| رسائل إينال.. من يقرأها ؟ |
| السبت, 03 ديسمبر 2011 11:55 |
|
أحمد ولد الوديعة ليست لدي أي رغبة في الانتقام، وأحس بسعادة غامرة عندما أري في قافلة إينال كل ألوان موريتانيا كل مجموعاتها كل جهاتها، وهي تسير في هذه الرحلة الشاقة لتصل إلى حيث قضى المئات من الموريتانيين في ظروف غير إنسانية .. نحن هنا من أجل المطالبة بالعدالة ومعرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المجرمين " هكذا لخص محمدو سي الضابط الناجي من مجزرة إينال، ومؤلف كتاب جحيم إينال مشاعره وهو يصل إلى تلك القرية الواقعة في أقصى شمال البلاد بعد عشرين سنة من خروجه منها بعد أن فقد هناك العشرات من إخوانه ورفقاء دربه في واحدة من أبشع محطات التصفيات العنصرية التي اقترفها نظام الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد الطايع بحق المجموعة الزنجية في موريتانيا. ليست تصريحات محمدو سي وحدها التى تحمل رسائل جديرة بالقراءة، فقد مثلت الرحلة التي نظمتها جمعيات حقوقية موريتانية قبل أيام محطة أعادت التذكير برسائل مهمة جدير بكل المؤمنين بوطن اسمه موريتانيا قراءتها بما تستحق من تأن وعمل الممكن من أجل ترتيب ما يلزم على تلك القراءة، ومع أن غالب الظن أن دوائر عديدة في صنع القرار السياسي والأمني والاجتماعي ستخفق في " امتحان" القراءة هذا لكن يبدولي من الواجب الشرعي والتاريخي كتابة هذه الرسائل بالخط العريض لعل وعسى أن تجد في " الأجيال الشابة " من يقرأها، وينخرط على أساسها في جهد وطني فعال من أجل ترميم وحدتنا الوطنية التي أنهكتها عقود الحكم العسكري العجاف. الطريق مغلق عندما تحركت بنا القافلة من نواكشوط مع ساعات الصباح الأولى في يوم السابع والعشرين من شهر نوفمبر كانت التساؤلات تلاحقنا دون أن نملك إجابة واضحة، كيف سيتعاطي النظام مع هذه الرحلة غير المسبوقة، هل سيفتح لها الطريق لتصل إلى مبتغاها فيحولها من تحد لسياساته إلى نجاح له، أم انه سيضيق بها ذرعا فيمنعها من مواصلة الطريق إلى إينال فيخسر بذلك ما سبق أن قام به من خطوات استعراضية في كيهيدي ، ويؤكد ما يقوله النظرية القائلة إن النظام الحالي ليس سوى نسخة " أقل تنقيحا" من نظام ولد الطايع ..؟ لم نتنظر طويلا لمعرفة الإجابة فعند " أصحاب مسغارو" الخبر اليقين، لقد تم توقيف القافلة عند الكيلو متر خمسة وثلاثين من طرف خمس سيارات تابعة للجهاز الأمني المنشئ حديثا على أعين الجنرالات الحاكمين، ربما يكون من المهم هنا ملاحظة أن مهمة توقيف القافلة للمرة الأولى أوكلت للجهاز حديث النشأة، ولم توكل لا إلى الشرطة ولا إلى الدرك ، وفي ذلك تعبير لايحتاج تعليقا عن معالم موريتانيا الجديدة في طبعتها الأمنية. توقيفات القافلة المتتالية على مدار الطريق أوصلت رسالة واضحة للأيتام والأرامل والحقوقيين والإعلاميين مفادها " الطريق إلى إينال ما زال مغلقا... ما زال طويلا.. عليه الكثير من الحواجز، ودونه الكثير من التفتيشات والاستفزازات.. الصلاة التي أقيمت في كيهيدي لم تكن خاشعة والدعاء المرتفع منها لم يخرج من القلوب لذلك لم يتجاوز حناجر الجوقة التي أطلقته. لا ما نسينا من الرسائل القوية التي حملتها رحلة إينال لكل من يستطيع ويريد القراءة أن الزمن ليس جزء من علاج الجرائم البشعة التي اقترفت في سنوات الجمر الطائعية، فقد كانت الرحلة مكونة من أربعين سيارة على متنها ما يناهز المائتي ناشط حقوقي وإعلامي، وضمت قادمين من مدن موريتانية مختلفة ووافدين من دول أوربية، إضافة إلى العشرات من الناجين من مجزرة إينال ومن أيتام وأرامل تلك الأحداث المؤسفة. لقد راهن ولد الطائع بداية التسعينات على أن قانون العفو الصادر عن البرلمان يومها وشيئ من الرشاوي الكبيرة للمتاجرين بالدماء يمكن أن يحل المشكل، لكن الملف انفجر في وجه نظامه نهاية التسعينات عندما كاد القضاء الفرنسي أن يعتقل النقيب اعل ولد الداه أحد المتورطين في جرائم بداية التسعينات، وفتح القضاء البلجيكي ملف متابعة العقيد نفسه ليدرك متأخرا أن رهانه على النسيان كان خاطئا. إن للمئات من الضباط والجنود الموريتانيين الذين قتلوا في تصفيات ولد الطائع المجرمة عائلات كريمة،ومواطنون شرفاء من مختلف المكونات يأخذون على عاتقهم إبقاء قضيتهم حية إلى أن تتم معرفة الحقيقة ومحاسبة المتورطين، فبذلك وحده يمكن أن نتحدث عن التجاوز وليس النسيان، وبذلك وحده نضمن أن لاتتكرر تلك الجرائم غدا ضد نفس الشريحة أو ضد شرائح أخرى فالظلم والبغي والعنصرية أمراض فتاكة لالون لها ولاعرق ولاثقافة.
نخبنا المعاقة يحرص الناجون من مجازر إينال وولاتة والجريدة والعزلات في مختلف الشهادات التي يدلون بها على التنويه بأمثلة مشرقة من ضباط وجنود " بيظان" رفضوا الانخراط في عمليات التعذيب التي مورست ضد ضباط زنوج، ويؤكدون في أكثر من مرة أن ضباطا عربا و زنوجا وحراطين تورطو في تلك الجرائم، وهو ما ينفي بشكل كامل عما حدث صفة الحرب الأهلية أو المشكل العرقي بين البيظان والزنوج ويضعه في سياقه الحقيقي ؛ جريمة نظام سياسي ضد مكون وطني، ورغم كل هذه التوضيحات نلاحظ بكل أسف أن المزاج العام في المجتمع البيظاني يميل إلى عدم التفاعل مع مطالب الضحايا المشروعة بالعدالة، ويجنح في المقابل إلى الرؤية الداعية إلى النسيان حتى لا أقول التجاهل أو الإنكار حتى، وقد ظهر الأمر جليا في مستوى مشاركة النخبة البيظانية في قافلة إينال تحت حجج ودواعي مختلفة، والحقيقة أن هذا الموقف يعبر عن حالة من الإعاقة الوطنية تواجهها قطاعات واسعة من نخبنا تجعلها غير قادرة على رؤية قضايانا الوطنية بمختلف ألوانها ومشاربها، وهي حالة مرضية خطيرة ستدفع بالبلد – إن لم يتم تداركها – إلى حالة من الفئوية المغلقة سيكون المستفيد الأكبر منها هو دعاة التفرقة والعنصرية والقبلية وسيتصدر الوطن والمشاريع الوطنية الصادقة قائمة الضحايا والمتضررين. لانريد الانتقام حتى أيتام الضحايا، وهم يحرمون على مدى عشرين سنة من معرفة مصير أبائهم، وهم يهانون على مدى عشرات الساعة قبل الوصول إلى حيث سجلوا رغما عنهم في قائمة الأيتام كانوا يؤكدون أنهم ليسو دعاة انتقام، ولايحسون بأي حقد أو ضعينة ضد أي كان كل ما يريدونه هو معرفة الحقيقة وتطبيق القانون، وهل ثمة مطلب أكثر عدالة وإنصافا من هذين المطلبين، وهل يدرك المصرون على " غلق الطريق إلى إينال " أنهم يدفعون بذلك إلى البحث عن طرق أخرى، ويسحبون البساط من تحت الدعوات العاقلة ويسلمون أوراقا رابحة لقوى التطرف والغلو الموجودة بكل أسف في اتجاهات ومواقع شتى....؟ الدماء لاتباع يراهن نظام الجنرال محمد ولد عبدالعزيز على تسوية مشكل الإرث الإنساني عن طريق دفع مبالغ مالية معتبرة لمن يقبل " المبايعة " في دماء الضحايا لكن ذلك الرهان خاسر وقاصر، وقد عبر عن ذلك أكثر من واحد من المشاركين في القافلة، واعتبره محمدو سي بصدق " إهانة لاتقل عن قتل الضحايا أول مرة " لقد خسرت موريتانيا خسارة كبيرة حين تم الانقلاب على نظام الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله وهويقطع خطوات وطنية واثقة على طريق تضميد الجرح الوطني، فقد كان خطاب يونيو الشهير وما تلاه من أيام وطنية للتشاور وشروع في إعادة المبعدين صفحة المصالحة الوطنية برؤية وطنية ثاقبة تمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، وتعتمد الاحترام الواجب للضحايا والإشراك الفاعل لهم منهجية للوصول إلى تصور وطني إجماعي لتحقيق المصالحة المنشودة..
المصالحة ممكنة السؤال البدهي الذي يطرح بعد استعراض مختلف الرسائل السابقة هو هل ما تزال المصالحة ممكنة رغم كل المعاناة التي تطحن ضحايا الظلم والقتل والقهر منذ اكثر من عشرين سنة، ورغم تبنى النظام السياسي القائم لمقاربة " شراء الدماء" المستفزة للضحايا ولأصحاب الضمائر الحرة في هذا البلد.. والجواب نعم المصالحة ما زلت ممكنة وفي المشتركات الإسلامية والإنسانية والوطنية أرضية صالحة متى ما وجدت رؤية صادقة وشجاعة وحكيمة. نعم المصالحة ممكنة عندما تتحمل القوى الوطنية المسؤولية وتستلم زمام المبادرة وتنخرط في حراك وطني شامل يرفع شعار " الحقيقة والعدالة والمصالحة" ؛ فالخطوة الأولى هي معرفة الحقيقة، والخطوة الثانية هي التمكين للعدالة الحقة لتقول كلمتها، أما الخطوة النهائية التي لامناص عنها ولابديل فهي المصالحة، واعتقد أنه حان الوقت لينخرط الجميع في هذا الاستحقاق الوطني المؤجل لأن ترك الأمر بيد النظام الحالي يلعب به ويتاجر ويقامر أمر يجعل البلد كله على كف عفريت، ويجعل أحلامنا جميعا بالوحدة والحرية والرفاه تتبخر كما تبخرت أحلامنا برحلة سالكة إلى إينال.
|
