبب دخول البلاد فى النفق المظلم وليست حرب الصحراء التى فرضتها على بلادنا دولة مجاورة وتحالفنا مع دولتين إحدى هذه الدول دعمتنا بقوات جوية وبرية والثانية دعمتنا بقوات جوية وكانت موازين القوى لصالحنا

إن قوة الطبيعة هي التي زعزعت ثقة بعض المواطنين فى قائد مثل المختار صاحب الإنجازات ودفعت البعض لإجتهادات دمرت تجربة  ثمان عشرةسنة أوشكت البلاد فيها على ميلاد نظام ديموقراطي كماحدث فى الجارة السنغال

وبعدكل هذه العقود نعود من جديد إلى مواجهة الجفاف ونحن الذين أضعنا ثلاثة سنوات من مواسم أمطارها غزيرة كان يمكن إستعلالها عن طريق بناء مشاريع وسدود وخزانات للمياه

وقد يعتير البعض أن ثلاثة سنوات فترة قصيرة على تحقيق إنجازات لكن كما سبق فأهم الإنجازات فى حكم المختار تحققت فى ثلاث سنين  كما أن أغلب مأموريات الرؤساء ورؤساء الحكومات فى العالم هي أربعة سنوات نظريا لكنها من الناحية العملية ثلاثة سنوات وثلاثة أشهر فبعد الإنتخاب  يمنح مئة يوم لإستلام طاقمه لمناصبهم والشروع فى تنفيذ برنامجه وخلال الستتة أشهر الأخيرة ينشغل إما بالتحضير لحملة لفترة جديدة أوتحضير حقائبه للمغادرة و

يطلق عليها الأمريكان مصطلح( البطة العرجاء)

 

عبدالله ولدمحمدو ولدبيه

رجال الغيث

إعلان

السراج TV

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox